حفظ الهوية يكسب “المهمّين” هويات جديدة ووثائق سفر لا تخول أصحابها دخول بلدانها

حفظ الهوية يكسب “المهمّين” هويات جديدة ووثائق سفر لا تخول أصحابها دخول بلدانها

ان العرب لم يتفقوا يوماً واحداً على مشروع يخدم قضيتهم المركزية، أو تتوحد جهودهم كما اتفقوا على عدم تجنيس اللاجئين أو توطينهم، أو منحهم حقوقاً، ليبقوا لاجئين، ويطلبوا لهم المساعدات من وكالات غوث وتشغيل اللاجئين.

فالجامعة العربية أصدرت القرار الرقم 1547, عام 1959, الذي طالب بحفظ الهوية الفلسطينية. وجاء القرار قبل أن تنشأ منظمة التحرير، واستمر العمل به خوفاً من أن تقوى شوكتهم، وليس خشية من أن تذوب هويتهم.

الغريب في الأمر ان أهم المسؤولين في المنظمات الفلسطينية يحملون الجنسيات المختلفة، هم وعائلاتهم.

ونسوا أنه إذا كان الهدف هو حفظ الهوية فلماذا غيروا هوياتهم؟ ولماذا لم يطالبوا في القرار المذكور آنفاً بأن تعطى كل التسهيلات للاجئين مع بقاء الهوية كرمز؟ واحتفظوا بمخيمات ترفض الحيوانات الأليفة العيش فيها. وأصبح شعار هذا اللاجئ “كوفية وخيمة”.

فكيف يطور صاحب هذا الشعار ذاته من العدم، وهناك قانون طبيعي يقول: “المادة لا تفنى ولا تنشأ من العدم”, وفي ظل عدم وجود امكانات؟ ويأمل في العودة ويتساءل: هل بقرارات الأمم المتحدة؟ أم بمبادرات السلام؟ أم بمن يسومونهم سوء العذاب؟ أم بمن يمنون عليهم الاستضافة في مخيمات ليبقى بكوفية وخيمة فقط؟

هذا اللاجئ يبحث عن حقوق الإنسان فلا يجدها، وحتى الممثل الشرعي والوحيد لهذا الشعب بدأ يتخلى عنه، ولا يعرف منه إلا دفع الرسوم والتعويضات والتبرعات.

والتعاون مع دول شقيقة لعدم تجديد وثيقة السفر إلا بخطاب من سفارته موجه لقنصلية الدولة بالإيعاز بالتجديد، بعد أخذ الإتاوة والرسوم، مع ختم الوثيقة بختم لاجئ رسمي أي (لا يحمل جواز سفر السلطة أو هوية مواطنة).

وهذه الوثيقة لا تخول صاحبها دخول الدولة التي أصدرتها، وبها لا يستطيع دخول الأراضي المحتلة، لأن اسرائيل هي التي تتحكم في المعابر والحدود.

وطالما ان اسرائيل سعت منذ البداية الى طمس حق اللاجئين في العودة، فكيف لهذا الشعب المغلوب على أمره أن يرفض هذه المشاريع, أو يصر على تمسكه بحقه في العودة؟

وبعض الدول العربية تحظر تنقل الفلسطينيين أو العمل في بعض المهن. بل أنهم معزولون في مخيمات، لا يخرجون من المخيم إلا بتصريح, ولا يدخلون إلا بتصريح, وكأنهم في ثكنة شبه عسكرية, أو محمية محاطة بأسلاك شائكة حفاظاً على من بداخلها من الانقراض.

لأن هذه “الهوية” يجب ألا تنقرض، لأننا نحتاجها في المسلسلات “العربية”. فالعرب أمة لا تدرس تاريخها، بل تتفرج عليه! فهل تستحق الأمة حملة “أيام الندم” طالما اسرائيل، عفواً أميركا هي الخصم والحكم؟

الحياة 2004/10/13

مصطفى بن محمد غريب

متى نسمع عن مبادرة عربية لتطوير المخيمات؟

متى نسمع عن مبادرة عربية لتطوير المخيمات؟

من المفروغ منه الآن أن جميع مبادرات السلام بخصوص القضية الفلسطينية لم تحقق أهدافها سواء منها العربية أو غير العربية ولازالت حالة من الضياع والتردد والحيرة تنتاب العالم العربي.

ولاسيما أن شارون قد فرض عليها وعلى البيت الأبيض شروطه للانسحاب من قطاع غزة والذي لازال يماطل ليكسب مزيداً من الوقت وخصوصاً بعد التأجيل الأخير لمدة ثلاثة أسابيع إن صدق.

والغريب في الأمر أن مؤتمرات القمة لازالت تؤكد على مبادرة السلام العربية التي استبدلتها الولايات المتحدة الأمريكية واللجنة الرباعية بخارطة الطريق، في الوقت الذي لاتزال القمم العربية تدعمها على أنها الإنجاز الرئيسي إن لم يكن الوحيد على الصعيد العربي.

ولقد عبرت الأوساط العربية بالإجماع عن تأييدها لهذه المبادرة التي حظيت في الوقت نفسه بتأييد متزايد من قبل دول الإتحاد الأوروبي والكل يعلم أنه لا مجال لتحقيق أي تقدم طالما هناك محور أقوى في التأثير على التطبيق وهو المحور الإسرائيلي والأمريكي.

ولقد كان من المفيد أن يقدم العرب للعالم رؤية متزنة وواقعية لتحقيق السلام في المنطقة العربية ولا أقول منطقة الشرق الأوسط وإذا كان الهدف من هذا السلام هو إنهاء حالة الحرب والعداء بين الدول العربية وبين الدولة العبرية وطالما أن هذا السلام هو لتحقيق قيام دولة فلسطينية ودولة يهودية يعيشان بسلام. 

وإذا كان هذا السلام هو من مصلحة الفلسطينيين والعرب قبل غيرهم فلماذا لا تقوم هناك مبادرة عربية لتحسين أحوال الفلسطينيين في المخيمات كمرحلة انتقالية يتم تهيئتهم فيها للعودة الى أراضيهم كما وعدتهم الدول العربية منذ العام 1948م بأن العودة قريبة.

ولا يبدو حتى الآن أن هناك أمل بالعودة، ولكن التفاؤل من الإيمان لعل أن يكون هناك جدوى من الحلول السلمية.   

وليكن من أهم أهداف هذه المبادرة هي القضاء على الفقر والجهل والمرض وتأمين الحياة الكريمة للاجئين الذين طال انتظارهم وهم يحلمون بالعودة.

على أن يتم تهيئتهم بقبول أي حلول سلمية بعد أن تم تجريب الضغط عليهم حتى يقبلوا بأي حلول وحتى يتخلص العالم العربي من حالة فقد الثقة بالقيادات الإسرائيلية التي أدت الى فقد ثقة الشعوب العربية بقياداتها في كثير من الدول حتى أصبحت قرارات مؤتمرات القمة محفورة في الذاكرة لا تغيير فيها ولا تعديل وخصوصاً فيما يتعلق بالتوطين.

وطالما أن إسرائيل اعتادت الرد على كل تنازل عربي بتشديد الضغط العسكري والسياسي على الشعب الفلسطيني الذي أصبح ينظر بعين الشك الى أي مبادرة سياسية عربية سلمية.

ويعتبرها نوعاً من التغطية على موقف الضعف والعجز العربي لا غير وحتى نتخلص من كل هذه العقد لابد من قيام مثل هذه المبادرة التي ستحقق إنجاز عربي على صعيد تحسين أحوال المخيمات التي تعاني من الويلات.

ولاسيما أنه بعد معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية ومعاهدة وادي عربة مع الأردن حققت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة تحييد لهذين النظامين على الأقل في حربها ضد الفلسطينيين.

وتجاوزت جميع الحدود والمبادئ الأخلاقية والقانونية المعترف بها عالمياً وليس ذلك فقط وإنما أضعفت كل مبادرة وحققت نتائج من ضمنها افتتاح مكاتب تجارية لها في كثير من الدول العربية.

وليس غريباً في هذه الحالة أن ينتشر الإرهاب في كل مكان من عالمنا العربي وغير العربي.

وليس المقصود من مطالبتنا بمبادرة جديدة لتحسين معيشة الفلسطينيين في المخيمات هو التقليل من قيمة المبادرة العربية ولا من المكاسب السياسية والدبلوماسية العديدة التي يمكن أن تقدمها للقضية العربية.

ولكن من أجل تحقيق جزء من أحلام قاطني المخيمات ولا تعتبر هذه دعوة مبطنة للتوطين، ولكن دعوة لتحسين معيشتهم قبل عودتهم وليس ذلك يعني إسقاط لحق العودة.  

ولن تضير هذه المبادرة العرب، بل ستظهر استعدادهم في مد يد العون لإخوانهم الفلسطينيين حتى يتم تلطيف الأجواء السياسية لإطلاق التسويات التاريخية وتقديم التنازلات المؤلمة في سبيل التوصل إلى السلام وضمان الأمن والازدهار لشعوبهم وشعوب المنطقة بأكملها.

ولن يعتبر هذا الكلام تراجعاً تكتيكياً أو إستراتيجيا عربياً عن مبادرتهم ولكن يعتبر ذلك من باب حسن النوايا لتحسين معيشة هؤلاء البشر فليس من المعقول والمقبول أن يبقوا في مخيمات الى أن يتكرم عليهم من سلب ارضهم أن يعيدها إليهم ولكن هو نوع من تعديل وتطوير في المواقف العربية التقليدية منذ عام 1948م.

هذه المواقف المتقدمة والمتطورة ستعزز التوازن في الهجرة اليهودية الى فلسطين ليعيشوا في مستعمرات على أحدث طراز ويبقى الفلسطينيين في مخيمات من أسوأ طراز.

هذا التوازن سيعيد لهذا اللاجئ الثقة في نفسه وفي قيادته وفي الزعامات العربية بشكل عام ويعطي مؤشر قوي لتنفيذ حقوق الإنسان.

وهذا أيضاً سيعطي مؤشر قوي وبشكل واضح وصريح أن العرب لن يتخلوا عن إخوانهم بدل التلويح بالتنازلات للرأي العام الإسرائيلي وتعريفهم بمكاسب السلام.

ولكن ذلك سيكون رداً مناسباً على التحدي الذي تمارسه حكومات إسرائيل المتعاقبة على الشعب الفلسطيني.

إن قيام مشاريع إسكان في مكان هذه المخيمات سينعش الدورة الاقتصادية في البلدان التي تتواجد على أراضيها هذه المخيمات وهو الرد السلمي والمقبول.

