إعصار القدس بقلم مصطفى غريب

إعصار القدس

قضية فلسطين هي قضية مصير لشعوب المنطقة ويجب أن تحظى القدس بالإهتمام وبشكل متوازن مع القضايا الأخرى دون الإغراق في المحلية أو الإقليمية وحب الذات , إن سوء تصرف المسلمين فلسطينيون كانوا أو غيرهم يجب ألا يكون ذريعة لترك ما أمر الله به ، وصدق المولى سبحانه و تعالى فى قوله:” قل إن كان أباؤكم و أبناؤكم و إخوانكم و أزواجكم و عشيرتكم و أموال اقترفتموها و تجارة تخشون كسادها و مساكن ترضونها أحب إليكم من الله و رسوله و جهاد فى سبيله فتربصوا حتى يأتى الله بأمره و الله لا يهدى القوم الفاسقين” التوبة 24 

إن الإهتمام بفلسطين لم ولن يعطل التنمية في الدول العربية ومن يدعي غير ذلك فهو جاحد للجهود التي تقوم بها الحكومات العربية لشعوبها , ان إسرائيل هي تحدى لوجودنا وهويتنا فاما ان نرضخ او نقاوم رغم تقاعس البعض وتامر العملاء وتثبيط البعض الآخر .    

ان قضية فلسطين هي قضية مركزية واساسية لكل المسلمين والعرب على حد سواء ,  ولا أجد تعارض من الاساس بين الامرين تبقى التنمية اهتمام داخلي وفلسطين من اولويات السياسة الخارجية كما يجب أن يعاد النظر في الاهتمام الشعبي بالقضية وتنشأة أجيال تهتم بالقضية وأن يعاد توجيههم بشكل متوازن بين القضايا المحلية والخارجية حتى لا يظهر جيل جديد معزول عن امته , ولاننسى ان فلسطين قضية شرعية عقائدية اسلامية  ولابد أن نشعر بالمرارة لرؤيتنا أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين يرزح تحت حراب المحتلين .

إن قضية المسجد الأقصى هي قضية كل مسلم غيور وعلينا أن لانضل الطريق الى القدس فنصبح كالذين قال تعالى فيهم : (وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج” ولكن لا يجب أن نتشبث بمعتقدهم وأفكارهم المنحرفة أن قضية القدس هي أعظم من قضية إعصار غونو لأن إعصارغونو هو إعصار مداري ووقتي يمر ويعدي بإذن الله تعالى وفيه عظة وعبرة ، لكن إعصار القدس هو إعصار طويل الأمد لن ينتهي حتى يمر بأجيال وأجيال يختبرهم ويمحصهم ويبتليهم بأنواع البلاء .   

الفلسطينيون ليسوا من يبحث عن الشفقة في عيون الآخرين ولا من يبحث عن الصدقات , هم يأخذوا المساعدات من المسلمين لأنهم مرابطون على أرض فلسطين رغم أنف من يدعي النظرة الجغرافية الضيقة ! فهل بكل هذة البساطة نتجاهل نصف قرن من معاناه الاخوة فى فلسطين ؟ , دعونى أتسائل ما هو إعصار غونو ؟ إنه مجرد كارثة طبيعية تحدث في كل زمان ومكان ولو كان الامر بالجيرة لكانت فلسطين هى أقرب جيران مصر ولكن القضايا الوطنيه والمصيرية أمر آخر .   

هناك من يقول إن السعوديه تعطل فيها التنميه بسبب القضيه الفلسطينيه وان الشعب السعودي لايجد وظائف لانه منهمك بتقديم الدعم للشعب الفلسطيني او ان عجلة النمو متأخره بسبب تلك المساعدات فهو يحاول أن يزج ببعض العبارات المهينة للعقل ويدعي بأن القضيه الفلسطينة هي سبب كل المشاكل فهذا رأي مبتور ومشبوه ولم يصب كبد الحقيقة .     

من حق الجميع أن يعبر عن رأيه دون المساس بمصير الأمة التي ستبقى خالدة وسيبقى من يدافع عنها كما ورد في الحديث ” في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس ” ، وكأن الرسول (ص) ينظر الى صحابته فيقول : لا يضرهم من خالفهم .

لورنس العرب قبل 100 عام كان يجوب المشرق العربي ويحدث نفسه : ان هذه الامة لن تقوم لها قائمة اذا نجح في مسعاه باستبدال الشعور الديني بالشعور الوطني ، هذه الوطنيه التي يتشدق بها الكثيرون بحسن نيه او بسوء نيه هي خنجر مسموم في خاصرة الامة الاسلامية التي فككها الحلفاء واقاموا دويلات على انقاضها , الغرب له تصور ومنهج ونحن نتخبط خبط عشواء ونتقاتل على الفتات , مشكلة الاولويات لبني جلدتنا مصيبه وطامة فالدول لا تدار كالشركات ولا كالقبائل وقرارات التنمية والحرب والسلم يجب ان تبنى على اسس موضوعية تراعي مصالح الشعوب.

القدس هي جزء أسلامي أصيل أسري بالنبي الأعظم إلى ذلك المكان وفتحه الفاروق عمر بن الخطاب والآن أصبح بلد محتل ترتكب فيه أبشع الجرائم والذل والهوان بحق أخوة مسلمون , مسكينة هي فلسطين إذ أصبحت كما يدعي البعض هي السبب في البيروقراطية  وعدم التقدم بل هي السبب في نتائجنا السيئة في كأس العالم .   

إن إحتلال فلسطين هو ضربة للحلم والمستقبل العربي وجريمه بحق الفلسطينيين ناهيك عن المقدسات الاسلاميه , فلسطين رفعت رؤوسنا عالياً بين الامم وجعلت لنا أهميه ووجود , لم تكن فلسطين هي التي أضرت تعليمنا وإقتصادنا وآمالنا بل النزعات الايديولوجيه التي سهلت للارهاب ان يخطف الفكر والقرار في هذا الزمان ليتم تجييرها لافكار مستورده , أما الاقتصاد فالذي ضربه هم أعداء الأمة المحتلين لبعض أقطارنا العربية والإسلامية والرأسماليين الذين تنادوا على القصعه من كل حدب وصوب وساندهم الجهل والتجهيل والشعارات الفارغه .  

إسرائيل تريد إعترافا من العرب بشرعيتها ! ولن تترك احد وشأنه لضرورات الوجود والتطبيع , ونحن نرى في فلسطين سدا منيعا للحفاظ على الاوطان والدم والأعراض وللتأمل فان فضل فلسطين على العرب كبير جداً فالدول العربيه جميعها كانت كيانات متنافره وضعيفه ومستغله ومستباحة أرضها وثرواتها وحرمت من التسريع في التنمية , أما فلسطين وأبناءها فشردوا وعذبوا وبقي ومايزال الفلسطيني لاجئا في لبنان والاردن وسوريا ومصر واليمن وتونس وغيرها من الدول سواء كانت عربية أم غير ذلك , ولايزال حاله أسوأ الاحوال والاعلام المرئي والمقروء والمسموع ينقل الصور من مخيمات اللاجئين التي تنفق عليهم منظمه الأونروا وغيرها من المنظمات والدول . 

كثير هم من لا يدركوا الفرق بين القضايا المحلية والقضايا المصيرية , قضية فلسطين هي قضية أمة ! وماهي إلا صمام أمان للقارت الثلاث بما فيها دول الخليج  ومبدأ إسرائيل توسعي وتطمح بدولة حدودها من النيل الى الفرات فلو إنتهت الممانعة في قضية فلسطين من دول الجوار لتوجهت إسرائيل لإحتلال دول الخليج أو مصر عندما يكون عندها القوة البشرية للإستيطان طبعاً , إذاً الخليج والدول المحيطة بفلسطين إنما هي على قائمة الأعمال المؤجلة وما كان أحد منكم على إسرائيل وأمريكا بعزيز . قضية فلسطين هي محور قضايا العرب والمسلمين فإن إهتمت دولة عربية بشئونها الخاصة دون الإهتمام بفلسطين ودول الجوار فما هي إلا سنوات وسنرى كل ما تحقق سقط على الأرض .   

فلسطين هي بعد اسلامي وأمني لكل الدول العربية وهناك علاقة خاصة جدا بين فلسطين والعرب وهذه العلاقة يفرضها الاسلام والتاريخ والجغرافيا  , وسيظل العرب من أكبر الداعمين لفلسطين وللفلسطنين ، فهو المسار السليم ولكن ما يخرج من أصوات ضد هذا المسار فهو لايعدوا كونه صوتاً نشازاً , وهناك من يسوقون أفكاراً فيها من السموم وكأنها الحل الامثل لهذه الامه هؤلاء يسوقون الانطواء والانعزال وتفكيك وحدة الامه .   

أنصح أن لا يترك الشعب الفلسطيني وحيدا امام هذه الهجمة الشرسة من هذا العدو المتغطرس المدعوم من أعتى قوة في العالم , كما أن النموذج اللبناني نحو التحرير من العدو الاسرائيلي يجب ان يحتذى لانه لم يكلف العرب كما كلفتهم القضية الفلسطينية قد تكون التجاذبات اخذت قيادة الشعب الفلسطيني الى متناقضات وكان للدور العربي يد في عدم التحرير بسبب هزائمهم وعدم تضامنهم وعدم وضوح الهدف لدى البعض منهم .

من لفلسطين وشعب فلسطين غير العرب ؟ وفي النهاية مصيرنا واحد وربنا واحد ونبينا واحد وكتابنا واحد وسنتنا سنة رسول الله تجمعنا ولا تفرقنا , الأمة العربية الآن في خطر اجتمع عليها الغرب والشرق يحاربوننا في ديننا وفي تاريخنا والشعب الفلسطيني قلب الأمة النابض قدم التضحيات تلو التضحيات وفلسطين قضيتنا الأولى قبلنا ام ابينا, لا احد ينكر ما قدمه العرب لفلسطين فلولا الله ثم أنتم أيها العرب لتمت تصفية الفلسطينيين بالكامل كما حصل للهنود الحمر , المسألة الآن أكبر من فلسطين فالعراق تحت الإحتلال وافغانستان كذلك والسودان مستهدف والجزائر مستهدف أيضاً ولكن الدرب طويل والصومال ينزف دماً ويدمر وأينما نظرت في وطننا العربي الكبير لا تجد الا المصائب والحصار .   

لم يفاجئني رأي بعض الإعلاميين إذ أرى ان هناك تيارا منظما ينهج النهج ذاته بطرق مدروسة ومنسقة محاولا اخراج العرب من دورهم الحقيقي , وهذا ينم عن نظرة سطحية للقضية الفلسطينية وهو يختزلها بصراع يدور على ارض في بقعة جغرافية ويهيأ لهم إذا ماتخلوا عن القضية ستصبح دولهم في مصاف الدول العظمى، ربما لانهم لايدركون طبيعة هذا الصراع .

القضية الفلسطينية ليست مجرد اناس يحتاجون الى مساعدة من هذه الدولة أو تلك بل هي قضية الوجود العربي والإسلامي من خلال الدفاع عن الارض الذي بارك الله حولها وهي قضية الاقصى اولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين والذي شكل احتلاله وتدنيسه من قبل الصهاينة اهانة لكرامة كل مسلم الى ان يتحرر وان الذين يقاومون الاحتلال ويدافعون عن المسجد الاقصى هم يدافعون عن عزة وكرامة امه لا اله الا الله وهم يؤدون واجبهم .  

لا ادري لماذا ينسى المسلمون انهم اخوة , والمطلوب أن تصحوا شعوبنا اذ لا يمكن لنا ان نحقق محاولات تغيير حقيقية وجدية ومأمول نجاحها ما لم نبتعد عن الأنانية وحب الذات , نحن نحتاج بداية للتفكير الجماعي والتراحم فيما بيننا , حتى نشكل منظومة أهداف مشتركة نسعى لتحقيقها من خلال وقفة جماعية تضامنية كوقفة رجل واحد , الأوروبيون ليسوا أقوى منّا إلا من خلال وحدتهم .   

الفلسطينيين ليسوا وحدهم الذين يتلقون المساعدات, و أذكر بالمساعدات التي تتلقاها مصر من الدول المانحة و خاصة أمريكا و السعودية, لبنان يتلقى الكثير من المساعدات أيضا مع أن الأخوة اللبنانيين لا يعتبروا من فقراء العرب, وسورية تلقت الكثير من المساعدات بعد الحرب من السعودية والكويت والأمارات وباقي الدول العربية , السودان أيضا يتلقى المساعدات, و لا ننسى المساعدات الأوروبية والأمريكية لأفريقيا والكثير من الدول , و لا ننسى المساعدات الضخمة لإسرائيل من أمريكا, أنا أعتقد أن الفلسطينيين لن يموتوا لتعيش إسرائيل فهم منحدرين من أصول عربية وهم ليسوا هنوداً حمر بل هم عرب و مسلمين ولن يستسلموا بسهولة و لكن المشكلة أنهم لا يواجهوا إسرائيل و حدها بل كل اليهود ونفوذهم العالمي و الدعم الا متناهي من أمريكا , أنا لا أقول أنهم بريئين و ملائكة و لكن كل الظروف تعمل ضدهم و هم في أسفل السلم الاجتماعي العربي , ومن لا يصدق فليذهب إلى مخيمات الشتات سواء في لبنان أو في غيرها ليجد العنصرية الطائفية على حقيقتها .  

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم(من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم) , كلنا عرب ومسلمون تجمعنا رابطة الدين والعقيدة والنسب،فهل من المعقول أن يتقاعس الواحد منا عن مساعدة إخوانه العرب؟ , انظروا إلى فلسطين أرضاً  وشعبا وهي لا تزال مستباحة من طرف الصهاينة والمسجد الأقصى المبارك تنتهك حرماته بأيد صهيونية بينما بعض العرب صامتون كأن الأمر لا يعنيهم! .  