ويعتبر تأكيد ضروري للاحتفاظ بتأييد الرأي العام العالمي وهو مهم من زاوية التفكير الإستراتيجي ومن منظور المدى الطويل بدلاً من الهجرات الفلسطينية المتعاقبة الى العالم الغربي وقدوم مهاجرين يهود الى المنطقة العربية.

وهي أيضاً تعتبر دعم سلمي اقتصادي وضمان استمرار مقاومة الشعب الفلسطيني وانتصاره السياسي وأيضاً يعتبر دعم لمصداقية الزعماء العرب أمام شعوبها.

حتى لا تصبح في نظر هذه الشعوب ضالعة في مؤامرة الصمت العالمية المستمرة أو مؤامرة الكلام الذي لا يحقق أي نتائج على الأرض.

إن مبادرات السلام ينبغي أن تبدأ من هذا الطريق وهي خيارات عملية لحماية الشعب الفلسطيني الأعزل، بل وهجرة معاكسة للفلسطينيين للعودة الى النظام العربي والأرض العربية التي تتسع لملايين البشر والتي تنادي الدول المتقدمة مثل أستراليا وكندا للهجرة إليها وفتح باب العمل لهم لعمارة الأرض التي نادى بها ديننا الحنيف.

وسنجد أن المبادرة العربية هذه هي التي يتطلع الرأي العام العربي والفلسطيني منه بشكل خاص إليها، بل وينتظرها اللاجئون بفارغ الصبر فهي التي ستحقق لهم طموحاتهم لقهر الجهل والفقر والمرض قبل قهر إسرائيل.

فهي التي ستعزز مقاومة الشعب الفلسطيني وتمكنه من مواجهة الهجرات اليهودية المتعاقبة الى أرض فلسطين ابتداء من حقبة بن غوريون الى حقبة شارون.

وينبغي أن تراعى في هذه المبادرة المحافظة وضمان حقوق الدول التي يوجد بها مخيمات فلسطينية وما أقصده هنا أن تتضمن المبادرة نص صريح على أنها ليس إعادة لطرح الوطن البديل الذي تنادي به إسرائيل.

ولكن لتجنب قيام وطن بديل وحماية لهذا الشعب من محاولات الطرد أو تسهيل الهجرة لهم الى خارج المنطقة العربية وإنما هي إعادة لتنظيم وجودهم على أساس شرعي عالمي جديد.

وبداية للقيام بخطوات عملية حقيقية لدرء خطر قيام وطن بديل وحماية لكيان الدول التي يتواجدون على أراضيها ومنعاً لقيام حروب أهلية مستقبلية عند أي اختلالات سكانية أو مظاهرات شعبية أو نعرات طائفية.

ولاسيما ان هناك دعوات عربية تحذر من الوجود الفلسطيني على أراضيها وتطالب بعمل المخططات اللازمة لمواجهة أي احتمالات.

وخصوصاً على المدى الطويل ومن نسبة تزايد سكان المخيمات التي تعتبر من أفضل البيئات لقيام حركات تمرد شعبية التي ستؤدي في النهاية الى حروب أهلية.

وقد سبق وأن حدثت في الأردن وحدثت في لبنان أو قد تتكرر على شكل انتفاضة كالتي ماتزال مستمرة في الأراضي المحتلة.

إن موضوع اللاجئين والنازحين معقد، لدرجة يحتم أن تطرح له مبادرة قبل أن يترك الى مفاوضات الحل النهائي التي تبدوا من شكلها أنها لانهائية.

والأمر الذي أبرز دعوات من الدول التي تتواجد المخيمات على أراضيها بعدم الوقوف مكتوفي الايدي، إلى حين اقامة دولة فلسطينية والى حين أن يقرر الفلسطيني البقاء أو عدم البقاء.

أو تركه للمفاجئات التي ستنجم عن المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية والتي من المحتمل أن يتنازل فيها الفلسطينيون عن حق العودة، كما روجت لهذا الموضوع بعض المبادرات غير الرسمية وبرعاية وتمويل من بعض الدول الغربية.

ان مراقبة التطورات في الأراضي الفلسطينية، وتطورات العلاقة الفلسطينية الاسرائيلية لا يبشر بأي حـل في المدى المنظور، واذا جاء الحل فإنه سيكون على حساب بعض الدول التي يتواجد اللاجئون على أراضيها، ولأسباب عدة.

صحيفة إيلاف الإلكترونية 15– مايو – 2005م

مصطفى بن محمد غريب

الحرب الديموغرافية في الوطن العربي هل بدأت؟

الحرب الديموغرافية في الوطن العربي هل بدأت؟

إن الحديث عن تعديل قوانين الجنسية في العالم العربي قد بدأ منذ عدة سنوات، ولكن ذلك لم يأخذ الصبغة الرسمية في مختلف دول العالم العربي إلا منذ وقت قصير.

ويمكن تحديد زمن بداية الحديث عن تطوير هذه الأنظمة مع بداية توجه زعماء العالم العربي للسلام كخيار إستراتيجي وهو في الواقع خيار ظاهره عقلاني رشيد وحقيقة جوهره عجز وضعف شديد.

وإن كان السلام مطلب سام لجميع الدول والشعوب التي ترغب في الاستقرار الاقتصادي ومن ثم الاستقرار السياسي حتى تبدأ بالتطوير واستمرار مرحلة البناء.

وقد يتعذر علينا تحديد تاريخ البداية فقد تكون منذ زيارة الرئيس السادات الى القدس وبداية اتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية وقد تكون البداية منذ نهاية حرب الخليج الثانية وتحرير الكويت.

وهذا التاريخ هو بداية دخول العالم العر بي في نفق مظلم وقد نسميه بداية الحرب الديموغرافية بين شعوب المنطقة بتأثير من السياسيات الحكومية التي انقسمت أراء زعمائهم وتوجهاتهم بين مؤيد وبين معارض.

ولكن على جميع الأحوال فإن الزلزال قد حصل ونتائجه الكارثية لم تنتهي بعد واستمرت الأحداث من سيئ الى أسوأ الى أن جاء الزلزال الأكبر وهو زلزال الحادي عشر من سبتمبر ٢٠٠١ م في نيويورك وواشنطن.

وما تلى ذلك من أحداث دموية في أفغانستان ومن بعدها العراق ولازال هذا الزلزال وتوابعه وردات فعله جعلت الكثير من الحكومات تتخبط في وحل هذا البركان الذي أفرز ومازال يفرز جماعات إرهابية وجماعات مقاومة.

فاختلط المعنى بين مفهومي الإرهاب والمقاومة حتى بين رجال السياسة ورجال القانون كما اختلط مفهوم الجهاد بين كبار علماء المسلمين وكل منهم له رأيه وتفسيره بالرجوع الى نصوص من الكتاب والسنة. 

وهذه المقدمة ماهي إلا سرد سريع قبل الدخول في صلب موضوع الحرب الديموغرافية بين شعوب المنطقة العربية كتأثير مباشر للسياسات والأنظمة المتبعة في هذا الشأن في كل دولة عربية على حدة.

ولن ندخل في تفاصيل ما يحدث في كل دولة عربية وإنما سنذكر ذلك على سبيل المثال حتى لانتهم بالانحياز لفئة أو لطرف على حساب الطرف الآخر.

ولكن هناك بكل تأكيد خطط وبرامج موضوعة في كل دولة حسب ظروفها الاجتماعية والسياسية سواء الداخلية منها أو الخارجية أو فيما يتعلق بالأمن الخاص للسلطات الحاكمة بها فكل دولة أدرى بظروفها الداخلية.

والكثير من القيادات ترغب في إحداث الكثير من التغيير والتطوير، ولكن لا يقدمون على ذلك بصورة ثورية أو سريعة حتى يمكن السيطرة على هذا التغيير وقياس نتائجه من وجهة نظرهم.

وهذا هو سر من أسرار التقدم البطيء نحو الديموقراطية والحرية والتطور في كثير من الدول العربية وهو نفسه السر في احتفاظ القيادات العربية بأنظمتها وسلطاتها الى أطول فترة ممكنة.

إذا لم يكن هناك تدخلات خارجية لإزاحة هذا النظام أو ذاك فالتغيير بدأ من الخارج في حالتي أفغانستان والعراق لتغيير أنظمة الحكم وكذلك سيبدأ التغيير من الخارج في مسألة الحرب الديموغرافية التي يتم التحضير لها في واشنطن.

ولكن التنفيذ سيبدأ من الداخل وفي هذا الحالة لا نستطيع الإنكار أن هناك تخطيط متفق عليه لتغيير التركيبة السكانية لجميع الدول العربية لإشعال حروب ونعرات طائفية وإقصاء المواطنين الأصليين.

وهذا بحد ذاته ليس جديدًا على أجزاء كبيرة من الدول العربية وبلا استثناء ولينظر كل باحث الى بلده وما يحدث فيها من إقصاء.

وإذا كانت أحداث الشرق الأوسط وحروب الخليج المتعاقبة قد أفرزت كتاب صدام الحضارات وإعادة بناء النظام العالمي لمؤلفه صموئيل هنتنغتون في عام ١٩٩٦م وهو تطوير لمقالة نشرت في مجلة العلاقات الخارجية صيف عام ١٩٩٣م.

وفي هذا الكتاب أفكار نظرية عن فكرة الحضارات وإشكاليتها والعلاقة بين القوة والثقافة وتوازن القوة المتغيرة بين الحضارات والتأصيل الثقافي في المجتمعات والأصولية الإسلامية وأسباب وديناميات حروب خط الصدع بين الحضارات.

فيمكنني أن أ قول أن نفس الأحداث وما يتبعها من امتداد للزلزال في واشنطن ونيويورك في ١١ سبتمبر ٢٠٠١م والذي أصبحت بغداد المركز الجديد لامتداد الزلزال السالف الذكر، سيخلق صراع بين الطوائف المختلفة.

ومما نتنبأ به هو أن صراع الحضارات سيتحقق وصراع الطوائف والنعرات سيتحقق أيضًا.

وهذه الأحداث ستفرز كتبًا في صراع الطوائف والنعرات، بل والحروب الأهلية أيضًا، أما بخصوص الإقصاء فيمكننا القول، إن هذا الإقصاء ليس جديدًا في معظم البلاد العربية فهو في حقيقة الأمر صراع على السلطة وتسلط فئة أو طائفة على أخرى في هذه الدولة أو تلك.