فالقربى ليست جغرافية, إنما هي قربى الدين , أما التضامن ومد يد العون في أوقات الضيق والحاجة, فذلك واجب أكثر منه كونه معروفاً  , إن ما قدمته الدول العربية للشعب الفلسطيني من معونات ومساعدات ليس فقط لأنه شعب مسلم شرد من أرضه وسلبت حريته بل لأنه شعب صامد صابر يكافح من أجل الحصول على حقوقه المشروعة ويدافع عن كرامة المسلمين ومقدساتهم وأرض فلسطين والمقدسات فيها هي لعموم المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها وهي باقية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها .

مصطفى الغريب

متى ينتهي إرهاب المنتجعات السياحية الحلقة الرابعة


ذكرنا في quot;الحلقة الثالثةquot; بعض المعلومات التي يمكن تلخيصها في ما يلي: التعاون بين العديد منذ الدول لكشف الغموض الذي يكتنف حوادث الإرهاب، التفريق بين الإرهاب وبين المقاومة يسلتزم التعريف الدقيق لكل منهما، الوسائل غير المشروعة لايمكن أن تحقق أهدافاً مشروعة، تحكيم صوت العقل بدلاً من إرضاء غرور القادة، أشكال الهيمنة والسيطرة لن تقبل بها الشعوب، دراسة الأسباب المؤدية للإرهاب هي أفضل السبل لمعرفة كيف نحارب الإرهاب، مشاعر اليأس والإحباط والشعور بالقهر غالباً ماتؤدي الى العنف، إعادة النظر في التعاطي مع مشكلة الإرهاب، التمسك بمباديء العدل والمساواة بين البشر يخفف من حدة العنف، من يقوم بالإرهاب يتلقى الدعم من جماعات متنفذة ينبغي دراسة أوجه العلاقة بينها. 
nbsp;
أما هنا في هذه quot;الحلقة الرابعةquot; سنقوم بالطرح لعوامل لم نذكرها من قبل وقد تكون ذات مغزى مختلف نوعاً ما، فهي تعتمد على أبحاث ودراسات وبالتحديد من جامعة شيكاغو فقد درس quot;البروفسور روبرت باب من جامعة شيكاغو 462 عملية انتحارية في محاولة للتعرف إلى الحوافز التي تحرك الانتحاريين، ناقضا الاعتقاد السائد بأن الانتحاريين يحركهم تعصب ديني، وقالquot;دهشت كثيرا لاكتشافي أن 95% من العمليات الانتحارية التي جرت منذ العام 1980م، وحتى اليوم لديها قاسم مشترك ليس الدين بل هدف واضح وإستراتيجي وهو إرغام ديمقراطية حديثة على سحب قواتها العسكرية من أراض يعتبرها الإرهابيون موطنهم الأمquot;.

ونتائج الدراسة أثبتت بما لايدع للشك عدم صدق أقوال كثير من الزعماء السياسيين والعسكريين وفي كل المناسبات التي يتحدثون فيها عن الإرهاب وفي مقدمتهم الرئيس بوش الإبن الذي أعلنها حرباً صليبيةً على العرب والإسلام والمسلمين بدعوى محاربة الإرهاب، وهذه الحرب جرى الإعداد لها قبل مجيء الرئيس بوش الإبن للحكم بزمن طويل، في إطار ما يسمى بالإمبراطورية الأمريكية وهو مشروع يستهدف السيطرة والهيمنة على العالم وإقتصادياته، وبمشاركة ودعم من المشروع الصهيوني الحالم الذي يطمح في الاستيلاء على أرض فلسطين التاريخية وصولاً لإقامة دولة إسرائيل الكبرى من الفرات إلى النيل، بل وإقامة الدولة اليهودية العالمية التي خطط لها المؤتمر الصهيوني الذي عقد عام 1897م، في بازل بسويسرا.

كما أن هناك تأكيدات بحثية أيضاً من جامعة نيويورك هذه المرة وعلى لسان آلن زركين من مركز الاستعداد للكوارث في جامعة نيويورك حيث قال quot;إذا كان من الأكيد أن لا يتمكن الإرهابيون من كسب الحرب فأننا أيضا لا يمكننا ذلكquot;.

أما تأكيدات جامعة هارفارد فقد جاءت في دراسة بعنوان quot;هل حان الوقت للحديث مع القاعدة ؟quot; وقد جاءت هذه التأكيدات على لسان مساعد مدير برنامج الابحاث حول النزاعات السيد محمود محمدو الذي قال إن quot;التخطيط للمرحلة المقبلة من الرد الشامل على القاعدة يستوجب معرفة عدوناquot;. كما أشار أيضاً أن جميع الرسائل الصوتية التي تبثها القنوات الفضائية عن زعماء القاعدة تطالب بوضوح وضع حد للتدخل الأمريكي في المنطقة بل ووجودها العسكري وكذلك دعمها المطلق للاحتلال الاسرائيلي للاراضي العربية وللانظمة الفاسدة والقمعية في العالم العربي والاسلاميquot;.

وهناك تأكيدات جاءت على لسان الاميرة quot;إيريناquot; شقيقة الملكة الهولندية quot;بياتريكسquot; التي دعت الحكومات الغربية الى محاورة تنظيم quot;القاعدةquot; من خلال حديث لها في جريدة الشعب quot;فولكس كرانتquot;، وإعتبرت الأميرة أن التحدث إلى قادة هذا التنظيم يساعد في التعرف على وجهة نظرهم وسيغير صورة العداء التقليدية بينهم وبين دول الغرب، وأضافت أيضاً بالقول quot;اذا لم تقدم للاخر أي فرصة وتبقى تطلق احكاما عليه من وجهة نظرك فحسب فلن تغير شيئا أبداquot;. وبررت quot;العنف الاسلاميquot; بأنه نتيجة للفقر والعلاقات الخاطئة والحواجز التجارية.

أما أطروحات مايكل شاور المدير السابق لquot;وحدة بن لادنquot; في وكالة الاستخبارات المركزية (سي اي ايه) الذي ينتقد نهج ادارته السابقة، حيث قال في أحد محاضراته إن quot;الناشطين المسلمين (ومئات ملايين المسلمين غير الناشطين) يكرهون الولايات المتحدة بسبب ما نقوم به في العالم الاسلامي وليس بسبب مثلنا العليا الديموقراطيةquot;.

ومما سبق يمكننا القول إن النزعة العدوانية التي تتصف بها الإدارة الأمريكية ممثلة في اليمين المتطرف نحو العرب والإسلام والمسلمين ومحاولاتها الهيمنة على ثروات الدول، قد لا تترك أمام الجماهير خياراً سوى خيار المقاومة المسلحة، أو القيام بعمليات إرهابية والتي بدأت تستهدف المنتجعات السياحية والمنشآت النفطية وغيرها من مراكز الإقتصاد العالمي، وليس غريباً القول بأن الانحياز الأمريكي الكامل لإسرائيل، والتأييد الأعمى لها خصوصاً بعد وصول حماس الى السلطة والمحاولات المتكررة لإفشال حكومتها بتجفيف مصادر تمويلها وعدم دفع رواتب موظفيها.

وهنا نقدم نصيحة لقادة حماس بالقول إذا كنتم غير قادرين على دفع رواتب موظفي الدولة وتنتظرونها من الدول المانحة فلا بد لكم من أن تقبلوا شروطهم، أما إذا كانت شروطهم لاتتماشى مع أهدافكم ففي هذه الحالة يجب أن تقدموا الإستقالة ويفضل أن تحافظوا على شعار quot;حماسquot; حركة مقاومة إسلامية، والمقاومة كحركة ستلقى الدعم أما الحكومة كمقاومة فلن تجد دعماً إلا إذا وافقت على نبذ العنف وليس هناك دعماً في عالم السياسة غير مشروط.

ولنا في محاكمة الدكتور سامي العريان عبرة، الذي قضت محكمة أمريكية بسجنه أربع سنوات وتسعة شهور بتهمة تمويل quot;حركة الجهادquot;، فما بال من يقوم بتمويل quot;حركة حماسquot; ولاسيما أنها حركة مدرجة على قائمة الجماعات الإرهابية quot;من منظور غربي quot;، ومن يجرؤ على الدعم لحكومة ترأسها quot;حركة حماسquot; إلا بموافقة أمريكية وبطريقة مقننة ومدروسة، وإلا فالتهمة جاهزة والعقاب آتي لامحالة.

وتذكروا، إن الرئيس بوش الإبن لن يتردد هو وإدارته في إتخاذ أي إجراء يرى فيه تعزيزاً لموقف إسرائيل وموقفه أيضاً من اعتبار منظمتي حماس والقاعدة وجهان لعملة واحدة إسمها quot;الإرهابquot; وهما مسؤولتان عن العمليات الإرهابيـة التي جرت وتجري في مختلف أنحاء العالم، ودعمه المستمر في حشد أكبر قدر من التأييـد العالمي لضربة وشيكة ومتوقعة لإيران من ناحية، والقضاء على المنظمات العربية والإسلاميـة التي تعمل على مقاومـة الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربيـة من ناحية أخرى.

وهل لنا أن نتسائل بالقول أليس الإرهابي هو إنسان أولاً وأخيرا ؟ له شخصية ووجدان ومشاعر وتصورات ثقافية خاصة تحتاج إلى سبر أغوارها ومحاولة فهم كيف تعمل ؟ ولماذا تفعل ذلك ؟ وهل الإرهابي يقوم بمحاولات لإيقاع الأذى بالغير ؟ أم أنها مشاعر وقائية لحماية الذات الجريحة والمهددة والمهانة ؟.

ويمكن أن نتصور الإجابة تكمن، بإن الإنسان يحب ذاته حبا جما ويود أن يجد التقدير والحنو والاحترام من الآخرين وتتولد لدية آليات وقائية ودفاعية ضد عمليات التهميش والإهانة والظلم الذي يقع عليه والتي تسبب له جراحات عميقه في ذاته سواء كانت مشاعر الظلم والإهانة حقيقية أم وهمية لا وجود لها سوى في خياله المبدع الذي يضخم له تلك المشاعر السلبية في الخارطة الذهنية والمحفورة في الذاكرة التي تتعرض يومياً لضغوط كبرى من ضيق ذات اليد والتهميش لتزيد من الجرح النازف دماً والذي بالتأكيد يخلخل توازنات النفس البشرية السوية التي تبحث عن العدل والمساواة.

فيصبح هو الإنسان المقهور وذاته المغلوبة التي تشعر بالإنهزام والإهانة واليأس حيث تندفع عوامل نفسية كبيرة في ذاته لتتحول الى عمليات إرهابية إنتقامية كردة فعل أمام كل ما يقع عليها فالمشاعر السلبية المتضخمة تحتاج إلى عمليات تفريغ لتحقيق الراحة من كل الأحمال الذي تنوء به هذه النفس البشرية التي تشعر بالظلم وعدم العدل والمساواة.

فتنتمي الى أيديولوجية العنف والتطرف والبأس لتفرح بمشاهدة ضحاياها ودماءهم التي تسيل لتروي عطش حب الإنتقام عبر الإرهاب لتستقطب الضالين المهووسين، وتهمس في آذانهم وصدورهم، لتحضهم على إرتكاب أكبر المعاصي الدينية جميعاً، بإسم الدين والجهاد في سبيل الله، وما من سبيل لوضع حد ونقطة نهاية لدائرة العنف الشريرة هذه، إلا سبيل واحد، هو إرساء مباديء العدل والمساواة بين البشر وإلحاق الخزي والعار بأيديولوجية الكراهية والحقد، ونبذها باعتبارها سمة مخزية ووصمة عار في جبين مرتكبها أياً كان مذهبه الديني.

إن إلحاق الهزيمة بأيديولوجية الكراهية التي تعم العالم اليوم تأتي من قوة مباديء العدل والمساواة بين البشر ولنا في الفاروق عمر بن الخطاب أسوة حسنة والذي كان يتمتع الذمي في عهده بكفالة الدولة الإسلامية له عند العجز أو الفقر أو الشيخوخة وقولته المشهورة quot; فوالله ما أنصفناه أن أكلنا شبيبته ثم نخذله عند الهرم quot; وبدون هذا العدل ستتحول الكراهية الى ثأر تأريخي لرد المظالم الكبيرة التي تقع على الشعوب المقهورة وهو مايفسر ردة الفعل الشرسة والعدوانية لتختلط المفاهيم من جديد بين مفهوم المقاومة ومفهوم الإرهاب ومفهوم الحقوق المشروعة والمصالح الوطنية لنرى إستهداف المنتجعات السياحية كتعبير عن عدم الرضا بحجة ممارسة الممنوعات بإسم السياحة كإقامة الحفلات الليلية الخاصة على الشواطيء التي يمارس فيها الممنوع وغير المألوف الأمر الذي يبقي التساؤل قائماً متى ينتهي إرهاب المنتجعات؟

الحلقة الثالثة

مصطفى غريب – شيكاغو – الولايات المتحدة الامريكية

فك الارتباط والتنبؤات المستقبلية

تعقيباً على مقالنا المعنون بquot;فك الإرتباط وإهمال المقدسات quot; إتضح لنا الحاجة الى المزيد من التحليل والدراسة لهذا الموضوع بعد أن نلخص أهم ماجاء في مقالنا السابق : إن الفلسطينيين حسب قرار الإرتباط والذين نزحوا من الضفة الغربية بفعل الإحتلال عام 1967م، هم مواطنون أحتلت أراضيهم الغربية فإنتقلوا إلى الشرقية، ومن حقهم المقاومة ضد الاحتلال كواجب وطني قومي عربي منسجم مع كونهم من أبناء الضفة الغربية رغم الدعوات الرسمية الأردنية المطالبة بضرورة الفصل التام بين المواطنة الأردنية وحق النضال الفلسطيني ضد الإحتلال الإسرائيلي.

إن التخلي عن كثير من المسؤوليات الوطنية والقومية تجاه الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية وباقي الأراضي العربية، وعدم تحمل قيام القوى الشعبية بها، إنما يمثل إنهزاماً والتخلي عن استحقاقاً عربياً بشكل عام، إن أي مفاوضات مقبلة مع إسرائيل ينبغي أن يؤخذ رأي وموافقة أغلب مؤسسات المجتمع المدني المعنية وإستخدام الرأي العام عند الضرورة للتأثير على المفاوضات بما يخدم المواقف الوطنية، ومن هنا يأتي أهمية إعادة الإرتباط بين الضفتين والإتفاق مع باقي الدول العربية حتى لايتحمل الأردن وحده أي نتائج سلبية قد تحدث، وبذلك يتضح أن هناك دلالات سياسية خطيرة لمطلب الحكومة الأردنية من قادة المقاومة والمقاومين بشكل عام للاختيار بين مواطنتهم وقيادتهم للمقاومة.

إن كل من يتحدث عن الإرتباط وفك الإرتباط ينبغي عليه أن يتذكر أن هدف الضم كان في حينه لتوسيع الرقعة الجغرافية التي تكون تحت سيطرة العرش الهاشمي ولهذا يجب أن يتحمل ملوك هذا العرش أي تبعات سياسية لاحقة، لا أن يأخذوا مايريدون ويتركوا ما لا يريدون !، لماذا؟، لأنها في الأصل مشروع شراكة لها في المكسب مثل ماعليها من الخسارة.

إن الوضع غير الصحيح القائم حالياً هو بمثابة قنبلة موقوتة قابلة للإنفجار يوماً ما، ولهذا يتوجب على الحكومة ومؤسسات المجتمع المدني عدم إثارة أي خلافات أوإشكالات مع المواطنين الأردنيين من أصل فلسطيني، أو مع بقية أبناء الشعب الفلسطيني المتواجد على أراضي الضفة الشرقية وجاري إقصائهم عن الحياة السياسية ومنعهم من التمتع بحقوقهم المدنية والوطنية المشروعة، كما أن القوى السياسية عليها أن لا تقف مكتوفة الأيدي على مايجري ضد المصلحة القومية الكبرى.

كما أن على الحكومة عدم الإنحياز لجانب قوة سياسية على حساب أخرى من القوى المناضلة، وأنه لا يزال بوسعها ممارسة موقفها المعتاد في الدعم السياسي العام والتعايش مع واقع التداخل في العلاقة، وعدم الاستجابة بالكلية للضغوط الخارجية التي ربما تهدد نسيج الأردن الاجتماعي، وتؤثر على علاقاته الداخلية والخارجية، وتضعه في مواجهة لا قبل له بها.

وأن يكون إعادة النظر في قرار فك الإرتباط بمثابة البحث الجاد عن مستقبل القضية العربية المركزية، أرضاً وشعباً وحقوقاً من منطلق الدين والعقيدة والجغرافيا والديموغرافيا والحقوق الوطنية في ظل إستمرار الاستيطان وعزل القدس وحصارها وبناء الجدار العنصري العازل.

ومن يقرأ تاريخ القضية الفلسطينية يتضح له بما لا يدع مجالاً للشك أن هناك أزمة فكر ورؤية عند أصحاب القرار في العالم العربي ومن ضمنها الأردن أو في السلطة ذات الرأسين أو في إسرائيل ذات الحزبين الرئيسيين أو التنظيمات التي بدأت تستجمع قواها في لبنان وأفغانستان وترى ضرورة مقاومة الضغوط القادمة من واشنطن على أصحاب القرار نظراً للإنحياز الأمريكي الواضح لإسرائيل.

إن قرار فك الإرتباط الأردني قد أضر بالقدس والمقدسات الإسلامية فيها بشكل كبير رغم ماقامت به المؤسسات الأردنية العامة والخاصة تجاه القدس، ولهذا نجد أن التبعات والخسائر كبيرة، وهذا يؤكد قصور الوعي العربي وعلى أعلى المستويات حين أتخذ قرار فك الإرتباط وبمباركة القمم العربية لصالح منظمة التحرير على أمل الخروج من مفاوضات أوسلوا بإتفاق يقضي بقيام دولة فلسطينية وعاصمتها القدس الشريف فقررت الأردن إستجابة للضغوط وعلى مضض التخلي عن المهام التي كانت تقوم بها ونقلت إستحقاقاتها الى منظمة التحرير الفلسطينية التي لم تقم بالدور المطلوب منها كدولة لحماية الشعب والمقدسات بل كانت ومازالت منظمة تعمل على المقاومة الشعبية.

وفي هذا المقال سنتابع البحث لتبعات القرار ومنها أن المستوطنات حول القدس ستفلت من قبضة الحل النهائي للمدينة المقدسة وأن الاحداث الأخيرة المتمثلة بشراء فندق إمبريال والبتراء والحوانيت على نفس الخط، الأمر الذي ساعد على تشجيع عملية النزوح وحرمان الفلسطينيين من أراضيهم ومياههم وحرية التنقل وغيرها.

إن الأردن عندما تخلى عن الضفة الغربية لصالح منظمة التحرير وعندما قام بتوقيع معاهدة وادي عربة منفرداً، أدى ذلك الى عدم قدرة القيادة الفلسطينية على تنفيذ الاتفاقات المبرمة مع الجانب الاسرائيلي وخصوصا قضايا الحل الدائم مثل اللاجئين والقدس والاستيطان والحدود والمياه وعدم القدرة على التوفيق بين متطلبات نهوض السلطة بمهمة بناء مؤسساتها المدنية والاقتصادية والأمنية في الضفة والقطاع مع متطلبات الحفاظ على وحدة مؤسسات منظمة التحرير كإطار وطني قيادي لكل الشعب وكافة القوى المتعارضة في مواقفها.

ومن التبعات أيضاً الآثار السلبية على العلاقات الاردنية الفلسطينية لعدم تنسيق المواقف بخصوص المفاوضات وتوقيع المعاهدات مع إسرائيل رغم العلاقة الجدلية المنسجمة تارة والمختلفة تارة اخرى والتي تعود الى عدة سنوات ولايمكن تجاهلها خصوصاً بعد أن رفضت منظمة التحرير مشروع المملكة المتحدة الذي طرحه الملك حسين عام 1972م.

كما ينبغي الإشارة الى ما يجري على الساحة الدولية من عدم إعتراف أمريكا واسرائيل بمنظمة التحرير ورفضها المؤتمر الدولي ومن ثم الخلاف بين الاردن والمنظمة حول قبول قرار 242 كمبدأ لتسوية القضية الفلسطينية الأمر الذي أدى الى الغاء اتفاقية عام 1986م، وبداية الانتفاضة عام 1987م، ومن ثم فك الارتباط بين فلسطين والاردن عام 1988م.

ومن يقرأ عن الكونفدرالية يدرك أنها مرتبطة إرتباطا عضويا بالصعوبات التي تواجه العملية السياسية وان هذا المشروع يتوقف على عدد من الأطروحات والحلول، الأول حكم ذاتي فلسطيني للسكان وليس للأرض وهذا هو طرح الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة والمتمثل بالفصل أحادي الجانب وثانيا بناء دولة فلسطينية مستقلة في غزة والضفة عاصمتها القدس وقيام كونفدرالية فلسطينية – اردنية وفقا للخيار الطوعي والحر للشعبين وبما أن هذا الخيار مرفوض أمريكياً وإسرائيلياً إلا من خلال الشروط التعجيزية التي تبدأ بمكافحة الارهاب والاصلاحات الداخلية.

ولاشك أن أي تسوية مستقبلية مع الطرف الاسرائيلي يجب ان تضمن ايجاد تواصل اقليمي جغرافي بين كافة ارجاء الوطن ودول الجوار سواء كانت مصر أو الأردن أو سوريا ولبنان وان أي مشروع مستقبلي مع الاردن والعمق العربي يجب ان يستند الى تحرير الضفة الغربية وقطاع غزة وهضبة الجولان وجنوب لبنان بما فيها مزارع شبعا وتلال كفر شوبا وأن يكون هذا إتفاق عام مبني على الإستقلالية وليس على التبعية والاستسلام.

ومن الإنصاف القول أن وضع الأردن بالغ التعقيد فمن ناحية هو ملتزم بمعاهدة وادي عربة ومن ناحية أخرى كيف له أن يلتزم بمساعدة الفلسطينيين في نضالهم من أجل الإستقلال؟، ورغم محاولات الأردن منذ فك الارتباط لدعم الموقف الفلسطيني ولكن دون الإنغماس في المشكلة الفلسطينية وخصوصاً بعد إتفاقية أوسلوا رغم إعتراضات بعض الأطراف العربية على ذلك.

ورغم تلك الإعتراضات فإن الأردن يحاول أن يحافظ على واقعه وحاضره ومستقبله ومصالحه رغم أن الاردن وفلسطين يرتبطان بعلاقات مصيرية رغم عدم التواصل والتفاعل الجيد بما لدى الأردن من مخاوف أمنية واقتصادية وديموغرافية بشكل يؤثر على العلاقة الفلسطينية الاردنية أو الأردنية الإسرائيلية فمن الصعب على الأردن أن يحتفظ بعلاقتين متناقضتين بتوازن.

إننا ونحن نصف الأحداث السياسية والعسكرية في المنطقة العربية إنما نصف أحداثاً عشناها ومؤامرات سبرنا غورها وعرفناها، وذقنا مرارتها واصطلينا بنارها ولكي يتمكن الجيل الجديد من الإطلاع عليها والذي لم يعشها ولم يعرف أسبابها ومراميها ولم يطلع على حقائقها وإنما مايعرفه عنها هو من خلال وسائل الإعلام التي وصفتها في حينها وجعلت من صانعيها أبطالاً يستحقون التصفيق والمناداة كما كان يقال بالروح بالدم نفديك يا… !!! وتجلى ذلك في أحد الملاسنات الكلامية بين بعض الزعماء العرب في أحد مؤتمرات القمة حين قال أحدهم للآخر إنت مين جابك للحكم.

وهذا يؤكد أيضاً المخططات الدولية التي تحاك ضد الأمتين العربية والإسلامية وللأسف أن تنفيذ تلك المخططات يتم بأيدي أبناءها سواء كانت عملاً سياسياً أو عسكريا، ولهذا لن نجد ديموقراطية حقيقية في البلاد العربية تدعمها قوى غربية لأن ذلك يتناقض مع مصالح الدول الغربية والعلة هي ليس في قادة الدول وإنما في النظام القائم ولهذا نحن بحاجة الى التغيير في الأنظمة والقوانين وليس في القادة أو الزعماء فأي زعيم لايعرف بكل ما يحدث في الدولة ولهذا عندما ندعوا لهم في المساجد تكون الدعوة بأن يقيض الله لهم البطانة الصالحة التي تعينهم على الحق وتدلهم عليه.

ومما زاد الأمور تعقيداً بخصوص الإرتباط وفك الإرتباط هو هزيمة العرب في يونيو حزيران عام 1967م، ونجم عن تلك الهزيمةnbsp;تدفق مئات الآلاف من اللاجئين الفلسطينيين إلى الأردن وهم سكان المخيمات، ورغم محاولات الملك حسين لتقديم مشروعه للسلام مع إسرائيل والذي عرف فيما بعد بمشروع النقاط الستة، وهو الذي تم إقتراحه في 10/4/1969م، أمام نادي الصحافة الوطني في واشنطن، وذكر في ذلك اللقاء بأنه لا يطرحها باسمه فحسب وإنما أيضا باسم الرئيس المصري جمال عبد الناصر وبتفويض منه.

وتستند الخطة إلى قرار مجلس الأمن 242 الصادر في 22/11/1967م، وتهدف إلى إقامة سلام عادل ودائم على أساس انسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلتها في حزيران 1967م، وتنفيذ جميع بنود قرار مجلس الأمن الأخرى.

وبعد إعلان الملك حسين مشروعه بيومين رفضته رئيسة الوزراء الإسرائيليةnbsp;آنذاك غولدا مائير، وأصدرت معظم المنظمات الفدائية الفلسطينية بيانا مشتركا في 15/4/1969م، أعلنت فيه رفضها لمشروع السلام بعد أن رفضت إسرائيل قرار 242.

وبعد ذلك وقعت اشتباكات عنيفة بينnbsp;الجيش الأردني والمنظمات الفلسطينية التي كانت تتخذ لها من الأردن قواعد عسكرية ومكاتب إداريةnbsp;وسياسية وإعلامية عرفت باسم أحداث أيلول الأسود عام 1970م، وأدت إلى خروج المقاومة الفلسطينية المسلحة من الأردن إلى لبنان.

كما أعلن الملك حسين في 15/3/1972م، عن مشروعnbsp;بإقامة المملكة العربية المتحدة، وذكر في ذلك المشروع أنه يعتزم تغيير اسم المملكة الأردنية الهاشمية إلى المملكة العربية المتحدة على أن تتكون من قطرين: الأول فلسطين ويضم الضفة الغربية وأي أراض فلسطينية أخرى يتم تحريرها ويرغب أهلها في الانضمام إلى المملكة المقترحة، والثاني هو الأردن ويتكون من الضفة الشرقية.

وتكون عمان عاصمة مركزية للمملكة والقدس عاصمة لفلسطين. ورئيس الدولة هو الملك، ويتولى السلطة القضائية محكمة عليا مركزية وقوات مسلحة واحدة قائدها الأعلى هو الملك، ويتولى السلطة التنفيذية في كل قطر حاكم عام من أبناء القطر نفسه، وينتخب أهالي كل قطر مجلسا تشريعيا.

وقد رفضت منظمة التحرير الفلسطينية هذا المشروع واعتبرته مؤامرة تستهدف تصفية القضية الفلسطينية، ومحاولة لسلب المنظمة أهليتها باعتبارها ممثلا للشعب الفلسطيني. وقد تميزت علاقة الملك حسين بمنظمة التحرير الفلسطينية بالتوتر، فلم يعترف بها ممثلا شرعيا ووحيدا للشعب الفلسطيني كما نص قرار القمة العربية عام 1964م، وظلت هذه الحالة حتى عام 1974م.