وبعداً عن الديموقراطية وقربًا من الاستعباد والطغيان بجميع أشكاله، ابتداء من الدول المتقدمة وانتهاء بالدول المتخلفة والتاريخ أكبر شاهد على تفريغ كثير من الدول من سكانها الأصليين ونشوء أنظمة وحضارات وحكام ورؤساء ليسوا أصلاُ من سكان البلاد التي يحكمونها. 

والأمثلة في التاريخ كثيرة ابتداء بالفتوحات الإسلامية الى الدول الاستعمارية الى الخلافة العثمانية الى الحكام الذين ينتمون الى قبائل في الجزيرة العربية ويحكمون دولاُ في الخليج العربي.

الى طوائف أقلية عرقية تحكم أكثرية سكانية في بعض الدول العربية الى قضية الصراع العر بي الإسرائيلي وكثيرًا قرأنا في كتب التاريخ أبناء قبيلة معينة وطئت أقدام بلد ما حتى أصبحوا حكامًا عليها.

ومن ثم استقدموا بني جنسهم في بلد معينة واستقروا فيها وحتى تصير لهم الغلبة تبدأ قضية الإقصاء أو الترانسفير المصطلح الإسرائيلي والغربي لعملية الإقصاء والتهجير وما هو إلا تخطيط لتغيير التركيبة السكانية للبلد وإقصاء المواطنين الأصليين.

ويتم ذلك في هذا العصر بما يسمى خطط التجنيس والتوطين وتختلف قوانين التجنيس من دولة الى أخرى بما يخدم مصلحة الحكام وليس بما يخدم مصلحة الدولة بشكل عام.

وما من شك أن الدول التي عانت من نير الاستعمار لازالت تعاني من السياسات التي رسمها الاستعمار لهذه البلد أو تلك قبل أن يغادر البلاد ومن هذه السياسات هي سياسة فرق تسد.

فكانت الدول الاستعمارية تتولى جلب بعض المتعاونين معها ومنحهم القوة والسلطة والمال ومن ثم تثبيتهم حتى أصبحوا مع مرور الزمن حكامًا ومواطنين ولهذا السبب نشأ في بعض الدول التفريق بين التجنيس والجنسية.

أي أن هناك مواطن درجة أولى ومواطن درجة ثانية أو هذا مواطن برقم وطني وهذا مواطن بدون رقم وطني وهذا بدون أي لا يرقى الى درجة المواطن.

وجميع هذه الأمور تفرز روائح نتنة وستحدث مستقبلا حربًا ديموغرافية بين سكان البلاد.

ففي الحقبة العثمانية زمن الخلافة كانت الدول العربية ضمن إطار حدود دولة الخلافة الإسلامية ولم تكن هذه التقسيمات نشأت بعد.

ومن ضمن السياسات التي قامت بها الدول الاستعمارية هي رسم الحدود على الخرائط وبطريقة تنشأ من ورائها النزاعات على الحدود فلا توجد دولة عربية رسمت حدودها بطريقة صحيحة وسليمة.

ولذلك تغذت النزعات العرقية والطائفية التي ستؤدي إن عاجلاً أم آجلاً الى أهداف التخطيط الاستعماري بعد جلائه ورحيله.

ففي حقبة الاستعمار البريطاني لا توجد دولة رزحت تحت الاحتلال البريطاني إلا وتعرضت لمشاكل حدودية مع دول الجوار ونفس المثال ينطبق على الاستعمار الفرنسي أو الإيطالي أو البرتغالي أو غيرها . وستأتي مرحلة استعمارية جديدة بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية بحجة الدفاع عن الحرية والديموقراطية ومحاربة الإرهاب والبحث عن أسلحة الدمار الشامل.

وهكذا يقول بوش الابن في خطاب ولايته الثانية ” طالما ظلت مناطق بأكملها في العالم مضطربة بالظلم والطغيان، فسوف يوجد العنف ويتكاثر ليشكل قوى مدمرة، وسيتخطى أكثر الحدود تحصنا ويمثل تهديدا مميتا.

إن أفضل أمل للسلام في عالمنا هو نشر الحرية في كافة أنحاء العالم، ولذلك فان سياسة الولايات المتحدة هي السعي لدعم نمو الحركات الديموقراطية والمؤسسات والثقافة في كل امة.

بهدف إنهاء الطغيان والديكتاتورية بشكل كامل في عالمنا ” انتهى كلام بوش.

وهنا نستطيع أن نؤكد أنها بداية الحرب الديموغرافية في الوطن العربي ولهذا قلنا إن التغيير سيبدأ من الخارج، ولكن التنفيذ سيبدأ من الداخل.

وعليه يؤكد بوش ” ولن نفرض أسلوب حكمنا على من لا يريده، وهدفنا البديل هو مساعدة الآخرين على أن يكون لهم رأيهم وصوتهم والحصول على حريتهم وشق طريقهم بأنفسهم “.

وهي دعوة لانطلاق شرارة الحرب الديموغرافية والدليل على ما نقول هو النص التالي الذي ذكره بوش في خطاب ولاية العرش الثانية ” كل من يعيشون تحت الطغيان بلا أمل يمكنهم أن يعلموا : الولايات المتحدة لن تتجاهل قمعكم أو تسامح قامعيكم، وعندما تطالبون بحريتكم وتدافعون عنها سنقف معكم ونساندكم. “

صحيفة أيلاف الإلكترونية 22-يناير-2005م

مصطفى بن محمد غريب

السياسة الديموغرافية العربية تساهم في بناء دولة إسرائيل الكبرى

السياسة الديموغرافية العربية تساهم في بناء دولة إسرائيل الكبرى

قد يبدوا هذا العنوان غريبًا، ولكن الغريب هو كيف تفكر الدول العربية في مستقبلها، ولو ضربنا المثل في إسرائيل التي تسعى جاهدة الى التفوق الديموغرافي ليس على الفلسطينيين فحسب وإنما على الدول العربية مجتمعة.

بعدما تحقق لها التفوق العسكري بعد اعتمادها على سياسة توازن القوى مع جميع الدول العربية وكما تسعى أيضًا الى جلب المهاجرين من كل مكان وهي تعلم أن جميع القادمين ليسوا يهودًا.

وعلى سبيل المثال فإن المهاجرين الروس الى إسرائيل والذين بلغوا نسبة ١٥ – ١٨ % من إجمالي سكان إسرائيل وهو ما يعتبر أكبر نقلة ديموغرافية في تاريخ الدولة العبرية وهو بمثابة المدد القادم في الحرب الديموغرافية الدائرة حاليًا ضد جميع الدول العربية.

ولنا أن نتخيل عدد المهاجرين الى إسرائيل خلال عقد من السنوات وهو ما يقدر بمليون مستوطن وهو ما يزيد على تعداد دول الخليج مجتمعه ماعدا السعودية.

وهذا الذي دعانا الى التساؤل والتعجب بكيف تفكر الدول العربية بمستقبلها وخصوصًا الدول الخليجية التي لازالت تر فض زيادة عدد سكانها عن طريق منح الجنسية لكثير من المسلمين من الطبقة العاملة ومن العلماء وهي قادرة ماليًا على الإنفاق وعلى الاحتواء ولاسيما أنهم مسلمون ويتحدثون العربية.

ومن العجب أن إسرائيل تستقدم المهاجرين من شتى بقاع العالم ويتكلمون جميع اللغات ولا يدينون باليهودية والحكومة الإسرائيلية على علم بذلك.

وهذا ما أكده رئيس الحكومة الإسرائيلي الأسبق “إسحق رابين ” في موسكو حين سأله أحد الصحافيين الروس: “هل تعلمون أن عددا كبيرا من المهاجرين إلى إسرائيل من روسيا ليسوا يهودا؟ ” فأجاب رابين : “نعلم ذلك .. ولا تقلق عليهم، سوف يصبحون يهودا”!

ومما يلفت النظر والانتباه الى وجود نسبة مرتفعة تصل من ٢٣ %- ٢٥ % منهم من الفئات المهنية المؤهلة للنهوض بأي مجتمع كالعلماء في شتى الميادين والأطباء، والمهندسين، والتربويين، والعسكريين.

ويكفي أن نعلم أن نسبة ذوي التعليم العالي لدى المهاجرين الروس تصل الى أربعة أضعاف نظيرتها الى بقية الإسرائيليين وهذا ما أدى الى زيادة نتيجة نسبة المؤهلين أكاديميًا في إسرائيل لتقترب من ١٥ % من إجمالي عدد السكان لتصبح دولة من أهم الدول التي تضم السكان الأكثر مهارة في العالم.

وكذلك الدول الغربية رغم أنها تعامل المهاجرين العرب بطريقة إنسانية وتوفر لهم الحياة الكريمة إلا أنها تستفيد من وضعهم كجماعات ضغط على الدول العربية لتنفيذ سياساتها أو قد تستفيد منهم للعودة ضمن الحملات العسكرية.

وهذا المثال يبدوا جليًا في شن الحرب على الإرهاب وقدوم أعداد كبيرة من المجندين العراقيين للمشاركة في إطاحة النظام الديكتاتوري في العراق وهذا ما قصدنا به التغيير من الخارج ولكن التنفيذ من الداخل في مقال سابق.

وما كان لمثل هذه الأزمات أن تحدث لو أن الدول العربية تعتمد على الدستور الإلهي في كل النواحي، بل أن معظمها يفتقد الى دستور عام لتنظيم شؤون حياتها والى مجالس شورى منتخبة، بل أن معظمها بالتعيين وكثير من هذه الدول تعتمد بما يسمى قانون الطوارئ أو قانون الأحكام العرفية سواء تم الإعلان عنه أو لم يتم.

فقانون الطوارئ هو القانون السائد في معظم الدول العربية فالشعوب مغلوبة على أمرها وطالما اعتمدنا على قوانين الطوارئ فنحن نعتمد على قوانين غير عادلة.

وعليه فإن أنظمة الجنسية تعتمد على إقصاء المثقفين والعلماء وإحلال المهاجرين غير المثقفين محلهم فالجنسيات تعطى طبقًا لمصلحة السلطة وليس لمصلحة الدولة.

وغالبًا ما يحصل طالب الجنسية العربية بالواسطة أو بالرشوة أو بالتزكية أو بالعلاقات الشخصية مع أصحاب القرار أو بالمحسوبية وهناك ما يعرف بنظام الحالة أي أن الجنسية لا تمنح بنا على المؤهلات العلمية أو تطبيق مواد النظام كشرط عدد سنوات الإقامة أو الولادة أو غيرها ولكن تدرس كحالة بغض النظر عن شروط انطباق النظام على هذه الحالة أم لا.