وأخيراً، ورغم كل الخلافات فإن الشعب الواحد في الضفتين الشرقية والغربية سيبقى وفياً لقضاياه الوطنية والقومية، ووفياً لأبناءه وقلعة عصية على التواطؤ والتآمر ولن يسمح بقيام بوابة لتمرير مخططات صهيونية أو صليبية وسيأتي اليوم الذي يتحقق فيه الحلم العربي الخاص بالإتحاد الكونفدرالي الأردني الفلسطيني الى واقع ملموس رغم كل المؤامرات والدعوات وسيسقط جدار الفصل العنصري في إسرائيل وتتلاشى الحدود الوهمية بين الضفتين كما سقط جدار برلين وستتوحد الضفتين كما توحدت الألمانيتين.

مصطفى غريب – شيكاغو – الولايات المتحدة الامريكية

فك الارتباط

إنشغل العلماء والفلاسفة منذ بداية التاريخ الى محاولة التعرف على حقيقة الموت، فكانت لهم تصورات عديدة مستوحاة من مذاهبهم ومواقفهم الفكرية، فكان منهم من تصور الموت تصوراً quot;مادياًquot; فلم يَرواَ فيه أكثر من توقف الجسد عن أداء وظائفه الفسيولوجية لسبب طبيعي، أو لسبب مفاجئ يختم به العمر، وكان منهم آخرون تصوروه تصوراً quot;روحياًquot; يتم فيه فك الارتباط بين الروح والجسد ليكون ذلك مرحلة ضرورية للوصول إلى مرحلة أخرى جديدة تتجلى فيها الحياة تجلياً آخر أي الإنتقال من الدار الدنيا الى الدار الآخرة.

وفي فرنسا أدت معركة بناء النموذج العلماني إلى فك الارتباط بين الدولة والكنيسة التي لم تخلُ من كثير من الاحتقانات والمصادمات الفكرية والسياسية العنيفة طوال النصف الأول من القرن العشرين، حتى ثبتت مبدأ quot;العلمانيةquot; في دستور عام 1946م، ثم في دستور 1958م، باعتبارها ركيزة من ركائز الديمقراطية والنظام السياسي، وشددت عليها كقيمة عليا تحكم حركة المجال الاجتماعي والسياسي العام.

وهذا هو مربط الفرس الذي سنتحدث عنه quot;فك الإرتباطquot; بين الضفة الغربية والشرقية أي بين الأردن وفلسطين وجاء هذا المقال متزامناً مع بالونات الإختبار المفاجئة التي أطلقها وزير الداخلية الأردني quot;عيد الفايزquot; وهو ماسمي نفض الغبار عن ملف قرار فك الإرتباط الذي أعلنه الملك حسين يرحمه الله في 31/7/1988م.

والسؤال المطروح بقوة الآن هو ما هي المبررات أو الدوافع التي حدت بالحكومة وفي هذا التوقيت بالذات لنفض الغبار المتراكم لملف يعتبر بحق من أخطر الملفات المتروكة ؟ ويعتبر من أكثر القرارات إثارة للجدل في حينه وهو القرار الذي تضرر منه آلاف من أبناء الضفتين الشرقية والغربية لما ترتب عليه من نتائج وإن كان هذا القرار قد بدا أن في ظاهرة الرحمة إلا أن باطنة العذاب ونخشى أن يكون إعادة النظر فيه أيضاً يؤول الى نفس النتائج السابقة ليبدوا في ظاهره الرحمة ومن باطنه العذاب مرة أخرى.

ومن هنا أناشد أعضاء اللجنة التي تشكلت لإعادة النظر بملفات آلاف الأفراد والعائلات التي عانت ومازالت تعاني من تطبيقات قانون quot;فك الارتباطquot; أن يكون هدفها الحقيقي والجوهري هو إعادة تصويب الاخطاء وتنقيح الاجراءات ورد المظالم الى أهلها وأن تكون عوناً لهم لا عوناً عليهم، كما أطالب القيادة السياسية والإستخباراتية التي تقود البلاد الى توضيح الخطوة السياسية الكبيرة التي من أجلها تم الإعلان عن فتح هذا الملف الكبير والخطير.

ومنذ الإعلان عن تشكيل اللجنة نتج عن ذلك أمرين في غاية الأهمية هما: 
أولاً : الإعتراف الرسمي ولأول مرة بوجود تعسف وإجراءات ظالمة نتجت عن تطبيقات قرار quot;فك الارتباطquot;. 
ثانياً : أن هذا القرار لم يعد مقدساً أو محرماً وإن إمكانية مراجعته واردة ولاسيما أن المحكمة العليا الاردنية أفتت بانه قرار سياسي وسيادي وليس دستوريا بمعني ان من اتخذ القرار يستطيع التراجع عنه فمتخذ القرار هو الأب ومن يستطيع التراجع عنه هو الولد.

ولكي تقطع الحكومة الشك بالقين فلابد من قيام الجهات المعنية فيها بحملة علاقات عامة تعمل على توضيح المبررات المنطقية للسياسات الداخلية والخارجية ولايكفي تبريرات وزارة الداخلية التي كانت تستند الي اعتراف ضمني بوجود حالات تعرض فيها آلاف الافراد والعائلات علي المعابر والجسور للظلم والجور وأنها تبدي رغبتها وإستعدادها لإصلاح هذا الخلل في الوقت الذي لم تعلن القيادة السياسية والإستخباراتية عن نيتها أو هدفها السياسي.

ويرى بعض المحللين السياسيين والمخططين الإستراتيجيين أن الهدف من هذا الاعلان يتجاوز البعد الانساني والاخلاقي ويساعد أصحاب القرار في جس النبض وتلقي مؤشرات تحدد ردود فعل أنصار ومؤيدي قرار quot;فك الارتباطquot; في الشارع والنخبة وفي الضفتين الشرقية والغربية وكذلك ردود فعل خصوم هذا القرار من دعاة الوحدة بين الشعب الواحد في الضفتين.

ومن الممكن القول بأن من أطلق هذا البالون الذي لا يستهان بأهميته علي أمل ان تستشعر الجدل الممكن والتأثيرات المحتملة لأي ظرف سياسي او جغرافي او اقليمي يمكن ان يضطر الأردن لاحقا لمراجعة قرار quot;فك الارتباطquot; أو حتي التراجع عنه.

ومن المعروف ان آلاف من الفلسطينيين تضررت مصالحهم بسبب تقلبات المزاج الإستخباراتي والاداري الاردني علي الجسور والمعابر، وقد سبق وأن إشتكوا من التوسع في عملية استبدال البطاقات لان سحب البطاقة من لون واستبدالها باخرى من لون اخر يعني ببساطة حرمان الشخص من الاقامة في الاردن واعتباره زائرا بدلاً من كونه مواطناً مما تسبب في إثارة الجدل عشرات المرات ومما تسبب أيضا بانتقادات لآداء الحكومة الأردنية محلياً وعالمياً.

وعملية جس النبض اثمرت في الواقع فقد صرحت عدة شخصيات تبدو مقتنعة بالحفاظ علي قرار فك الارتباط كمنجز سياسي يعتقد انه يخدم الهوية الوطنية الاردنية لرفض محاولات المراجعة التي اعلنتها وزارة الداخلية علي اعتبار ان تطبيقات قرار فك الارتباط بنيت علي اساسها اوضاع قانونية وصدرت بموجبها قرارات قضائية والحديث عن المراجعة هنا يعني الغرق في حالة فوضي في الكثير من الاتجاهات.

وهذا الرأي تسانده نخب متعددة تتصور بان التركيز علي ما هو سياسي في مراجعة قرار فك الارتباط يعني اقتراب الخيارت السياسية الاقليمية التي ستحاول حل مشكلة فلسطين والفلسطينيين علي حساب الاردن والاردنيين.

ومن الواضح ان استدراكات الحكومة الاردنية كان لها غرض حكيم يتمثل في حصر جدل المخاوف السياسية من هذه المراجعة فالفرصة متاحة للاتهام والتشكيك والعودة لاسطوانة الخيار الاردني او الوطن البديل وانصار قرار فك الارتباط هم الاكثر تطرفا باسم الهوية الوطنية الاردنية.

فالاعتراف بوجود اشكالات وتجاوزات مست بحقوق المواطنين الاردنيين من اصل فلسطيني بسبب تطبيقات quot;فك الارتباطquot; شيء جديد والتحدث عن مراجعة اجراءات فك الارتباط شيء اخر.

ولهذا ننصح بالعودة الى الجذور التاريخية التي يجب عدم إغفالها وسنوضح ذلك في عجالة قصيرة لتكتمل الصورة لدى الفريقين، إذ أن مفردة الضفتين تعود الى تاريخ الإرتباط منذ إنضمام الضفة الغربية إلى الأردن في 5 نيسان 1950م، وبهذه المناسبة لابد من التذكير بأن الآباء والأجداد كانت لهم رؤية شمولية أوضح من الجيل السياسي الحالي وكانت لديهم طموحات أسمى وأكبر، فقد بدأ الأمير عبد الله جد الملك حسين بن طلال العمل على وضع بنية لإدارة الحكم في شرق الأردن، من العرب لأنه في ذلك الوقت لم يكن حول الأمير عبد الله من الأردنيين مَنْ هو مؤهل لإدارة الدولة.

فشكل حكومته الأولى التي كانت تسمى أمارة شرق الأردن في 11 نيسان 1921م برئاسة رشيد طليع لبناني درزي، وقد كانت في حقيقة الأمر حكومة عربية أكثر منها أردنية لإيمان الأمير عبدالله العميق بالقومية العربية سبيلا للتحرر والاستقلال، ولقد تألفت من سبعة أشخاص، كلهم عرب من سوريا ولبنان ما عدا أردنياً واحداً، وكانت النخبة المثقفة المتعلمة المحيطة بالأمير، من سورية والحجاز وفلسطين.

وكان لذلك أسباب عديدة منها، إنه لم يكن هناك طبقة من المتعلمين وأصحاب الخبرة في الأردن، ولأن الأمير عبدالله اعتبر شرق الأردن جزءاً من الدولة العربية التي يطمح إليها، وأن أمارة شرق الأردن ما هو إلاّ بداية، إذ إن النعرة الكيانية الضيقة التي نمت فيما بعد، لم تكن معروفة في ذلك الزمان، فكان العربي من أي قطر كان يعمل بشكل طبيعي في حكومة أي دولة عربية.

ولكن هذا الزمان قد ولى في القرن العشرين مع تقسيم وتثبيت الكيانات العربية وبالتالي ضمور فكرة القومية العربية ووأد التجارب الوحدوية العربية في مستنقع أبدي، وعندما ذكرنا أعلاه أن الآباء والأجداد كانت لديهم رؤية واضحة فقد كان الشريف حسين حاكماً في الحجاز، وإبناه فيصل في العراق وعبدالله في شرق الأردن، لا يرون في هذه الكيانات، إلاّ خطوة أولى لتأسيس الدولة العربية، التي تضم كل العرب في بلدان آسيا.

وعندما أصبح عبد الله الأول أميراً على شرق الأردن، كان يعاني من مشاكل كثيرة وجاءت قضية السيادة التي كانت موضع اهتمام كبير في تثبيت شرعية حكمه، عندما وافقت عصبة الأمم في 24 تموز 1922م على صك الانتداب البريطاني على فلسطين والأردن، وفي أيلول 1922م، أرسلت بريطانيا مذكرة رسمية إلى عصبة الأمم تطلب استثناء شرق الأردن من أحكام وعد بلفور.

وفي 25 أيار 1923م، إعترفت بريطانيا بحكومة شرق الأردن، وبعد مرور 23 سنة أعلنت بريطانيا، استقلال إمارة شرق الأردن في 22 آذار 1946م، بعد ذلك بشهرين بويع الأمير عبد الله بالعرش الهاشمي في الأردن وصار ملكاً على المملكة الأردنية الهاشمية في 25 أيار 1946م، وفي الأول من شهر كانون الأول 1949م، عقد مؤتمر أريحا الذي أوصى بضم الضفة الغربية إلى المملكة الأردنية الهاشمية، وفي 5 نيسان 1950م، تمَّ ضم الضفتين رسمياً.

لذا يجب أن لا تنسى الحكومة الأردنية التاريخ الذي بني عليه الإرتباط والأسباب التي بنيت عليها فك الإرتباط فمنذ الإرتباط 1950م الى فك الإرتباط 1988م، هناك ثمان وثلاثون عاماً من الوحدة في كل شيء أما بعد فك الإرتباط عام 1988م الى 2006م ثمانية عشر عاماً من التفرقة بين أبناء الضفتين وظلم وجور لحق بآلاف منهم.

وهناك من يبرر إتخاذ القرار بأنه عمل من اعمال السيادة، صدر بناء على قرارات مؤتمرات القمة العربية منذ مؤتمر قمة الرباط عام 1974م، الذي إعتبر منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني وقرار مؤتمر الجزائر عام 1982م، الذي إعترف بالدولة الفلسطينية حيث اصدرت الحكومة الأردنية بتاريخ 31 /7/1988م، قراراً بفك الأرتباط مع الضفة الغربية ولم يكن قرارً تعسفياً بالمعنى المنصوص عليه في قوانين الشرعية الدولية كما أن المواطن الفلسطيني بعد صدور تعليمات فك الأرتباط عاد الى جنسيته الفلسطينية الصادر بمرسوم الجنسية الفلسطينية عام 1925م، وباستقراء هذه المبادئ لا يوجد أي مساس بحقوق الأنسان.

أما الإجراءات التي أتخذت بعد quot;فك الإرتباطquot; فقد تضمنت إجراءات مثل سحب وثائق إثبات الشخصية الأردنية من حامليها ( دفتر العائلة، جواز السفر، الهوية الشخصية، الغاء الرقم الوطني، إستبدال جوازات السفر العادية بأخرى مؤقتة، صرف بطاقة إحصاء الجسور ذات اللون الأخضر).

وتمت مناقشة هذا الأمر مراراً بين مجلس النواب والحكومة، أثر تطبيق تعليمات قرار quot;فك الإرتباطquot; ورفع لوزارة الداخلية مذكرة تضمنت حوالي (800) حالة، تم إستبدال وثائق إثبات جنسيتها الأردنية، خلافا لأحكام القانون وبدعوى خضوعها لتعليمات قرار quot;فك الإرتباطquot;، ولا زالت حالات سحب الجنسية إستنادا لهذه التعليمات تتكرر، من خلال مراكز العبور مع الضفة الغربية، اوعند مراجعة (كان مكان الإقامة هو المعيار لتحديد أن الشخص ما زال أردني الجنسية أو أصبح فلسطينيا، حيث ورد في المادة (2) من تعليمات quot;فك الإرتباطquot; : quot; يعتبركل شخص كان مقيما في الضفة الغربية قبل 31/7/1988م، مواطنا فلسطينيا وليس أردنياquot; في حين جرى توسيع هذا المعيار ليشمل الفئات التالية : كل من ( حاز على جواز السفر الصادر عن (السلطة الفلسطينية،ومن يعمل بمؤسساتها، ومن حصل على جمع الشمل بموجب إجراءات سلطات الإحتلال الإسرائيلي، وكذلك من لم يكن مقيما في الضفة الشرقية قبل صدور قرار فك الإرتباط).

أن تعليمات قرار فك الإرتباط،تعتبر بكل المعايير القانونية من أعمال الإدارة،وإن ترتيب وضع الجنسية على أساس تلك التعليمات، يعتبر مخالفا لأحكام المادة (5) من الدستور، التي تنص على أن quot; الجنسية الأردنية تحدد بقانون quot; ولا يتضمن قانون الجنسية رقم (6) لسنة 1954م أي نص يجيز سحب الجنسية أو (فقدانها أو إسقاطها،تطبيقا لأية تعليمات أو لعدم تحقق شرط الإقامة في المملكة.

وقد كشفت التطبيقات الادارية لتعليمات قرار quot;فك الارتباطquot;، عن ضعف سبل الإنصاف القضائية والادارية المتاحة في التصدي للإنتهاكات التي تتعرض لها حقوق الإنسان، حيث تتكرر شكاوى المواطنين من أن اللجوء للقضاء الإداري للطعن بقرارات وزير الداخلية، أو غيره من المسؤولين عن قضايا الجنسية وإصدار الوثائق المثبتة قد أصبح غير ذي جدوى، وهنالك سوابق قضائية تستند الى تعليمات quot;فك الإرتباطquot; كبديل لقانون الجنسية وقانون جوزات السفر.

وطالما أن القضية الفلسطينية لم تحل بشكل جذري فسيبقى الوضع على ماهو عليه ولن يحصل الإندماج بين الشعبين في الضفتين مهما فتحت الملفات الساخنة لأن من يحدد العلاقة القانونية بين الفرد والدولة هي الأجهزة الإستخباراتية أما مؤسسات الدولة فهي أدوات تنفيذية.

مصطفى غريب – شيكاغو – الولايات المتحدة الامريكية

تعددت الأسباب والإرهاب واحد

تناول موضوع الإرهاب الكثير من المفكرين حول العالم لأنه ألقى بظلاله على الساحة الدولية كأمر واقع فُرض على البشر كما هو الموت الذي نقاومه ولكن أخيراً نستسلم له مؤمنين بالقضاء والقدر وهذا لايعني أن نستسلم للإرهاب بل ينبغي مقاومته أو محاربته بكل أشكاله وأبعاده ولكن سيبقى الخلط بين مفهوم الإرهاب وتعريفه وفي النهاية هو الطريق الى الموت.

ونريد أن نجتهد فنقول تعددت الأسباب والإرهاب واحد كما يقول الشاعر العربي من لم يمت بالسيف مات بغيره تعددت الأسباب والموت واحد وهنا سنقوم بتفسير الإرهاب على أنه الموت ومن من البشر لايخشى الموت ويهابه رغم إنه أمر واقع لامفر منه.

فالأسباب التي ذكرت في هذا المجال أكثر من أن تعد وتحصى ولكن نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر أسباب إقتصادية، أسباب إستعمارية، مخرجات مناهج التربية والتعليم، البطالة، الخطاب الديني المحرض على العنف، أسباب إجتماعية وأخلاقية ونفسية، التعصب القبلي والديني والتعصب للجنس أو اللون أو المعتقد وإنكب العلماء والفقهاء والمحللين على دراسة هذه الظاهرة من أكثر من جانب علهم يجدون سبيلاً للخروج من هذه الأزمة الطاحنة التي ستؤدي نتائجها الى الجهل والفقر والمرض بل الحروب والفتن وسقوط الحضارات.

لقد شهد العالم طيلة القرن الماضي، بروز تيارات إستعمارية وإستيطانية وبروز تيارات دينية نشيطة ذات أهداف اقتصادية و سياسية، مما أدى الى اتساع الهوة الثقافية والاجتماعية و الاقتصادية بين طبقات المجتمع البشري وتفاقم الأزمات الاقتصادية بالإضافة إلى غياب منظور واضح في الأفق للخروج من تلك الأزمات، الشيء الذي أدى إلى تفاقم الأزمات السياسية مما دفع، بشكل حتمي، إلى ظهور التطرف و الإرهاب.

ان ما يفعله أصحاب بعض التوجهات السياسية المنطلقة من الآيديولوجية من محاولة تبرير الاعمال الارهابية والخلط بين الإرهاب والمقاومة هو الاخطر فمن يحمل السلاح سهل مواجهته بالسلاح، أما من يعطي التبرير الديني الأيديولوجي للأرهاب ويتحدث باسم الأديان والعقائد وهم كثر وهم الذين يجب مواجهتهم بشجاعة ودون هوادة وبسلاح فكري مبني على إستراتيجية عالمية علمية وعملية جديدة لأنهم تخطوا كل الخطوط الحمراء التي يجب أن يتوقفوا قبلها.

إن الشراسة التي ميزت الهجمة الغربية منذ وقوع أحداث 11 سبتمبر 2001م، كانت كرد فعل لها مايبررها لردع المعتدي عليها، ولكن التحفظات التي تؤخذ عليها أنها لاتملك حق اختيار العدو وفق اتجاهات مصالحها، بل عليها أولا” ان تحدد هذا العدو بدقة فائقة قبل أن تحاكمه وتنتقم منه، ولم تكن هذه هي الهجمة الأولى من نوعها و لن تكون الأخيرة لكلا الطرفين صاحب الفعل ورد الفعل.

ستستمر الحرب ضد الإرهاب فالعملية تبدأ بإرهاب ثم تنتهي بالحرب على الإرهاب ثم تتولد الطاقة الإرهابية ذاتياً، تحت مختلف الأشكال وفي مختلف بقاع العالم، وسوف يصاحب هذا، انحطاط إيديولوجي و تراجع للقيم الإنسانية، و ليس الستار الذي يتم إخفاء هذه الاعتداءات تحته والتفسيرات التي تعطى لتبريرها، مضللة و حسب، بل خاطئة كليا و خدّاعة.

إن تضخم أعداد اللاجئين وكذلك المهاجرين من الدول الفقيرة وغير الديموقراطية الى الدول الغنية كما هو الحال في الهجرة من القرى نحو المدن، أدى إلى زيادة الأزمة سوءا، فانعدام الأمن وإنتشار البؤس ومرارة الحياة داخل المخيمات والأحياء الفقيرة يزيد من تسعير مشاعر الإحباط و اليأس..إن وضعية الحرمان التي يعيشها الشباب المنحدر من الطبقات الفقيرة و كذلك المقارنة التي يجرونها بين أوضاعهم المأساوية وبين أوضاع شباب الطبقات الغنية تزيد من تفاقم الفساد الأخلاقي و ارتفاع وتيرة الإجرام حتى في البلدان المستقرة نسبياً ولكن فيها تفرقة عنصرية ضد الأجانب والمهاجرين وأنظمة تحول دون تساوي جميع الفئات ولو بعد زمن.

إن الجماعات والأحزاب المتطرفة سواء كانت شرقية أو غربية ستورط الشباب في تلك الجرائم بفضل الحماية التي توفرها لهم، وبسبب غياب أي مخرج لهم من بؤسهم و بسبب شعورهم بالذنب أمام الجرائم التي يرتكبونها، يفضل العديد منهم الغرق في معتقدات أيديولوجية للهروب والنسيان أو الهجرة الى المناطق المشتعلة لتحقيق هذه المعتقدات.

إن ما يستقطب الفئات من الشباب المنحدر من الطبقات الفقيرة من الشباب والناس البسطاء إلى هذه الجماعات والأحزاب المتطرفة، هو كرههم الشديد للفساد المستفحل داخل أوساط الطبقات الليبرالية والبرجوازية التقليديين والتكبر والغرور الذي يميزهم والممارسات المستفزة التي يقومون بها. بينما يعمل الساسة والدينيون على الدعوة بشكل انتهازي إلى العدالة الاجتماعية و القضاء على الفساد وإلى ثقافة الطهر والورع.

إن أولياء أمور هؤلاء الملايين من الأطفال، الذين يمارس في حقهم الاغتيال الإيديولوجي، داخل المدارس المختلفة التوجهات، في مختلف دول العالم الفقيرة، لا يمتلكون القدرة على تربية أبنائهم ومن ثم فإن أطفالهم ليس أمامهم إلا إحتمالين : إما العمل قبل إستكمال مراحل التعليم أو أن يدفع بهم الى الإنضمام الى الميليشيات أو الفصائل المسلحة حيث تمكنهم، على الأقل من المأوى وقليل من الطعام رغم ماتمارسه بحقهم هذه الميليشيات أو الفصائل من الشحن الأيديولوجي المتطرف.

أما في المناهج التعليمية لبعض الدول، و من خلال تدريسهم التاريخ والجغرافيا والدين فإنه يتم إغراق عقولهم في ظلمات الحروب والغزوات ومعاني العنف وثقافة الموت وقيم العصور البائدة، لينتهي الأمر بتلك العقول الغارقة في أحلام الماضي، إلى القيام بكل ما شهدناه خلال القرن الماضي، من تلك الحركات الأيديولوجية لمختلف الأديان ( إسلامية – يهودية – مسيحية )، و التي دمرت بتصرفاتها جيلا كاملا من الشباب، إن الإرهاب و الهمجية و الدموية النابعة من هذه التيارات المتعصبة هي نتاج لمجتمع راكد كالدم الفاسد لايريد أن ينفتح على ثقافات العالم بل يدعوا الى الإنغلاق.

إن الدعم المالي و الاجتماعي لتلك الحركات الأيديولوجية المتشددة في الديانات الثلاث ( إسلامية – يهودية – مسيحية )، ألا و هو العولمة و الهيمنة الإحتكارية للدول الصناعية والدول الغنية، التي صارت تهدد مصالح رجال الصناعة المحليين و المهنيين و رجال الأعمال و بارونات المخدرات.

إن ماتلعبه وسائل الإعلام من من خلال أشرطة الفيديو وبث أخبار الإرهاب في جميع المحطات الفضائية بلا إستثناء،والتي تجوب الفضاء وعبر الفضائيات الى مجتمعات العالم كافة نجد أن زعماء الديانات الثلاث من الأصوليين المتعصبين يؤكدون على أن الثروات هي ملكية عامة لكل أمة على حده ويطالبون بأن يتم خصخصة القطاعات العامة والثروات ويقدم لعامة الشعب مما يدغدغ مشاعر الطبقات الفقيرة.

الواقع هو أن الأساس الاقتصادي و المالي لجميع الدول يظل دائما رأسماليا في الجوهر. و من ثم فإن الاختلاف بين الحضارة الغربية و الحضارة الشرقية من الناحية الإقتصادية والمالية مجرد اختلاف شكلي و ثانوي، أما الإختلافات الكبيرة بين هذه المجتمعات في الجوانب الاجتماعية و الثقافية و التقاليد، راجعة في الغالب إلى اختلاف مستويات و مراحل التطور التاريخي التي تمر بها تلك المجتمعات.

إن أصحاب هذه الأيديولوجيات وعملائهم مجبرون على الإذعان لهذا النظام الرأسمالي العالمي متمثلاً في العولمة وتحرير التجارة العالمية والقبول به بهذا الشكل أو ذاك، لان النظام الاقتصادي المعتدل والذي لم يستطع علماء الأمم الإقتصاديين من تطويره أو تطبيقة حتى يتم تطويره أولاً بأول ليس نظاما قادرا على منافسة النظام الرأسمالي الحالي.

وهذا ما يجعل كل الاختلافات الظاهرة بينهم و الجدالات التي تقوم بينهم، كما هو شان صداقاتهم و العداوات التي تحدث بينهم، مجرد أمور شكلية و مخادعة، لهذا نجد الأصوليون يغيرون بشكل مستمر ولاءاتهم وعلاقاتهم مع تغير مصالحهم و أولوياتهم، ولهذا السبب تجدهم أصدقاء أحيانا و خصوما أحيانا أخرى عملاً بالحكمة القائلة لن تجد هناك صداقات دائمة ولاعداوات دائمة ولكن مصالح دائمة.

وهؤلاء الأصوليون المتشددون في الديانات الثلاث ( الإسلامية – اليهودية – المسيحية ) يرجعون أسباب فشل اممهم بسبب الإبتعاد عن الدين كما يرونه هم وليس كما يراه الوسطيون وهذا حال الخطاب الديني المتشدد في الديانات الثلاث ولقد أعلن الأصوليون المسيحيون في الدول الغربية أن أحداث 11 سبتمبر 2001م هي عذاب من الله بسبب الاختلاط المتزايد الذي تعرفه الدول الغنية و بسبب انهيار القيم الأخلاقية و انتشار الفساد الاجتماعي إلى أقصى الحدود.