وكثيرًا ما نجد تعديًا أيضًا على النظام كتجنيس الرياضيين أو تجنيس بعض الشخصيات بما تتمتع بعلاقات مع المسؤولين وأصحاب القرار وهنا يكون التمييز في المنح ولهذا تسمى منحة أو مكرمة ولا تعطى درجة من الاستحقاق حسب النظام.

بل ويجوز للدولة أن تسحب هذه الجنسية متى شاءت ولو بوشاية من حاقد أو مغرض أو لأسباب أخرى.

ورغم كل الإجراءات والاحتياطات المتبعة بهذا الشأن إلا أن المشاكل الديموغرافية تزداد تباعًا وخصوصًا فيما يتعلق بالتركيبة السكانية الديموغرافية وهذه تتفاوت في نتائجها السلبية من بلد عربي الى آخر.

وهذا ما يظهر جليًا في الدول العربية وتقف كثير من المنظمات أو الهيئات عاجزة عن إيجاد حلول لمثل تلك المشكلات التي سوف تكبر وتتفاقم في المستقبل.

وسوف يتكرر ما حصل في العالم مثل مشكلة البوسنة والهرسك أو مشكلات التطهير العرقي في كثير من الدول.

وتقف الجامعة العربية ومجلس التعاون الخليجي موقف المتفرج العاجز الذي يغض النظر عما يجري من ممارسات تسير باتجاه طمس وتغيير التركيبة السكانية الديموغرافية.

فهل فكرت الدول العربية بالمهاجرين العرب الى أمريكا وكندا وأستراليا والدول الأوروبية والذين أصبحوا من علمائها ومثقفيها، وأصحاب الأعمال ،والمصانع والمفكرين.

ومن الغريب أيضًا أن الدول العربية لا تستطيع استغلال الفرص فعند تفكك الإتحاد السوفيتي بعد أن تبنى الرئيس السوفيتي الأخير جورباتشوف ما عرف بسياسة البيرستيروكا (إعادة البناء) ورفع الحظر عن هجرة العلماء السوفييت.

ومنهم علماء مسلمون أيضًا وكان لديهم استعداد للتوجه الى الدول الغنية بحثًا عن حياة أفضل، ولكن الدول العربية تأبى إلا أن تكون في مؤخرة الدول.

وهو ما دعانا الى تسميتها دول العالم الأخير وليس دول العالم الثالث، ولننظر كيف استغلت إسرائيل هذا الموقف وعملت على تسهيل إجراءات السفر والإقامة والعمل مما دفع بمئات الآلاف الى الهجرة الى إسرائيل.

وهو نفس السيناريو الذي أتبع في موجات الهجرة الصهيونية من أجل الاستيطان في فلسطين.

فكأنما العرب لا تقرأ التاريخ جيدًا وهذا ما يدعونا للتساؤل لماذا لا نسهل إجراءات الهجرة واستقطاب العلماء للنهوض بعجلة التنمية؟ بدلاً من سياسة الإقصاء والتهجير للمثقفين والعلماء وأصحاب رؤوس الأموال التي تجعل الكثير من الكوادر العربية والإسلامية تذهب الى الغرب.

في الوقت الراهن ثم الى إسرائيل بعد عقود لتتمتع بقوانين تحمي عقولها وتحمي رؤوس أموالها فلا أنظمة للكفالة ولا أنظمة للاستقدام ولا أنظمة لترحيل الوافدين حتى ولو كانوا من العلماء البارزين.

وليس بمستغرب أن يهاجر غدًا علماء عرب الى إسرائيل بدلاً من الهجرة الى أمريكا وكندا وأستراليا والدول الأوروبية.

وبالتالي ستتفرغ الدول العربية من محتواها وستبقى صحاري جرداء لا تجد من يعمرها عوضًا عن أن يبني فيها حضارات.

ولن تنتهي المنظمات الصهيونية من بث الدعاية والترويج للهجرة الى إسرائيل إلا بعد أن تصبح إسرائيل قوة عظمى تضاهي قوة أمريكا في الوقت الراهن.

صحيفة إيلاف الإلكترونية 24-يناير-2005م

مصطفى بن محمد غريب

نظرية الجسد الواحد تعرقل قيام دولة إسرائيل الكبرى

نظرية الجسد الواحد تعرقل قيام دولة إسرائيل الكبرى

لقد وردت إلينا العديد من الرسائل حول المقال الذي نشر في صحيفة إيلاف الإلكترونية يوم الإثنين 24 يناير 2005م تحت عنوان السياسة الديموغرافية العربية تساهم في بناء دولة إسرائيل الكبرى.

وهذه الرسائل منها ما هو مؤيد ومنها ما هو معارض لما ورد في المقال الآنف الذكر أعلاه.

ولعلي هنا أريد التعليق والرد على كل الأحبة اللذين خالفوني الرأي ولا أريد أن أختلف معهم أو ندخل في جدل لا طائل منه.

بل أريد أن أختصر المسافات فهناك عبارة جيدة تريحني وتريحهم وهي قولي صواب ويحتمل الخطأ وقول غيري خطأ ويحتمل الصواب أي قد يكون كل منا على حق في بعض ما يقول وليس في كل ما يقول.

وحين كتبت هذا المقال أعلم علم اليقين أن هناك من يخالفني الرأي ومن يشاطرني الرأي وحسماً لهذا الموضوع أريد أن أقول نحن هنا لسنا في مجال الخلاف على أي شيء لأن الأمة يكفيها ما يكفيها من خلافات.

وفي نفس الوقت أقبل بوجهة نظرهم وأحترمها لأنها هي نتيجة الثقافة التي يتمتع بها كل فرد منهم وهي نتيجة للمعلومات التي حصلوا عليها والتجارب التي مروا بها.

ولكن أريدهم أن يمعنوا النظر من جديد وبشكل مجرد من العواطف فسوف يخرج لدينا ولديهم مخرج جديد أو إبداع جديد من داخلي ومن داخلهم لأن القناعات الداخلية لن تتزعزع إلا بعد تقليب الأمور مرة بل ومرات أخرى.

وإمعان النظر من جديد قد يكون فيه نوع من التحول ومن هنا أقول وحوارنا عسى أن يكون في صالح قراء إيلاف قبل أن أقول في صالح الأمة فنحن لسنا من الساسة أو المنظرين لهذه الأمة ففيها من الساسة والمنظرين والمفكرين بما هم أجدر منا وفيهم الخير والبركة.

ومن هنا أستطيع القول لسنا في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما قال أصابت امرأة وأخطأ عمر فكثير منا تأخذه العزة بالإثم نسأل الله ألا نكون منهم، بل نكون من الذين عرفوا الحق فأتبعوه.

ولهذا دائما أسأل الله أن يرينا الحق حقاً ويرزقنا إتباعه ويرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه.

أخواني الكرام أرحب بكم وبأفكاركم ومهما كان الخلاف في الرأي فينبغي أن نؤمن بقوله تعالى (‏ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين).

وأستطيع اقتباس بعض ما جاء من الردود وبالحرف الواحد بين قوسين ((أنت تطالب من دول الخليج التسهيل في عملية التجنيس…

وإن كنت أجزم بإن المعني هنا هي ” المملكة العربية السعودية ” على وجه التحديد..)).

وعليه أستطيع الرد بالقول دعونا نستبعد الأسماء والتحديد والتقييد ونطلق للفكر العنان فإنني أحببت أن أقول في مقالي ((المدد القادم في الحرب الديموغرافية الدائرة حالياً ضد جميع الدول العربية)).

وهذا القول نابع من إيماني بأن المصير مشترك أو ما يسمى بوحدة المصير ولن أدخل في مجال مناقشة موضوع نظام التجنيس الجديد. وهناك من قال أيضاً أضعه بين قوسين ((قانون التجنيس الجديد الذي سنته الحكومة السعودية قبل فترة وجيزة.. ولا اعتقد بإن هناك اية تعقيدات مفروضة.. (10 سنوات من الإقامة والانضباطية في العمل والتعامل ليست كثيره على من يريد الجنسية).

وهنا أحببت أن أرد بالتعليق التالي وبكلمة عامة على جميع القوانين والأنظمة في جميع الدول العربية وليس دولة بعينها وهذه الكلمة هي ” لو أننا نقوم بتطبيق القانون أو النظام حسب ما جاء دون تدخلات من هنا أو هناك لأنجزنا العديد من الأفكار والمشاريع التي يحلم بها كل عربي.

ولكن الانتقائية في تطبيق القوانين والأنظمة جعلت الناس تؤمن بالواسطة وازدواج المعايير وهو ما نعيبه على الدولة العظمى بالقول إنها تقوم بسياسة الكيل بمكيالين.

وهناك من قام بالتعليق التالي بين قوسين أيضاً ((عذراً .. سأكون بقمة الوضوح هنا ..

بالنظر للأخوة الفلسطينيين المقيمين في دول الخليج ..أعتقد من الأصلح لهم / لـ فلسطين .. للإسلام .. للعرب .. بقائهم ” فلسطينيين ” .. دون الالتفات لـ حضن اي جنسية أخرى …))

فردي على ما سبق بين قوسين هو إن نظرية الحفاظ على الهوية الفلسطينية هي نظرية افتراها الغرب وصدقها كثير من العرب.

واسمحوا لي بالقول إن عمر بن الخطاب الذي حرر القدس لم يكن فلسطينياً بل كان من قريش وإن صلاح الدين الأيوبي الذي حرر القدس لم يكن فلسطينياً بل كان كردياً وإن إبراهيم الخليل الذي بنى الكعبة لم يكن خليجياً وإنما هاجر من فلسطين الى مكة.

ولو قدر الله لمن كتب هذا التعليق أن يكون أحد أبناء المخيمات الفلسطينية في أي دولة عربية لشعر بمدى المعاناة التي يتجرع مرارتها الفلسطيني وحده.

فهل من كتب هذا التعليق يؤمن ببقاء الفلسطينيين في المخيمات؟

وهل هذا هو من صالح الإسلام والعرب والفلسطينيين؟

إن أكثر ما يحزنني أننا أبناء أمة واحدة نعيش حالة اغتراب شديدة، نحن نريد أن ننام فنصحوا على اختفاء الحدود والجنسيات ويصدق قول الله فينا (إن هذه امتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون). (الأنبياء: 92).

نحن نريد أن نعتصم بحبل الله كما في قوله تعالى (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا, واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها , كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون . وأولئك هم المفلحون. وأولئك لهم عذاب عظيم). (آل عمران: 103 , 104, 105).