نفس الشيء نجده بين الأصوليين الدينيين اليهود، الذين يرفضون القبول بإسرائيل نموذجا حقيقيا لأحلامهم. فهم معتنقون للرغبة المتطرفة في مد يد الهيمنة الصهيونية على كل العالم. و يعتبرون قتل الفلسطينيين والأغيار بشكل عام بأنه قتل للكفار. تحت هذا الغطاء الأصولي، يقوم حكام إسرائيل بممارسة ابشع أشكال القمع و الهمجية. و من تم يبررون أعمالهم الهمجية بواسطة الدين.

النتيجة هي سيادة التعصب الديني و الإرهاب و الهمجية و الحقد المتبادل. لتبقى الدماء البريئة تسيل بدون توقف وهذا مادعانا في أكثر من مقال الى القول إن الحرب على الإرهاب ستنتهي بحرب الأديان.

فعندما تعجز السياسة عن تطوير المجتمعات، يلجؤون إلى التشدد في الدين لاستعمال الشرائح الاجتماعية المختلفة بهدف قيام نزاعات تحت مسمى الحرب على الإرهاب. وظهر قبل ذلك شعارات قومية من خلال الخطب المعادية للإمبريالية التي أفادتها كثيراً في حقبة القوميات التي صفق لها كثير من الشعوب الفقيرة المستضعفة.

وحتى بعض الدول الإسلامية إستعملت ولازالت تستعمل نفس الشعار ( معاداة الإمبريالية ) وتمكن حتى من تشكيل حكومات في أكثر من بلد إسلامي ودعنا نضرب مثلاً متجددا وهو عندما يقوم نظام ما في بلد ما بمعاداة الدول الغربية مثلاً لسبب ما نجد في اليوم التالي المظاهرات والخطاب الديني يلتزم بشعار ( معاداة الإمبريالية ).

وهو ماحصل أثناء الجهاد في أفغانستان عندما أوقفت الدول الغنية مساعداتها بعد إنسحاب القوات الروسية وبعد أن إستعملتهم الدول الغنية لتحقيق بعض من أهدافها ضد الشيوعية شعر الملالي و بعض قطاعات الجيش بالخيانة من قبل الدول الغنية لهم بسبب وقفها للمساعدة و حرمانها لهؤلاء الحلفاء الدينين والعسكريين من الثروات التي عملت الدول الغنية على إغراقهم فيها طيلة سنوات الجهاد وبالتالي إنقلب السحر على الساحر وأصبح شعار ( معاداة الإمبريالية) هو السائد في تلك المنطقة.

هذه هي الطريقة التي تفكر بها الفئات الفقيرة من ضباط الجيش في أي بلد، الذين لا يستفيدون ماديا من الغنيمة بالدرجة التي يستفيد بها القادة الكبار في الجيش و البيروقراطيون. و هذا ما يزيد في إحباطهم و غضبهم. وهو مايشكل صراعاً داخلياً في صفوف الجيش بين الضباط اللبراليين و الضباط المحافظين، سببه الحقيقي هو الصراع على الأرباح و المصالح المادية اكثر من كونه صراعا ذا أصول إيديولوجية وكثيراً ما نسمع عن مصطلح أمراء الحرب.

إن أهم أسباب أفول الحضارات والإمبراطوريات والدول والحكومات بشكل عام، كان هو علو أصوات أصولية متطرفة تبث الفتن لتشن الحروب وتتهافت على الثروات والسلطة وتفقد العدل الإنساني والإجتماعي وتفرق بين المواطنين واللاجئين والأجانب فيفقد العدل الذي هو أساس الملك، وتصعد التطرف بين الطبقات في المجتمع وتستأثر لنفسها بطبقة النبلاء والموالين والمنافقين.

إن هذا الانحطاط لم يؤدي فقط إلى انهيار حضارة بأسرها، بل كذلك إلى تقييد العقول بأغلال أيديولوجية، و سيادة الأفكار المتزمتة وإلى إغراق المجتمعات في مستنقعات آسنة بحجة الدعوات الى القوميات وبني الجنس الواحد وتوطين المهن بين أبناء هذا الجنس وإختلاف النظم في التعامل مع كل طبقة من الطبقات التي تشكل المجتمع فيزول العدل وينتشر الظلم ويزداد الحقد وينشر الرعب والتعصب الأعمى والإرهاب.

مصطفى غريب – شيكاغو – الولايات المتحدة الامريكية  

فك الارتباط والانتفاضة

تعقيباً على مقالنا المعنون بquot;فك الإرتباط والتنبؤات المستقبليةquot; الذي لاقى صدى واسع بين مؤيدين ومطالبين بالإستمرار على هذا النهج لتوضيح بعض الحقائق والمستجدات على الساحة السياسية ولكي يبقى الترابط موجوداً سنأتي على تلخيص أهم ماجاء في مقالنا السابق : إن المستوطنات حول القدس ستفلت من قبضة الحل النهائي الأمر الذي ساعد على تشجيع عملية النزوح وحرمان الفلسطينيين من أراضيهم ومياههم وحرية التنقل وغيرها.

إن الأردن عندما تخلى عن الضفة الغربية لصالح منظمة التحرير إنما هو في واقع الأمر تخلى عنها لصالح إسرائيل وقام فيما بعد بتوقيع معاهدة وادي عربة منفرداً، مما أدى الى عدم قدرة قيادة المنظمة على تنفيذ الاتفاقات المبرمة مع الجانب الاسرائيلي وخصوصا قضايا الحل الدائم مثل اللاجئين والقدس والاستيطان والحدود والمياه ورغم أنه تخلى عن الضفة الغربية إلا أنه رغب أن يكون له دور ما في رعاية الشئون الإسلامية والمقدسات بالمسجد الأقصى. 
nbsp;
الآثار السلبية المترتبة على العلاقات بين أبناء الضفتين ومن ثم الخلاف بين الاردن والمنظمة حول قبول قرار 242 كمبدأ لتسوية القضية المركزية الأمر الذي أدى الى الغاء العديد من الإتفاقيات وأفقد أطروحة الخيار الطوعي والحر للشعب بين الضفتين من خلال الكونفدرالية.

ومما زاد الأمور تعقيداً بخصوص قرار الإرتباط وفك الإرتباط هو هزيمة العرب في يونيو حزيران عام 1967م، ونجم عنها تدفق مئات الآلاف من اللاجئين الفلسطينيين إلى الضفة الشرقية وهم سكان المخيمات حالياً وسيبقوا كذلك الى أن ينتفضوا في وجه الظلم، وما المبادرات المستمرة والتي كانت ومازالت إلا لذر الرماد في العيون.

أما أصحاب الرأي الآخر فقد وصفوا تلك المبادرات بالمؤامرات التي تستهدف تصفية القضية المركزية، ومحاولة لمساعدة الجلاد على الضحية إلا أن بعض المفكرين مازالوا يعتقدون بأن الشعب الواحد في الضفتين الشرقية والغربية سيبقى وفياً لقضاياه الوطنية والقومية، ويأملون أن يأتي اليوم الذي يتحقق فيه الحلم العربي الخاص بالإتحاد الكونفدرالي بين الضفتين.

وفي هذا المقال فإننا سنخوض في مسألة فك الإرتباط من خلال النظر الى واقع الحال الذي يعتبر أقوى من أية دعاية إعلامية خبيثة، فلو دققنا في النتائج العملية والنهائية للتعايش بين ابناء الشعب الواحد في الضفتين لوجدنا حصة الاسد من نصيب أبناء الضفة الشرقية على حساب أبناء الضفة الغربية.

ولهذا فإن الشعب الواحد في الضفتين وقواه المنظمة والمناضلة من أحزاب وجمعيات وإتحادات مهنية ونقابية ومجتمع مدني، عندما تشكوا من الظلم وضعف ولاة الأمر وفساد أنظمتهم وتبعيتهم للقوى الكبرى تحت غطاء الصداقة أو التحالف أو معاهدات السلام أو حتى قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن أو أي قسم آخر فانها لا تنطلق من فراغ، لأن هذه العلاقة غير المتكافئة أتاحت للحكام ممارسة السلطة الاستبدادية الظالمة وكأن كل دولة ملكية خاصة تابعة لهم يتصرفون بها كما يشاؤون وهم السادة وغيرهم العبيد.

وبهذا التصرف يكونوا قد ألغوا دور الشعب والجماهير والمنظمات المدنية، وعطلوا مفعول الشرع الرباني وإستبدلوه بالدستور والقوانين التي عطلوها أيضاً وإن كانت وجدت أصلاً لمصالحهم وهناك أمثلة على تعديل الدستور بما يخدم رغباتهم، وأقاموا نظماً إستخباراتية وبوليسية أمنية لتحافظ على عروشهم، مقابل التنازلات المستمرة للدول الكبرى الداعمة لإسرائيل، ومن هنا ندرك ان إستقلال العرب وتحررهم لن يكون تاما وشاملا ما لم يعملوا جميعاً وبلا إستثناء على إعادة الإرتباط بين الضفتين من جهة وفك الإرتباط بالقوى الكبرى الداعمة للكيان الصهيوني من جهة أخرى وهذا الإرتباط والفك ينبغي أن يكون بشكل مطلق حتى تتغير المعادلات السياسية أو يحدث فيها توازن في العلاقات الدولية.

ومن الممارسات التعسفية التي نراها كل يوم يجعلنا نقول لاحياة لمن تنادي هذا إذا كنت قد أسمعت حياً فالعرب هم كجيران المقابر، هم جيران مع بعضهم البعض ولكن لايتكلمون ولايتزاورون ولاتعاون بينهم، ومن العجيب أيضاً أنه لم يبقى على وجه الأرض من ينكر التحالف الإستراتيجي الصهيوني الغربي الذي يعمل جاهداً وفق استراتيجية مرسومة على إبقاء العرب في حال من التشرذم والضعف والضياع والتمزق والتناحر والتبعية وفقدان التأثير في المنطقة العربية، لايجاد نوع من الإحتقان بين السلطة والشعب حتى تستطيع هذه القوى الكبرى بما فيها إسرائيل من خلاله أن تملي وتتحكم في ثروات وأنظمة وشعوب العالم العربي.

ولهذا لانجد بين الفلسطينيين والعرب عموماً في الوقت الحاضر من يطالب بالقدس والمقدسات بل أصبحت قضيتنا هي فتح المعابر والتمني على لقاء شخصيات صهيونية أو غربية أو تبني المبادرات للخروج من هذا المأزق أو ذاك أو قضية الرواتب أو الحصار الإقتصادي الذي شاركت به البنوك العربية ممعنة في التبعية للقوى الكبرى لتشديد الحصار على الشعب الفلسطيني وليس على حكومة حماس كما يدعون.

ولهذا قد لانجد مبرراً من فتح باب قرار الإرتباط وفك الإرتباط إلا لعودة ضم الضفة الغربية والعودة الى ماقبل الإحتلال الإسرائيلي للضفة وغزة عام 1967م، ولاريب أن ينقسم الشارع الواحد والشعب الواحد الى شارعين وشعبين لتحقيق أهداف خفية ونسيان القضايا الجوهرية بإفتعال أزمات جانبية وبهذا تكون القوى الكبرى قد حققت أهدافها في تجزأة المجزأ وتقسيم المقسم وتفكيك المرتبط.

هذا وإن كنا نؤيد قرار إعادة الأرتباط بين الضفتين فهو من باب إعادة اللحمة الى الشعب الواحد وتوحد رؤاه وأهدافه ومصيره المشترك وهي مناسبة لإعادة رباط وشائج القربى بين الكثير من العائلات على ضفتي النهر فنحن بحاجة الى التوحد في وجه الطغيان لا أن نتمسك بمبدأ الفصل والخوف من طغيان أبناء ضفة على أبناء ضفة أخرى لأنهما شعب واحد ومعظمهم من عائلات واحدة إندمجت فإنصهرت فيما بينها وأولاً وأخيراً يجمعهم دين واحد ولغة واحدة ومصير مشترك واحد.

وبغض النظر عمن يعارض أو يوافق دعونا ننظر للموضوع بعين الواقعية التي تقتضي العودة للنظر فيما سببه قرار فك الارتباط المماثل لوعد بلفور المشؤوم في النتائج ويمكن حصر بعض النتائج السلبية ومن أهمها ما يلي :

– أصبح كل من كان يعيش في الضفة الغربية المحتلة محروما من الهوية لأن الحكام قد تنازلوا عنه وعن أرضه وألغوا الوحدة بين الشعب الواحد في الضفتين ليصبح شعبين رغم أن الأصول والمنابت واحدة. 
– حرم الكثير فيما بعد ممن أضطرتهم ظروفهم للهجرة والعيش في الضفة الشرقية من أية تسهيلات كونهم أصبحوا شعب آخر ويعاملون في الضفة الشرقية معاملة الأجنبي بل أقل درجة من ذلك. 
– لا يحق لأبناء الضفة الغربية الذين يحملون جواز سفر ولكن بدون رقم وطني أن يسجل مشروعا أو بيتا بإسمه في الضفة الأخرى علما بأنه يحق لكل من يحمل أي جنسية أخرى من دول العالم بمن فيهم حملة الجنسية الإسرائيلية أن يتمتع بهذا الحق والسبب المعلن هو أن ذلك من نتائج فك الارتباط والحفاظ على الهوية من الإنقراض رغم أن نصف سكان الضفة الغربية نزحوا الى الشرقية ومنحوا الجنسية لأسباب معروفة. 
– لايحق لأبناء الضفة الغربية ممن لا يحملون الجنسية أن يسجلوا أبناءهم في المدارس حتى ولو كانت الأم أصلها من الضفة الشرقية وإستمر هذا الوضع لمدة طويلة بين الإلغاء والإعادة وسيستمر حتى تتحق الكونفدرالية، أو إنتفاضة جديدة تطالب بالعدل والمساواة في الحقوق والواجبات.