وهناك من كتب إلي معترضاً وهو بين قوسين أيضاً ((الدول العربية ليست بحاجة لـ تجنيس احد.. الدول العربية بحاجة لاستعادة علمائها من الخارج.. الدول العربية بحاجة للاهتمام بشعوبها ومنحهم المزيد من الثقة في امكانياتهم.. )) .

وأحب أن أرد على ذلك بطريقتي في تفسير ما قيل بين قوسين أعلاه، صحيح ما قلت إن الدول العربية ليست بحاجة الى تجنيس أحد إذا كان كل العرب يحملون جنسية واحدة.

وصحيح أيضاً أن الدول العربية بحاجة لاستعادة علمائها من الخارج على شرط أنهم يحملون جنسية واحدة وعقيدة واحدة وهي عقيدة التوحيد. وصحيح أيضاً أن الدول العربية بحاجة للاهتمام بشعوبها ومنحهم المزيد من الثقة في إمكانياتهم على شرط أن يكونوا أمة واحدة حسب قوله تعالى في الآيات السالف ذكرها.

وخاتمة القول إن من يده في النار ليس كمن يده في الماء. وهناك حديث شريف يقول فيه (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى).

ولولا وجود هذا الحديث لآمنا بالفطرة السليمة وجوب الوقوف مع هذا الشعب المظلوم لا أن نزيد عليه الظلم ويبقى لاجئ في مخيمات الشتات.

فوجوب مساندة الشعب الفلسطيني المسلم بديهي ولا يحتاج الى نقاش، وينبغي علينا أن نقوم بإحياء نظرية الجسد الواحد ، والا نخذل اخواننا في فلسطين وفي الشتات كي لا يخذلنا الله عز وجل يوما في أوطاننا كما في الحديث الشريف (ما من امرئ يخذل امرءا مسلما في موطن ينتقص فيه من عرضة وينتهك فيه من حرمته إلا خذله الله تعالى في موطن يحب فيه نصرته ).

وهنا تبرز أمامنا أسئلة …كيف نساند هذا الشعب المظلوم؟ وكيف ندعمه ونرفع من معنوياته؟ وهذه الأسئلة سنحاول الإجابة عليها في مقال لاحق.

صحيفة إيلاف الإلكترونية 29-يناير -2005م

مصطفى بن محمد غريب

هجرة جديدة للفلسطينيين، ولكن الى أين؟

هجرة جديدة للفلسطينيين، ولكن الى أين؟

بعد هزيمة الايام الستة عام 1967م استولى على الساحة السياسية العالمية شعارين أحدهما كان شعارا للعرب ادفع ريالا تنقذ عربيا والآخر كان شعار لليهود ادفع دولارا تقتل عربيا.

ولقد حققت هذه التبرعات الكثير من أهدافها لكلا الطرفين، ولكن أحد الاطراف استفاد أكثر من الطرف الاخر وهذا ما ظهر جليا من تفوق إسرائيل في شتى الميادين على العرب حتى أصبح ميزان القوى لصالح إسرائيل.

وبدأت الدول العربية في الاستعدادات للمعركة التالية وبدأت حرب 1973م وتحقيق العرب فيها بعض الانتصارات وهنا أدركت مصر بعد أن خاضت الحرب وشاهدت الجسر الجوي من أمريكا لدعم إسرائيل فتم وقف إطلاق النار.

وبدأت الامور تأخذ طابع التهدئة ثم أصبح هناك تحولا جذريا في طبيعة الصراع ابتدأ بزيارة السادات للقدس وخطابه الشهير في الكنيست الاسرائيلي وما تلى ذلك من اتفاقية كامب ديفيد التي انسحبت بموجبها إسرائيل من جميع الاراضي المصرية بعد مفاوضات شاقة وطويلة.

وبدأت الاختلافات في التوجهات العربية وانقسام العرب بين مؤيد للسلام ومعارض له وتجلت حدة الاختلاف بنقل مقر الجامعة العربية من القاهرة الى تونس الامر الذي أدى الى عزل مصر عن محيطها العربي لفترة من الزمن.

ثم جاءت حرب الجنوب اللبناني واحتلال إسرائيل لجنوب لبنان ووصولها الى العاصمة بيروت وما نتج عن ذلك من طرد منظمة التحرير والفصائل الفلسطينية الى مختلف الدول والجزء الاكبر الى تونس.

وبدأت المقاومة اللبنانية تتصاعد حدتها حتى تحرر الجنوب اللبناني وبعد حرب الخليج الثانية طرأ تحول في فكر منظمة التحرير.

وبضغوط سياسية ودبلوماسية أمريكية عقد مؤتمر مدريد وبعده بدأت المفاوضات السرية بين منظمة التحرير وإسرائيل في أوسلوا الى أن تم توقيع اتفاق أوسلوا وأصبح هناك مفاوضات مباشرة بين إسرائيل والفلسطينيين.

وتطور الامر الى أن كانت مفاوضات كامب ديفيد الثانية التي كانت قاب قوسين أو أدنى الى الاتفاق، ولكن لم يصل الطرفان الى أي اتفاق سواء كان بتعنت طرف أو الطرفين أنفسهم المهم لم يتم التوصل الى اتفاق وفشلت المفاوضات.

وبدأت الانتفاضة الفلسطينية الثانية بعد زيارة شارون الى الحرم القدسي الشريف وتلاحقت الاحداث بسرعة مذهلة وفجأة حصلت أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م بعدها تغيرت المفاهيم والمصطلحات.

ولم يستطيع العالم ولا الامم المتحدة من الاتفاق على تفسير الارهاب، بل اصبح لكل بلد تفسير خاص به، وبدأت حرب أفغانستان ثم تلاها حرب العراق وأحتل العراق.

ومن يقرأ التاريخ جيدا سوف يتضح له فيما بعد أن هناك حملة منظمة ضد الفلسطينيين والدول العربية على إثرها ستتهم هذه الدول واحدة بعد أخرى لقيامها بدعم المقاومة.

الامر الذي يفسره الصهاينة ومناصريهم بأن التحويلات المالية تدعم الارهاب الامر الذي سيتخذ ذريعة للقيام بعمل ما ضد هذه الدولة أو تلك لتحقيق هدفين الاول وقف الدعم والثاني الضغط على المقاومة لإيقاف الانتفاضة الفلسطينية.

وبهذا يتأكد نجاح السياسة الصهيونية في إرهاب الحكومات والشعوب العربية والاسلامية بمساعدة أمريكية ومازالت إسرائيل تعمل بجد لضم مزيد من الاراضي الفلسطينية.

وبناء الجدار العازل وتشرع حاليا لشق النفق العازل على طول الحدود المصرية لتحقيق عدة أهداف منها وقف تهريب الاسلحة الى الجانب الفلسطيني.

وإحراج مصر بأنها لا تقوم بما فيه الكفاية لمنع هذا التهريب وأخيرا لتحكم قبضتها على ما تبقى من أرض فلسطين وهي تظهر للعالم بأنها تنوي الانسحاب من قطاع غزة.

ولا يبدوا أن هناك في الافق حل لمشكلة اللاجئين وحق العودة بعد ما اتفق شارون وبوش على إلغاء هذا الحق.

واعتمادا على تنازلات وردت في مبادرة جنيف الذي قيل عنها أنها مبادرة شخصية، ولكن في الوقت نفسه يزداد عدد اللاجئين الفلسطينيين في بلادهم وفي المهاجر والمخيمات وفي الشتات.

وبدأت الروابط تتلاشى فيما بينهم وهذا يؤدي حتما الى التخلي عن حق العودة إما رغبة في النجاة أو خوفا من الاضطهاد وبالتالي الانصهار في المجتمعات المختلفة أينما وجدوا.

ورغم أن التوطين آت لامحالة ولكن يبدوا أن الشعور بالانتماء الى هذا الوطن من شدة الضغوط بدأ يتلاشى تدريجيا عند الكثيرين رغم وجود الوثائق التي تؤكد الحق الفلسطيني في مساحة مثبتة تاريخيا بمقدار (27009) كيلو متر مربع.

وهو ما نصت عليه الكثير من الوثائق وهي مودعة في الامم المتحدة، ولكن جميع قرارات الامم المتحدة ومجلس الامن لن تجد طريقها الى النور مادامت لا تخدم مصلحة إسرائيل.

ولا يوجد هناك قوة إقليمية أو عربية أو إسلامية تدعم هذه القرارات، وإذا لم تتضافر الجهود فسيكون هناك احتلال لمزيد من الاراضي العربية المجاورة بحجة ملاحقة الفلسطينيين.

ولهذا لم تدرك الدول العربية أن قرار الجامعة العربية بعدم تجنيس أو توطين الفلسطينيين جاء من مصلحة إسرائيل لتجد لها ذريعة لملاحقتهم داخل حدود الدول العربية المجاورة.

كما كانت تفعل تركيا لملاحقة الاكراد داخل الاراضي العراقية، وبدأت بوادر ذلك تظهر في الحملة على سوريا من خلال قانون معاقبة سوريا ومطالبتها بطرد الفلسطينيين ومنظماتهم والانسحاب من لبنان.

وعليه ينبغي على الفلسطينيين الاستعداد لهجرة جديدة الى دول غير عربية لتحقيق هدفين اولهما التخفيف من معاناة العرب لأن بقاءهم في الدول العربية سيزيد من معاناة هذه الدول.

والهدف الثاني طلبا للحماية من دول غير عربية التي تسمح قوانينها المستنيرة بإعطاء حقوق المواطنة لمن يقيم فيها.

وبالتالي حصولهم على حقوق حرموا منها عشرات السنين على أيدي إخوانهم في العقيدة والدين واللغة وبذلك يكون قد تحقق لهم حماية أنفسهم من الملاحقات المستمرة من أعداءهم الامر الذي يجوز أن نسميه استراحة محارب.

مجلة فلسطين 05-أكتوبر-2004م

مصطفى بن محمد غريب

بركان التوطين متى يثور ومتى يهدأ؟

بركان التوطين متى يثور ومتى يهدأ؟

نطالع من حين الى آخر الدعوات التي تطلقها منظمات حقوق الإنسان والصحفيين والكتاب عن توطين اللاجئين الفلسطينيين فتارة نقرأ عن التوطين في الأردن ومرة أخرى عن التوطين في صحراء سيناء ومرة في شمال العراق ومرة في لبنان ومرة في دول الخليج.

وهناك دعوات الى توطين جزء منهم في كندا ومرة في أمريكا ومرة في الدول الأوروبية ويتم الاستشهاد بأقوال بعض المسؤولين من هذه الدولة أو تلك أو هذا الخبير أو ذاك.

ولكن ما حقيقة الأمر وهل هي أضغاث أحلام أم مخططات جاهزة لتوطينهم أعدها خبراء وسياسيون دوليون؟

وتعود هذه القضية الى الساحة كالبركان يثور أحياناً ويهدأ أحياناً أخرى، ولكن اتفاق شرم الشيخ كان البداية وهو الذي مهد لمفاوضات الوضع النهائي ومن خلال عدة أطراف بما فيها الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني. وأستطيع أن أشخص الوضع كالمبادرات التي كثرت في الآونة الأخيرة دون جدوى لتنفيذها على أرض الواقع.

ومن أطرف ما قرأت في هذا الشأن دعوة كاتب إسرائيلي الولايات المتحدة إلى ممارسة ضغوط على مصر لاقتطاع جزء من أراضي سيناء وإلحاقه بقطاع غزة ليكون وطنًا جديدًا للفلسطينيين، مقابل منح الرئيس المصري حسني مبارك جائزة نوبل للسلام وتحسين الأوضاع الاقتصادية لمصر على سبيل المقايضة!

ويضيف الكاتب قائلا، ولكن المشكلة تكمن في السيادة المصرية على سيناء وأن الأرض لأصحابها، ولكن يمكن نقل السيادة الى الفلسطينيين أو لأي منظمة إقليمية أو أمنية للتعاون الإقليمي.

وتناولت صحف كثيرة نقلا عن صحافة إسرائيل الحديث عن خطة جديدة لتوطين الفلسطينيين على أراضي الأردن، مقابل منح الأردن جزءًا من عقود إعادة إعمار العراق، مستغلا الاحتلال الأمريكي لهذا البلد، وسيطرته الحالية على مقدراته.

كما تناولت صحف أخرى قولا على لسان مسؤول لبناني كبير القول إن لبنان رفض عرضاً تقدمت به جهات دولية لمنحها 20 مليار دولار مقابل توطين اللاجئين الفلسطينيين في البلاد وهذا الرقم يوازي الدين العام على لبنان.

وهذا الدين هو أحد العوامل المهمة في الضغوط التي تمارس على لبنان، مضيفا أن “هناك بعض السياسيين اللبنانيين المستعدين للمضي في مشروع التوطين، وإن كانوا يعلنون عكس ذلك”.

ورغم أن كندا نفت على لسان رئيس وزرائها جان كرتيات أي شكل من أشكال التوطين على أراضيها إلا أن بعض المصادر أكدت أن الحكومة الكندية عرضت توطين 25 الف فلسطيني في أراضيها كما أعلنت عن استعدادها لاستقبال لاجئين فلسطينيين في إطار اتفاق سلام في الشرق الأوسط.

ومما يذكر في هذا السياق عن مخططات إسرائيلية ترمي الى توطين مليوني مواطن فلسطيني في منطقة الخليج بتأييد من الولايات المتحدة الامريكية ومساندة الدول الغربية.

والهدف هو دعم إسرائيل في توجهها لاختراق دول الخليج وتهيئة الأجواء لتوطين من ترفض عودتهم الى فلسطين ومن المحتمل أن يصل الرقم الى قرابة المليونين باعتبار أن دول الخليج تعاني من ندرة في السكان وزيادة في الأراضي.

وهذا هو السر في المحاولات الإسرائيلية المستمرة للتطبيع مع دول الخليج ومحاولاتها لاستمرار وجود مكاتب إسرائيلية في المنطقة ومحاولة افتتاح مكاتب جديدة في دول أخرى لتسهيل عملية توطين الفلسطينيين والانفتاح الاقتصادي لتضرب عصفورين بحجر واحد.

ومن ضمن المشاريع والخطط الداعمة لسياسات التوطين المزمع تنفيذها وفقا للمشاريع الأمريكية لحل مشكلة اللاجئين وهي التي تقضي بحل قضايا هؤلاء اللاجئين في مناطق تواجدهم ومنحهم حقوق المواطنة في دول الشتات.

وقد أشار إليه الرئيس كلينتون في أكثر من مناسبة عندما اقترح عرضاً لتشكيل صندوق دولي لتوطين اللاجئين الفلسطينيين الذي رفضه الرئيس عرفات في ذلك الوقت وطالب بتطبيق قرار الأمم المتحدة رقم (194). وقبل الآن بيهودية دولة إسرائيل وبمبادرة جنيف الذي فيها تلميح بالتنازل عن حق العودة أملا في فك الحصار عنه وهو ما دعا الملك عبد الله بن عبد العزيز الى إطلاق تصريحاته الأخيرة بشأن التنازلات الفلسطينية المتكررة.

وشمل الرفض ايضاً مقترحاً أمريكيا إذ أعربت عن استعدادها لتوطين أعداد من اللاجئين الفلسطينيين في أراضيها في نطاق خطة شاملة يتم في إطارها استيعاب وتوطين قسم من اللاجئين في الدول الأوروبية، والعربية وجزء في مناطق الدولة الفلسطينية المزمع إقامتها في الضفة الغربية وقطاع غزة.

وآخر مشاريع التوطين كان من نصيب العراق حيث سيتم توطين مليوني فلسطيني في جنوب العراق وتحديدًا في المنطقة الواقعة بين العمارة والبصرة ويقترح هذا المخطط بتوطين مجموعات أيضاً في الشريط الحدودي الممتد من كركوك الى الحدود مع إيران.

وبموجبه سيتم منح الفلسطينيين الجنسية العراقية ومنزل وسلفة مالية من إيرادات النفط ومن ثم تزويد الفلسطينيين بالسلاح للدفاع عن أنفسهم في حالة حدوث مواجهة مع إيران أو مع سكان المناطق الكردية.

ويهدف المخطط أيضاً الى التوزيع الطائفي على أساس سنة وشيعة وأكراد وتركمان وآشوريين لإشعال فتيل الحرب الأهلية التي نرى بوادرها الآن، وهي مخططات يقول عنها أحد الزعماء العرب سايس بيكو جديد.

وطالما هذه هي المخططات والسيناريوهات التي ستفرض من الغرب سواء بالقوة أو بالمفاوضات فما هي الخطط أو الجهود العربية التي تبذل من أجل إنهاء وضع هؤلاء اللاجئين أليس من الأفضل حل وضعهم قبل أن يفرض بالقوة ويثور البركان الهادئ من زمان.

جريدة الصباح الفلسطينية 03-ديسمبر-2004م

مصطفى بن محمد غريب

وصايا الاستشهاديات

وصايا الاستشهاديات

لقد شاركت المرأة الفلسطينية بالعمل العسكري وبالعمليات الاستشهادية ابتداءً بالعملية التي قامت بها دلال المغربي ومروراً بالعملية الأخيرة التي قامت بها زينب أبو سالم.

وغالبيتهن في العشرينيات من عمرهن وسجلن على نحو خاص جرأة غير معهودة وقد فجرت الشهيدة وفاء إدريس نفسها في القدس الغربية ليتوالى بعد ذلك تجنيد الفلسطينيات لهذه العمليات.

ومن الطبيعي أن ينتج عن ذلك قتل وجرح العديد من الإسرائيليين كما قامت الاستشهادية دارين أبو عيشة بتنفيذ عملية فدائية بعدما أبرت بقسمها.

وقد تختلف الدوافع وراء هذه العمليات إلا أن الهدف الرئيسي يجب أن يكون الشهادة في سبيل الله والمساهمة في رفع الظلم عن هذا الشعب الذي يرزح تحت الاحتلال لأكثر من نصف قرن.

وأكدت دارين في شريط فيديو تم تصويره قبل تنفيذها العملية “أنها قررت أن تكون شهيدة لتنتقم لدماء الشهداء وانتهاك حرمة المسجد الأقصى وأقسمت أن تمزق جنود الاحتلال الإسرائيليين إربا انتقاما لما تعرضت له امرأتان حبليان عند حاجز إسرائيلي قرب نابلس في الضفة الغربية.

وهكذا نالت دارين الشهادة التي تمنتها عندما لفت حول جسمها الطاهر المتفجرات.

وقالت والدة دارين إن ابنتها “عندما استشهد شاب في قرية زواتا قرب نابلس زارت دارين عائلة الشاب وغمرت منديلها بدم الشاب وأقسمت على الانتقام.

وأوضحت الشهيدة دارين أن المرأة الفلسطينية كانت وما زالت تحتل الصدارة في الجهاد والمقاومة، داعية كل النساء الفلسطينيات إلى مواصلة درب الشهداء.

وقالت: “وليعلم الجبان شارون أن كل امرأة فلسطينية ستنجب جيشا من الاستشهاديين، ولن يقتصر دورها على البكاء على الابن والأخ والزوج بل ستتحول إلى استشهادية”.

هنادي جرادات.. الاستشهادية تخرجت من كلية الحقوق وختمت القرآن ليلة استشهادها، فأرعبت الصهاينة في كل العالم، وأثبتت للعالم كله أنه لا أمن لليهود مادام هناك مقدسات مغتصبة.

هنادي جرادات محامية دافعت عن حقوق شعبها بطريقتها الخاصة، فلحقت بالرفيق الأعلى بجوار الشهداء وحلّقت مع السرب المهاجر إلى الجنة.

بدلاً من الهجرة من مكان الى مكان ليستقر أخيراً في مخيمات اللاجئين ورسمت باستشهادها طريق الكرامة وسبيل التحرير.

زينب أبو سالم واصلت المسيرة وسيتبعها استشهاديون آخرون رغم سياسة هدم المنازل والعقاب الجماعي ولن يثني ذلك، أي استشهادي عن القيام بتنفيذ معتقداته وواجباته الدينية.

وتتوالى هذه العمليات في زمن لا عرب ولا مسلمون يحمون الإسلام من الأعداء.

إن جميع الاستشهاديات ما خرجن إلا بعد سكوت المسلمين من الرجال على جرح فلسطين والمقدسات الإسلامية.

وأثبتت المرأة المسلمة أن الحال لم يقتصر على الرجال حتى يكونوا وحدهم في بلاد المســلمين الذين ينالون الشهادة في سبيل الله.

ويقدمون التضحيات الجسام، والتي أغلاها التضحية بالنفس، بل أصبحت هناك مشاركة فاعلة على طريق الجهاد من قبل النساء في فلسطين وبعضهن جدن بأنفسهن في سبيل الله.