وهذا غيض من فيض الأمر الذي يدعونا بشدة للتمسك بقرار الإرتباط ليعود الإتحاد بين الضفتين ويستمر الإندماج بينهما ويحمل كل منهما نفس الهوية ويعاملون كمواطنين لنمحوا آثار العدوان وآثار أيلول الأسود عام 1970م، وأن يحافظ أبناء الضفتين على إستمرار العلاقة الطيبة بينهما.

ومن عاصر الأحداث التاريخية وقت صدور قرار فك الإرتباط إندهش في حينها كيف يمكن لهذا الأمر أن يتم أو يطبق عملياً ؟، ولاسيما أن أكثر من نصف سكان الضفة الشرقية كما هو معروف هم من أبناء الضفة الغربية بل وكثير من الوزراء ورؤساء الوزراء في الحكومات المتعاقبة هم شخصيات من الضفة الغربية أصلا بل واكثر من ذلك انه لا تكاد توجد عائلة في الضفة الغربية إلا ولها إمتداد في الضفة الشرقية وكذالك عائلات وعشائر الضفة الشرقية كان لها إمتداد في الضفة الغربية وان أكثر الإستثمارات المتبادلة بين الضفتين تعود لهذه العائلات والعشائر وهناك تداخلات وتشابكات كثيرة اخرى كافية للتاكيد باستحالة الفصل بين الضفتين بل حتما ستعود وتصبح ضمن حدود دولة واحدة رغم أنف الكثيرين.

وأنه ليس هناك مصلحة لتقسيم الضفتين الى دولتين إلا مصلحة الكيان الصهيوني الغاصب لإحدى الضفتين ويطمح لإغتصاب الضفة الأخرى وبعد قرار فك الإرتباط الذي إقترب من العقدين منذ العام 1988م، ولا يخفى على احد أنه لم يكن لاي منها أي ايجابية للقضية المركزية بل كان لها آثار سلبية يستطيع القاصي والداني ملاحظتها ومعرفتها.

إن المشاكل المستعصية التي يمكن ان يواجهها الشعب الواحد في الضفتين بسبب قرار فك الارتباط لا تزال قائمة لان الضفة الغربية مازالت تحت الاحتلال الاسرائيلي ولو قدر انسحاب اسرائيل من الضفة الغربية وغزة وقيام دولة عربية مستقلة فيهما لبرزت مشكلات تشريعية وتشوهات ديموغرافية وطبوغرافية حادة ستأرق مضجع الحكام وأقلها سيكون مشابه لما نسمع عنه من مشاكل مستعصية تحدث كل يوم بين روسيا والدول التي كانت تشكل الاتحاد السوفييتي قبل انهياره.

ان الوقت مناسب ليبادر قادة الضفتين للبحث الجدي في الاتحاد الكامل والاتفاق على أسس مناسبة لتحقيق وحدة متينة بين الضفة الغربية والشرقية وغزة على أن تضمن هذه الاسس استمرار وجود قضية اسمها quot; القضية المركزيةquot; حتى تحرير كامل التراب الوطني من البحر الى النهر.

انني على يقين انه اذا تم اجراء تصويت على هذا الامر في الضفة الشرقية والغربية وغزة سينال الموافقة بنسبة عالية جدا اذكر هذا لان الملك حسين كان يطالب بعرض هذا الامر للتصويت بين أبناء الضفتين.

وما يهمنا هنا هو توضيح مسألة الارتباط وفكه، فمن المعروف أن أبناء الضفة الغربية اجتمعوا في مدينة أريحا عام 1950م، بقيادة الشيخ محمد علي الجعبري، وقرروا التوجه بطلب للملك عبدالله الأول بضم الضفة الغربية للعرش الهاشمي ووافق الملك على الطلب، واتخذ قرارا بتشكيل مجلس تمثيلي (برلمان) للضفتين بعدد متساو من الأعضاء، اجتمع المجلس المنتخب في نيسان/إبريل، 1950م وأعلن الوحدة التامة بين الضفتين والتساوي في الحقوق والواجبات بين كل المواطنين، وأكد على quot;المحافظة على كامل الحقوق العربية والدفاع عنها بكل الوسائل المشروعة وعدم مس التسوية النهائية لقضيتنا العادلة في نطاق الأماني القومية والتعاون العربي والعدالة الدولية.quot;

كانت الوحدة بين الضفتين ناجحة على المستوى الشعبي، أما من الناحية السياسية لم تكن كذلك، والجميع يطالب بوحدة عربية لأنها أفضل من عدم وجودها، وتعرضت هذه الوحدة سلبيا مع إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية عام 1965م، بسبب مزاحمة المنظمة لرغبة الملك الأردني في تمثيل الشعب الفلسطيني والقضية الفلسطينية عموما، وتميزت العلاقات بين المنظمة والمملكة بالتوتر، وأخذ كل طرف موقعه في الصراعات والخصومات العربية التي كانت سائدة حينئذ.

كانت هزيمة عام 1967م، قاسية على فكرة الوحدة العربية، وعززت شعور الفلسطينيين بأن الأنظمة العربية لا يعتمد عليها، وأن عليهم أن يشقوا طريقهم بأنفسهم، وتأثرت المشاريع الوحدوية سلبياً، وتعمقت مشاعر الانفصال بعد حرب أيلول/1970م، بين الجيش والمقاومة وإزدادت رغبة منظمة التحرير بالانفصال بعد حرب تشرين/1973م، وتكللت مساعيها بإعتراف مؤتمر القمة العربي لعام 1974م بالمنظمة ممثلا شرعيا ووحيدا للشعب الفلسطيني، وقد كانت كلمة وحيدا موجهة لملك الأردن، ولكنه نفض يديه من القضية المركزية ليخرج من مشكلة البحث عن أو المشاركة في حل.

لم يكن الملك مرتاحا لما جرى، لكن توازن القوى العربي عندئذ لم يكن يميل لصالحه، وقبل القرار على مضض، لكنه استمر في تسيير الشؤون الإدارية للسكان في الضفة الغربية، وإستمر في التعامل معهم على أنهم مواطنون وكان الناس إجمالا مرتاحين لوجود منفذ إداري واقتصادي لهم غير الاحتلال، لكن أصحاب الوعي السياسي لم يكونوا مرتاحين بسبب العلاقات التطبيعية بين النظام الأردني وإسرائيل، بالرغم من مشاعر الشك والريبة بين القيادات السياسية، واستمرت المجاملات السياسية إلى أن بلغت الأمور حدها الأقصى أثناء إنتفاضة عام 1987م.

قرر الملك الأردني أن يفرط العقد عام 1988م، ووقع قانونا يلغي قانون الارتباط لعام 1950م، وصدرت التعليمات للتعامل مع أبناء الضفة الغربية بصفتهم غير مواطنين ولم يكسر الملك الجرة دفعة واحدة، وراعى ظروف السكان، وعمل على إخراجهم من دائرته القانونية تدريجيا، حتى إكتمل فك الارتباط.

يأتي الآن حديث حول مراجعة فك الارتباط، ولا أظنه ينفصل عن رغبات العديد من أبناء الضفتين وهناك مواطنون يرون بأن إدارة الأردن أفضل بكثير من إدارة السلطة الفلسطينية، وأن عودة الإدارة الأردنية إلى الضفة الغربية بالذات يشكل مخرجا من الأزمة الإدارية في الضفة الغربية، وكذلك عودة الإدارة المدنية المصرية الى قطاع غزة يشكل مخرجاً من الأزمة الإدارية في قطاع غزة.

فهل نحن أمام مبادرة جديدة بهذا الشأن ؟، أم نحن أمام إنتفاضة عارمة تكون أوسع نطاقاً من سابقاتها؟


مصطفى غريب – شيكاغو – الولايات المتحدة الأمريكية

فك الارتباط وتقاطع المصالح

تعقيباً على مقالنا المعنون بquot;فك الإرتباطquot; وجدنا تفاعلاً مهماً بهذا الموضوع الأمر الذي دعاني للكتابة من جديد وإليكم ملخص ما جاء في مقالنا السابق : الربط بين فك الإرتباط وبين الموت حيث أن الموت هو فك الارتباط بين الروح والجسد كما ربطنا بين فك الإرتباط وبين معركة فرنسا في بناء النموذج العلماني حيث أعتبر هذا النموذج هو نتيجة لفك الإرتباط بين الدولة والكنيسة.

كما ذكرنا تاريخ إعلان قرار فك الإرتباط في 31/7/1988م، وطرحنا سؤال عن ماهي المبررات والدوافع التي حدت بالحكومة الأردنية لنفض الغبار عن هذا الملف الخطير ؟ وتحدثنا عن الأضرار التي تعرض لها آلاف من أبناء الضفتين الشرقية والغربية كنتيجة لما ترتب على تنفيذ وتطبيق القرار كما تم التلميح بالخوف من قرار إعادة النظر هذا.

كما ناشدنا أعضاء اللجنة المشكلة بهذا الخصوص أن يكون هدفها الحقيقي والجوهري هو إعادة تصويب الاخطاء وتنقيح الاجراءات ورد المظالم الى أهلها وأن تكون عوناً لهم لا عوناً عليهم، وطالبنا القيادة السياسية والإستخباراتية بتوضيح الخطوة السياسية الكبيرة التي من أجلها تم الإعلان عن فتح هذا الملف الكبير والخطير.

وذكرنا عن النتائج الأولية لإعادة تشكيل لجنة قد أفرزت إعترافاً رسمياً بوجود تعسف وكذلك أن مراجعة القرار أصبحت ممكنة، وذكرنا بعض آراء المحللين السياسيين بخصوص الهدف وذكرنا أيضاً وجهتي نظر مختلفتين بين مؤيدي هذه الخطوة ومعارضيها ونصحنا المسؤولين بالعودة الى الجذور التاريخية للربط والفك منذ العام 1950م ومروراً بعام 1988م وإنتهاء بعام 2006م. مع التأكيد على أن عمر الإرتباط دام ثمان وثلاثون عاماً أما عمر الفك حتى الآن دام ثمانية عشر عاماً، وختمنا المقال بنظرة تشاؤمية خصوصاً بأن من يحكم العلاقة بين الفرد والدولة هي الأجهزة الإستخباراتية.

كانت تلك هي المقدمة التي سنبدأ بها مقالنا هذا، فالملف يحتاج الى دراسة الكثير من الوقائع السياسية على الأرض للربط بين التوقيت لدراسة هذا الملف وبين الأحداث في المنطقة، فهناك أزمة حقيقية بين رأسي السلطة في فلسطين المحتلة، وهناك خروج إسرائيلي خاسر من حرب لبنان مع حزب الله، وهناك رغبة دولية في تحريك عملية السلام وخصوصاً أن إسرائيل لم تستطع نزع سلاح حزب الله في لبنان بل يمكن القول أنها لم تحقق نصر إستراتيجي يؤهلها أن تملي شروطها على المنطقة برمتها، وكذلك ظهور بوادر تحالف سني في المنطقة لمواجهة المد الشيعي وهو ما أعلنه الملك عبدالله الثاني في أكثر من مناسبة وعقب عليه الرئيس المصري حسني مبارك.

وكما يرى علماء النفس أن النمو عند الإنسان يتعرض الى عدة مراحل فينتقل من عمر الشيء إلى عمر الشخص ثم ينتهي إلى عمر الفكرة عندما تكتمل قواه النفسية والإدراكية، فالصبي الصغير لا فرق عنده بين ثدي أمه وبين الرضّاعة الاصطناعية، ولا فرق عنده بين أن يجلس بقربه شخص أو نضع بقربه دمية متحركة، فإن تركيزه على الحركة واللون والصورة أكثر من تركيزه على مصدرها ومن يقوم بها، أما الشاب الذي بدأت قواه الإدراكية في التطور، وأخذت قواه النفسية في النمو فإنه يحتاج إلى نموذج عملي كشخص يتمثله ويبني عليه شخصيته، ويقلده في تصرفاته، ويتبعه في أفكاره.

وعندما يبلغ الإنسان مبلغ الرشد بحيث يستطيع أن يفصل بين الفعل وفاعله، وبين الشخص والفكرة، وحينما يرتقي إلى مرتبة إدراك الحقائق في ذاتها ووفق قوانينها، فإنه يستقل بشخصيته ويصبح قادرا على التمييز بين الفعل وبين صاحب الفعل، وتكون له القدرة على فك الارتباط بين فعل الشخص السليم وفعله الخطأ، ذلك أنه صارت لديه مبادئ مجردة عن الحق والعدل والخير والشر وغيرها اكتسبها أثناء مسيرة حياته بمختلف أبعادها النفسية والتربوية والاجتماعية وغيرها.

وهنا نتساءل في أي مرحلة يمر بها أولي الحل والعقد في النظام السياسي العربي هذه الأيام ؟، وهل تمت الإستفادة من تجارب الماضي فيما يتعلق بالإرتباط وفك الإرتباط ؟، وهنا ينبغي التذكير ببعض أفكار الرئيس المصري الراحل أنور السادات الذي عمل على فك الإرتباط بين الدين والدولة حين كان يكرر لادين في السياسة ولاسياسة في الدين حتى راح ضحية أفكاره تلك.

ونريد أن ندخل في العمق قليلاً فقد ذكرت الصحف الأردنية ردوداً مختلفة على تصريحات صدرت عن بعض زعماء حركة حماس في شأن عدم اعتراف الحركة بقرار فك الارتباط مع الضفة الغربية التي كانت تحت سيادته، وكان هذا الكلام قبل فوز حماس بالإنتخابات، وحين فازت فإن الأمر قد طرأ عليه بعض التغيير، ولاسيما أن نتائج الإنتخابات البرلمانية في الأردن قد أفرزت أيضاً فوز من هم مؤيدين لحركة حماس وغالباً ماتستدعيهم رئاسة الوزارة لتعنيفهم وإتهامهم بالإنتماء الى حركة حماس أكثر من إنتمائهم للوطن، علماً بأن فك الإرتباط مع الضفة الغربية كانت ضد السلطة الفلسطينية لا دعماً لها.