لتنضم إلى قوافل الشهداء، بفعل آلة الحرب الصهيونية، المدعومة أمريكياً ، حتى أصبح العديد منهم يتامى بقرار صهيوني.

مما يجعل الحر منا يتمزق من الألم كلما رحلت شهيدة مسربلة بدمائها.

وستظل المقاومة والعمليات الاستشهادية أسلوب فعال للرد على المجازر الصهيونية اليومية بحق الشعب الفلسطيني.

فمن يعيش ممارسة قوات الاحتلال لهذه الأعمال الوحشية ستتغير لديه حتماً الخارطة الذهنية وستغيب عنه الفرحة وستسيل من عينيه الدمعة ويعاني من الألم والحسرة فيزداد حباً للمقاومة والدفاع عن النفس.

وإن من يشاهد الأجسام المتفحمة والدماء وقد اختلطت بالأشلاء ويعيش الخوف والرعب كل يوم فسيفكر بالانتقام لأرواح الأبرياء والجهاد لأنه يتخيل أن الخطر داهم وأن العدو غاشم، وان الطريق صعب وحاسم.

ولكن سيتمنى الشهادة وستكون هي الهدف الأسمى ويبدأ مرحلة الاستعداد للتضحية بروحه ودمه وفي سبيل الله ثم في سبيل الوطن.

ان هذه الدماء لن تضيع هدرا فان هدفنا هو إحدى الحسنيين اما النصر او الشهادة.

وان الانتفاضة بإذن الله ستبقى مستمرة برغم من كل ما يخطط أعداؤنا حتى يتحقق الهدف الذي قامت من أجله، ونقول لهم باننا لن نعود الى المربع الأول ولن يستطيعوا قتل روح الجهاد وروح المقاومة.

فعندما يسمع الانسان سيرة الاستشهاديات يدرك تماماً أنه يقف أمام العديد من أحفاد الصحابيات المجاهدات الذين يربين أبناءهن على حب الله والجهاد لإعلاء كلمة الله ثم الوطن.

إنهن يزرعن في نفوسهم مفاهيم العزة والكرامة.. فأنبت جهدها ثمرة طيبة .. وآتى زرعها أُكُله أحياناً كثيرة.

وبعد كل غارة من طائرات الأباتشي تظهر المسيرات في شوارع فلسطين يعلوها أصوت التكبير، ويهتف المشاركون فيها مطالبين من كتائب المقاومة بالرد السريع، والانتقام لدماء الشهداء مؤكدين بأن هذه الجرائم لن تمر بدون عقاب.

هذه هي صفات المرأة المسلمة التي ما فتِئت تنجب الأبطال و المجاهدين و تقدّم مواكب الشهداء الواحد تلو الآخر، ولا تبخل بنفسها و تدافع عن كرامة الوطن و قداسة القضية.

هذه الأم رمزاً و عنواناً لكلّ الذين يبحثون عن العطاء الصادق والإخلاص النقيّ، ولماذا لا نتذكر الاستشهاديات أمثال ريم الرياشي و هنادي جرادات و آيات الأخرس و وفاء إدريس و عندليب قطاقطة ، و دارين أبو عيشة ، أم أن إعلامنا غائب وينقل عن إعلام الديموقراطية الذي يساوي بين الجلاد والضحية.

إن هناك أيادي في السماء لاتزال تنسج للاستشهاديين أثواباً من سندس وإستبرق وهناك قناديل تحت عرش الرحمن تستعد لأرواح الشهداء ” ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أموات، بل أحياء عند ربهم يرزقون ” فهم سينتقلون من العالم المحدود الى عالم الخلود.

لماذا لا ندرس وصايا الاستشهاديات؟  

لقد تركت دلال مغربي وصية تطلب فيها من رفاقها وأبناء الشعب الفلسطيني المقاومة حتى تحرير كامل التراب الفلسطيني.

كما أوصت الاستشهادية دارين أبو عيشة ” داعية كل النساء الفلسطينيات إلى مواصلة درب الشهداء” وكانت وصية الاستشهادية آيات الأخرس ” ايها العرب كفاكم تخاذلا”.

مجلة فلسطين 01-أكتوبر-2004م

مصطفى بن محمد غريب

العالم العربي وسياسة التوريط

العالم العربي وسياسة التوريط

عندما تطلق إسرائيل تهديداتها الى أي جهة فإنها تؤكد نواياها لتنفيذ أهدافها فعندما حدثت عملية بئر السبع الاستشهادية لم تخف إسرائيل تهديداتها بضرب سوريا بحجة أنها تؤوي المنظمات الفلسطينية.

والسؤال هو لماذا لا نأخذ تلك التهديدات على محمل الجد؟

ونقوم بدراسة تلك التهديدات واتخاذ أقصى درجات الحيطة والحذر، بل البدء في التخطيط لاتخاذ خطوات عملية لردع هذا التهديد وأن لا يكون موقفنا سلبياً في كل مرة.

ولنأخذ العبرة من حزب الله ومن إيران فعندما تقوم إسرائيل بأي عمل ضد لبنان فإن حزب الله يقوم بالرد الفوري والجاهز وكأنما هو مستعد للتصعيد والتهدئة في نفس الوقت.

وكذلك إيران عندما ألمحت إسرائيل انها ستقوم بضرب المفاعل النووي الإيراني للأغراض السلمية قامت إيران بالرد على تلك التهديدات وقامت بتهديد أكبر لإسرائيل بضرب مفاعل ديمونة النووي إذا أقدمت إسرائيل على تنفيذ تهديداتها.

واليوم عندما أقدمت إسرائيل على اغتيال القيادي في حركة المقاومة الإسلامية (حماس) عز الدين صبحي الشيخ خليل في دمشق، اكتفت سوريا باتهام إسرائيل وحملتها المسؤولية الكاملة عن هذا العمل “الإرهابي”.

ووصفت ذلك بأنها خطوة خطيرة، دون أن تقوم بالرد الإيجابي على تلك العملية او على أقل تقدير إصدار تهديدات جدية وعمل شيء ما ليكون ذلك رادعاً.

صحيح إن إسرائيل لها نوايا عدوانية لزعزعة الأمن والاستقرار في المنطقة ولم يتحرك العالم ولا الأمم المتحدة بأي جهود دولية لتخفيف حدة التوتر في المنطقة.

بل على العكس قامت إحدى الدول الغربية بالتعاون مع أمريكا بتبني مشروع قرار في مجلس الأمن ضد سوريا ولبنان الذي صدر مؤخراً تحت الرقم 1559.

وقامت الأمم المتحدة بغض الطرف من ناحية وإصدار قرار بخصوص إقليم دارفور في السودان مما يعني أن العالم العربي برمته مستهدف، وبدأ يدور في أذهان بعض قادة المقاومة الفلسطينية بنقل الصراع الى خارج الأرض المحتلة.

رغم النفي الذي صدر عن حماس، ولكن هذا النفي مبطن حيث قالت ” أن موضوع نقل دائرة الصراع باعتباره سياسة عامة للحركة مازال قيد الدراسة ولا يمكن القول بأنه تم أتخذ قرار بهذا الصدد”.

ونستطيع أن نسمي ذلك القرار لو أتخذ فعلا بأنه سياسة التوريط وهي ليست سياسة جديدة، بل استخدمت من قبل عند بداية تكوين المنظمات الفلسطينية حيث كان هذا الاتجاه عند بعض المنظمات.

والمقصود هو توريط العالم العربي ليعيش واقعاً جديداً وكان هذا شعارً دون الوعي الكامل بالنتائج المترتبة على هذه السياسة أو كما يقول المثل العامي المصري ” مفيش حد أحسن من حد “.

وغرقت المنطقة في حروب لم يكن للعرب أي استعداد لخوضها ثم انتهجت القاعدة نفس السياسة (سياسة التوريط) فقامت بتوريط أفغانستان قبل ان تتمكن من تكوين دولتها الإسلامية بل زادت الورطة بالاحتلال الأنجلو أمريكي للعراق.

ومازالت هناك في العراق جماعات الخطف والاغتيالات وقطع الرؤوس تتبنى هذه السياسة نفسها لاستعداء العالم وتمكين القوات الأمريكية من تبرير أعمالها وإعطائها ذريعة للتوسع في الاحتلال، بل والتهديد العلني لسوريا وإيران.

لتصبح سوريا بين فكي كماشة، إسرائيل من جهة وأمريكا وبريطانيا من جهة ثانية لتصبح المنطقة تحت النفوذ الأنجلو أمريكي والإسرائيلي!

وليس غريباً أن تقوم السلطة الفلسطينية بإدانة الحادث من جهة وتهدئة الموقف من جهة ثانية حيث أكدت على أن نقل عمليات الاغتيالات خارج الأراضي الفلسطينية يعني توسيع دائرة العنف والفوضى والتطرف مع التوضيح أن العنف لن يجر إلا العنف.

هذا وحتى الآن لم يصدر عن إسرائيل أي إعلان رسمي بالمسؤولية عن العملية، ولكن عبرت عن نواياها بالقول إن العملية تكتيك جديد لمحاربة فصائل المقاومة الفلسطينية.

وعند دراسة أسباب الحادث تبين أن الانفجار وقع عند تشغيل الشهيد محرك سيارته وهو نفس الأسلوب التي تتبعه إسرائيل في التخلص من القيادات الفلسطينية.

فقد سبق وأن اغتالت في وقت سابق من هذا العام مؤسس حركة حماس الشيخ أحمد ياسين وخليفته الدكتور عبد العزيز الرنتيسي.

كما اغتالت في وقت سابق القيادي إسماعيل أبو شنب، وقامت باغتيال جهاد أحمد جبريل في لبنان.

وبنفس الأسلوب وهي تقنية على قدر كبير من الدقة ولا شك إن إسرائيل هي المستفيد الأكبر.

وتأتي هذه العمليات على خلفية التهديد الذي يمثله الحضور العسكري الأنجلو أمريكي في العراق ضد سوريا لطرح مطالب كبيرة عليها نذكر منها على سبيل المثال طرد المنظمات الفلسطينية من سوريا وتفكيك قواعدها في لبنان.

وتجريد حزب الله من سلاحه، وانسحاب الجيش السوري من لبنان والتنازل عن الجولان حتى لا يبقى لها أي نفوذ في المنطقة، بل ليتفجر الوضع الداخلي في سوريا وما كان هذا ليحصل لولا سياسة التوريط التي قامت بها جماعات أقل ما يوصف بحقها أنها غير مسؤولة.

مجلة فلسطين 01-أكتوبر-2004م

مصطفى بن محمد غريب

كيف تتعامل بعض الدول مع الفلسطينيين؟

كيف تتعامل بعض الدول مع الفلسطينيين؟

قد يبدو هذا العنوان غريبا، ولكن! سيناريوهات التوطين والتحرير والانسحاب واتفاقيات السلام والمبادرات المتعاقبة أوحت لي بهذا العنوان.

فلا تكاد دولة في العالم إلا وتنظر إلى فلسطين والفلسطينيين نظرة تكاد تكون مختلفة عن الدولة الأخرى.

أي أن هناك تباين في النظرة العامة للفلسطينيين من دولة إلى أخرى على مستوى العالم، بل أن الفلسطينيين أنفسهم منقسمون في وجهات نظرهم.

وهذا هو سر تأخر استقلال فلسطين ومن غير اليسير بمكان أن نوجز بمقال واحد جميع وجهات النظر.

ولكن سنأخذ بعضها بالتحليل والدراسة التاريخية، إذن لا يمكن أن نفهم مشكلة اللاجئين الفلسطينيين بمعزل عن الدول التي يعيشون فيها ولنأخذ مثالا على ذلك المملكة الأردنية الهاشمية.

فعند دراسة تطلعات النظام الأردني منذ إنشاء إمارة شرق الأردن كانت مبنية على توسيع رقعة المنطقة التي يريد أن تكون تحت سيطرته ويحكمها فكانت فلسطين ضمن حدود تطلعاته.

فالنظام الأردني يرغب في ضم جزء من فلسطين الى السيادة الأردنية أما إسرائيل فكانت ترغب في الاستقلال حسب قرار التقسيم وتحوز على 50% من الأراضي الفلسطينية في ذلك الحين.

ولم تكن تطلعات النظام الأردني وليدة صدفة بل أن هناك مخطط موضوع سلفاً ومنذ عام 1937م كتوصيات لجنة (بيل) التي اقترحت مشروعاً لتقسيم فلسطين بين اليهود والعرب، على أن يكون «الجزء العربي من فلسطين جزءاً متحداً مع شرق الأردن».

وهو ما يؤيد طموحات النظام الأردني الذي كان يلتقي والمخططات البريطانية التي كانت منتدبة على تلك المنطقة.

إلا أن قرار التقسيم رقم 181 لعام 1947م نصًّ على إقامة دولتين يهودية وفلسطينية، متجاهلاً رغبة النظام الاردني في ضم الضفة الغربية ولذلك امتنعت بريطانيا برأي بعض المراقبين عن التصويت على هذا القرار.

وظل الأردن يعارض إنشاء دولة فلسطينية مستقلة حتى سيطر الجيش الأردني على كامل المساحات التي كانت الجيوش العربية قد استولت عليها في حرب 1948، وأنشأ في «فبراير» 1949 «الإدارة المدنية الأردنية».

وبينما كانت مصر تدعم (حكومة عموم فلسطين) التي تشكلت بعد إنشاء الهيئة العربية العليا بقيادة أمين الحسيني التي اعترفت بها جامعة الدول العربية ماعدا الأردن.

وهذا تاريخيا يدل على الخلافات بين أعضاء جامعة الدول العربية حول هذه القضية التي يدعي كل منهم بمساندتها ودعمها.

صحيح أن هناك مساندة ودعم، ولكن على خلفية أي هدف؟

هذا هو السؤال الذي بإجابته تختلف همم المساندة وتقديم المساعدة!، فكان الملك عبد الله جد الملك حسين يدعم تنظيم مؤتمري أريحا وعمان لانتزاع شرعية فلسطينية ودولية.

وكان من أهم مقررات مؤتمر أريحا «أن تتألف من فلسطين والمملكة الأردنية الهاشمية مملكة واحدة، وأن يبايع جلالة الملك عبد الله بن الحسين ملكاً دستورياً على فلسطين».

كذلك سمح منذ «فبراير» 1949 لأي شخص فلسطيني بحق الحصول على جواز سفر أردني، كخطوة أولى على طريق تجنيس الفلسطينيين، وطمس الهوية الفلسطينية تمهيداً لضم فلسطين ضمن إطار دولة واحدة.

وما قامت به الجامعة العربية بحجة عدم طمس الهوية الفلسطينية إلا لمنع الأردن من هذا الضم وحتى لا يستحوذ على مزيداً من الأراضي الفلسطينية وتكبر مساحة الأردن وبذلك كان الأردن يسعى لاعتبار كل الفلسطينيين الذين لجأوا إلى الأردن أو المقيمين في ظل الحكم الأردني أردنيين.

وفي مطلع عام 1950م وبعد سلسلة إجراءات إدارية جرى إلقاء اسم فلسطين والاستعاضة عنه بالضفة الغربية، واعتبارها جزءاً من المملكة الأردنية الهاشمية، وجرت بتاريخ 11/4/1950 أول انتخابات نيابية مشتركة أعطت 20 مقعداً لكل الضفة الغربية.

وجرى تحرير قانون الضم في أول جلسة للبرلمان المنتخب بتاريخ 24/4/1950. والذي وافقت عليه بريطانيا باستثناء القدس، كما تعاملت إسرائيل مع الضم كأمر واقع.

وكذلك وافقت جامعة الدول العربية بعد ممانعة لم تدم طويلاً. واستمر هذا الوضع حتى بعد حرب عام 1967م وقيام الملك حسين بمنح جوازات سفر أردنية لكل النازحين إلى الأردن في الوقت الذي منحت مصر وسوريا ولبنان للنازحين إلى أراضيهم وثائق سفر اللاجئين وهناك فرق بين جواز السفر ووثيقة السفر.

فمثلا من لديه وثيقة سفر اللاجئين الفلسطينيين الصادرة من مصر فهي لا تخول صاحبها بدخول مصر إلا بموافقة أمنية أما حامل جواز السفر الإسرائيلي يحق له دخول مصر بكل وجل.

وفي عام 1972 طرح الملك حسين مشروعٍ المملكة العربية، لكنه لم ينفذ، واستمر الوضع السابق حتى 31 يوليو 1988 حين أعلن الملك حسين قرار الأردن بفك الارتباط والعلاقة القانونية والإدارية بين الضفتين.

والذي جاء استباقاً وتمهيداً لعملية التسوية التي كانت تبحث من وراء الكواليس لمنح الفلسطينيين كيان يتحمل بموجبه مسؤولية القرار المتعلق بالشعب الفلسطيني وأراضيه المحتلة وقضاياه المختلفة وهي خدعة كبرى وقعت فيها معظم الأطراف العربية.

ومن هنا نخلص إلى القول إن العرب لم يتفقوا يوما واحدا على مشروع يخدم قضية فلسطين أو تتوحد جهودهم كما اتفقوا على عدم تجنيس الفلسطينيين أو توطينهم أو منحهم أي حقوق ليبقوا لاجئين.

ويطلبوا لهم المساعدات من الأونروا ليستفيدوا منها، فالجامعة العربية أصدرت القرار الرقم 1547 عام 1959، الذي طالب بالحفاظ على الهوية الفلسطينية.

وجاء القرار، قبل أن تنشأ منظمة التحرير، ولكن! استمر العمل به خوفاً من أن تقوى شوكتهم وليس خشيةً من أن تذوب هويتهم.

وعندما تذوب الهوية الفلسطينية فستقطع المساعدات الدولية الممنوحة لهم تلقائياً وسينتهي دور كثير من الأطراف المستفيدة من الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

والدليل على ما نقول هو الصمت العربي إزاء ما يجري الآن في فلسطين على الأقل منذ اندلاع انتفاضة الأقصى مروراً بمجزة جنين الى الاجتياحات المتكررة الى هدم المنازل على الحدود المصرية الى مجزرة جباليا الى عملية أيام الندم.

ولكن الغريب في الأمر أن أهم المسؤولين في منظمة التحرير يحملون الجنسيات المختلفة هم وعائلاتهم، ونسوا أنه إذا كان الهدف هو الحفاظ على الهوية فلماذا لم يطالبوا في القرار بأن تعطى كل التسهيلات لهذه الفئة مع بقاء الهوية كرمز.

بمعنى أن يستفيد صاحب الهوية من حقوق الإنسان أو المواطن في الدولة التي يعيش فيها، ويحتفظ بهويته.

أما أن يترك من دون تعليم، ومن دون مأوى يملكه ولا خدمات صحية، وهو الأحوج من غيره، فلا ميراث من الآباء والأجداد وإنما ورثوا أخطاء الدول العربية جميعها، بل وأخطاءهم أيضاً.

واحتفظوا بمخيمات ترفض الحيوانات الأليفة العيش فيها، فكيف يطور شعب كهذا ذاته من العدم وفي ظل عدم وجود إمكانيات؟

ويأمل في العودة هل بقرارات الأمم المتحدة أم بمبادرات السلام أم بمن يسومونهم سوء العذاب ويمن عليهم بالاستضافة في مخيمات.

وهذا اللاجئ ممنوع من أبسط حقوق الإنسان وحتى الممثل الشرعي والوحيد لهذا الشعب بدأت تتخلى عنه ولا تعرف منه إلا دفع الرسوم والتعويضات والتبرعات.

وبالتعاون مع دول شقيقة بعدم تجديد وثيقة السفر إلا بخطاب من سفارة فلسطين موجه لقنصلية الدولة بالإيعاز بالتجديد بعد أخذ رسوم منه على أنه لا يحمل جواز سفر السلطة أو هوية مواطنة.

رغم أن هذه الوثيقة لا تخول صاحبها بدخول الدولة التي أصدرتها طالما لا يحمل هوية مواطنة أو جواز سفر السلطة لأن إسرائيل هي التي تتحكم في المعابر والحدود سواء من ناحية الأردن أو من ناحية مصر.

وطالما أن إسرائيل سعت منذ البداية إلى طمس حق اللاجئين في العودة، فكيف لهذا المغلوب على أمره أن يرفض هذه المشاريع أو يصر على تمسكه بحقه في العودة.

وكما يقول الشاعر لبست ثوب العيش لم أستشر وحرت فيه بين شتى الفكر أو كما يقول شاعر آخر وظلم ذوي القربى أشد مضاضة على النفس من وقع الحسام المهند.

فالفلسطينيين صابرون وما بقي لهم إلا التضرع إلى الله ويتسلحوا بسهام الليل علها تصيب من يقتر عليهم من أبناء جلدتهم.

مجلة فلسطين 05-أكتوبر-2004م

مصطفى بن محمد غريب