أما النواب الذين تم إستدعائهم هم : علي أبو السكر، ومحمد ابو فارس، وابراهيم المشوخي، وجعفر الحوراني بل وتم إعتقالهم مرتين الأولى في سجن الإستخبارات والثانية في سجن الجفر الصحراوي والتهمة هي التعزية في وفاة أبي مصعب الزرقاوي على إعتبار أن ذلك بسبب quot;السخرية من مشاعر الشعب الأردني وعائلات ضحايا تفجيرات عمان ودعم وتشجيع الإرهاب علماً بأن الإستخبارات هي التي طلبت من عائلات ضحايا تفجيرات عمان بأن ترفع شكوى ضد هؤلاء النواب لتصبح التهمة من تقديم واجب العزاء الى السخرية بمشاعر عائلات الضحايا والشعب الأردني، علماً بأن الملك حسين قام بالتعزية عند إغتيال إسحاق رابين.

ونحب أن نذكر ببعض الأحداث التي أصبحت من الماضي الآن ففي العام 1999م جرت وساطة بين دولة عربية وبين الأردن لنزع فتيل الأزمة بين حركة حماس والأردن لإعادة إستقبال زعماء الحركة الأربعة الذين أبعدتهم الأردن عن أراضيها وقبلت الأردن إستقبالهم إستجابة للوساطة ولكنها مالبثت أن أبعدتهم مرة ثانية وهؤلاء الزعماء هم : خالد مشعل، ومحمد نزال، وموسى أبومرزوق، وإبراهيم غوشة.

إن هؤلاء الزعماء هم ضحايا فك الإرتباط علماً بأن هناك ضحايا آخرين مثلهم وكلنا نذكر الأزمة السياسية بين عمان والدوحة حين عاد إبراهيم غوشة عام 2002م الى عمان على متن طائرة قطرية عندها قررت السلطات الأردنية احتجاز الطائرة لعدة أيام، حيث اعتبر الأردن أن الإعادة بهذه الطريقة quot;يعد انتهاكا للسيادة والأمن الأردنيينquot; علماً بأن جميع هؤلاء المبعدين الأربعة، يحملون الجنسية الأردنية ولأنهم أعضاء في منظمة غير أردنية فيجب سحب الجنسية الأردنية منهم طبقاً لقرار فك الإرتباط.

وطالب الكتاب الأردنيون ومن بينهم صالح القلاب العضو في مجلس الأعيان ووزير الإعلام الأسبق والكاتب الإسلامي سميح المعايطة حركة حماس quot;بالمطالبة بإلغاء منظمة التحرير الفلسطينية التي طالبت أن تكون ممثلا شرعيا وحيدا للشعب الفلسطيني، إذا رغبت فعلا في الغاء قرار فك الارتباط المتخذ من جانب الأردنquot;.

وقال صالح القلاب إن هذه هي المشكلة إنها ليست مشكلة جوازات سفر ولا مشكلة إغلاق المكاتب التي أغلقت في عام 1999م، إنها مشكلة الإعتداء على سيادة الاردن فالأردن عندما إتخذ ذلك القرار في عام 1988م، لم يفعل سوى ممارسة سيادته التي لا يحق لأي تنظيم غير أردني ولا لأي مسؤول في هذا التنظيم الإعتراض لا على ممارستها ولا على إتخاذ قرار كهذا القرار المشار إليه، وهنا أتساءل ماهو موقف هؤلاء الكتاب حينما يقرر الملك إعادة الإرتباط ؟.

ولاسيما أنهم يؤكدون دوماً وهم أكثر من دافع عن هذا القرار بالقول أن قرار laquo;فك الإرتباطraquo; بين الضفة الغربية والضفة الشرقية مرتبط بقرارات دولية، وبقرار إستمرت القمم العربية تؤكد عليه منذ قمة الرباط في عام 1974م، وحتى القمة الأخيرة، وهي قرارات كلها تعترف بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلا شرعيا ووحيدا للشعب الفلسطيني.

وكانوا دوماً يؤكدون أن الأردن عندما إتخذ قرار فك الإرتباط كان إستجابة لرغبة الشعب الفلسطيني الذي بات يرى، بعد الإعتراف العربي والدولي بمنظمة التحرير كممثل شرعي ووحيد له، بأن من حقه أن يقرر مصيره بنفسه وان يقيم دولته المستقلة على أرض قطاع غزة وعلى أراضي الضفة الغربية، ونحن نقول (أي الكاتب)، أن هذا الشعب لم يستفتى ولم يستشر بخصوص هذا الأمر وكما قال الشاعر لبست ثوب العيش لم أستشر وحرت فيه بين شتى الفكر.

ويؤكد هؤلاء الكتاب أيضاً إن السيد نايف حواتمة، كان أول من نادى بفك الإرتباط بين الضفة الغربية والضفة الشرقية وكان هذا في مطلع عقد سبعينات القرن الماضي عشية إندلاع حرب تشرين الأول (اكتوبر) عام 1973م، وهو أي نايف حـواتمة لايزال يعتبر صيغة ما قبل حزيران (يونيو) 1967م، laquo;ضما وإلحاقا raquo; وإعتداء على الهوية الوطنية الفلسطينية.

وبهذا فإن المشكلة مع بعض قادة laquo;حماسraquo;، الذين رفضوا معاملتهم كمواطنين أردنيين لا يحق لهم الانتماء لمنظمة غير أردنية وإختاروا مغادرة الاردن هو أنهم إنسجاما مع رفضهم لقرار laquo;فك الإرتباطraquo; قد بدأوا يتدخلون في الشأن الداخلي الأردني وبدأوا يتعاطون مع قواعد الإخوان المسلمين على إعتبار أنها قواعدهم وقواعد حركتهم.

ويضيف هؤلاء الكتاب.. والواضح من كلام بعض قادة quot;حماسquot;، وقولهم ان حركة laquo;حماسraquo; لا تعترف بقرار فك الإرتباط، أن هناك نية لإستغلال الفوز الذي حققته هذه الحركة لتعود حليمة الى عادتها القديمة فتتدخل في الشأن الأردني الداخلي وتجدد المحاولات السابقة للسيطرة على الإخوان المسلمين وعلى حزب جبهة العمل الاسلامي وكل هذا سيكون إساءة ما بعدها إساءة للعلاقات الحميمة بين شعبين شقيقين هما الشعب الأردني والشعب الفلسطيني وأيضا إساءة للوحدة الوطنية الاردنية.

وهنا فإنه على laquo;حماسraquo;، إن هي بالفعل لا تعترف بفك الارتباط بين الضفة الغربية والضفة الشرقية، أن تعلن لشعبها الفلسطيني ضرورة حل منظمة التحرير وإلغاء السلطة الوطنية الفلسطينية والمجـلس التشريعي الفلسطيني، الذي فازت بإنتخاباته الأخيرة، وأيضا توجيه خطاب، صريح وواضح لا لبس فيه، لأهل الضفة الغربية بأن عليهم ان ينسوا حكاية تقرير المصير وحكاية الدولة المستقلة وأن يعودوا لصيغة مؤتمر أريحا الشهير وللوضع الذي كان قائما قبل حزيران (يونيو) عام 1967م.

وهنا لابد لنا من وقفة ورد على كل من ينادي بإستمرار فك الإرتباط وتبعاته السيئة على الشعب في الضفتين وكما نعلم فإن هناك إستحقاقات جاءت كنتيجة لقانون الضم، يصعب على الخبراء في السياسة والقانون وعلم الإجتماع أن يجدوا مخرجاً لمثل تلك القضية غير الإستفتاء الشعبي فمنذ الضم عام 1950م أصبح هناك فلسطينون يحملون الجنسية الأردنية وإن كانت أصولهم فلسطينية والسؤال الآن هل يحق لهؤلاء أن يجبروا على التخلي عن حقهم في النضال لاسترداد حقهم المسلوب من قبل إسرائيل إذا أرادوا الاحتفاظ بحقوقهم في المواطنة الأردنية ؟.

والسؤال الثاني هو لماذا تخلت الأردن عن إعادة الضفة الغربية الى أصحابها ؟، وهي التي إحتلتها إسرائيل في حرب عام 1967م بعد أن كانت وديعة لدى الشعب والقيادة الأردنية ودأبت على الإسراع في توقيع معاهدة وادي عربة لتأكيد الحق الأردني على حساب الحق الفلسطيني خوفاً من تحقيق فكرة الوطن البديل وعملت على التأكيد دوماً للأردنيين بأن لا علاقة لهم بالنضال والكفاح لاسترداد الحق العربي من براثن الإحتلال الصهيوني بل أصبح الأردن هو الوسيط بين الكيان الصهيوني وبين السلطة الوطنية وتجلى ذلك في لقاءات عديدة مثل لقاء العقبة ولقاء البتراء وغيرها من اللقاءات.

والسؤال الثالث هو هل أن إعادة دراسة قرار فك الارتباط ليكون بمثابة تطوير للقرار ؟ ليكون قرار لفك الارتباط الشعبي والمعنوي والحقوقي والسياسي وغيرها وهو ما يعني عملياً تخلياً رسمياً عن الدعم العملي لحقوق الشعب العربي ونضاله من أجل إستعادة حقوقه المشروعة، رغم التأكيدات على الدعم السياسي للقضية الفلسطينية المتمثلة بالسلطة الوطنية فقط وليس منظمة التحرير الفلسطينية.

إن الإجابة على تلك التساؤلات سوف تمثل بمجموعها موقفاً رسمياً جديداً يؤثر على قواعد وأصول العلاقات بين الضفتين تلك التي أسست بقرار الوحدة أو مايسمى قرار أريحا الشهير كما يعتبر موقفاً سياسياً استباقياً لتكريس مفهوم التوطين، إذ على الأردني من أصل فلسطيني أن يقرر اليوم إذا كان يريد الاحتفاظ بجنسيته الأردنية أم لا، حيث لا يستطيع ممارسة دوره الأردني كمواطن والفلسطيني كمناضل أو متعاطف أو داعم لمقاومة الاحتلال الجاثم فوق الأرض الفلسطينية في نفس الوقت.

وهذا ما أشرنا إليه تلميحاً عندما ذكرنا قضية إعتقال النواب الأربعة سابقي الذكر ولكن وجدنا هنا لزاماً علينا التصريح لا التلميح في قضية أصبحت تقض مضاجع الكثير من الفلسطينيين لأنها بصراحة تامة تعني إذا أردت أن تكون أردنياً برقم وطني يجب التخلي عن حقوق المقاومة أو الترحيل كما هو مصير المبعدين على الحدود في مخيم الرويشد بين الأردن والعراق وإن كانت إستجابت كندا لقبولهم على أراضيها تخفيفاً لمعاناتهم التي طال إنتظار إيجاد حلول لها.

ونرجوا أن لا يكون إعادة النظر في قرار فك الإرتباط بمثابة مقدمة للحل النهائي لقضية فلسطين على أساس التوطين، وإنما تشبهاً بأمريكا والدول الغربية حين يتمتع اليهودي فيها بحقوق المواطنة الكاملة في الدولتين ؟.

مصطفى غريب – شيكاغو – الولايات المتحدة الأمريكية

جائزة نوبل من أجل التطبيع

كنا ذكرنا في مقال سابق تحت عنوان قانون شارون الجديد ” الدولة مقابل تفكيك المنظمات ووقف المقاومة والإستسلام ” وعرفنا أيضاً أن إنتفاضة الأقصى كانت هي السبب الرئيس لسحب كل من مصر والأردن سفيريهما من إسرائيل الى أن إلتئم مؤتمر شرم الشيخ وبشرط مسبق من إسرائيل هذا على حد قول وزير خارجية دولة عربية وهو لكي تقبل إسرائيل حضور القمة سواء نجح المؤتمر أم فشل لابد من إعادة السفيرين المصري والأردني الى إسرائيل وبالتالي نجد أن من أبسط نتائج الإنتفاضة هي تأخير التطبيع ومن العجيب في أروقة المؤتمرات العربية ونحن على عتبة أبوابها أنه لا أحد يجرؤ على أن يقاوم التطبيع ولكن جميع مؤتمرات القمة ترفض التوطين وهنا نتساءل أليس من السذاجة أن نهرول من أجل التطبيع ونرفض التوطين؟

والسبب بسيط جداً وهو أن التطبيع يخدم مصلحة إسرائيل الإقتصادية والتوطين يحل عقد اللاجئين النفسية والإقتصادية، فمن يقول لا للتوطين لايقدم برنامج بديل لتخفيف المعاناة عن أبناء المخيمات، ولازال أبناء المخيمات يحدوهم أمل العودة منذ العام 1948م. ولكن أصبح لاأمل لهم بالعودة قريباً بعدما إنفرط عقد جامعة الدول العربية الذي كانت تزين به صدرها هذا العقد كان يحتوي على ثلاث حبات من اللؤلؤ عرفت باللاءات الثلاث : لا صلح ولا تفاوض ولا اعتراف وهو ماكان يعرف بنتائج مؤتمرالخرطوم.

أما نتائج مؤتمر الجزائر من المتوقع أن تكون نتائجه نعم ثلاث مرات ” نعم للصلح ونعم للتفاوض ونعم للإعتراف ” ليتناسب مع زمن الهرولة الجديد أما على الصعيد الفلسطيني فستبقى اللاءات الثلاث من أهم نتائجه ” لا للتوطين لا للدعم لا للمقاومة ” وتعليل اللاءات الثلاث لا للتوطين لأن التوطين يحل أزمات أبناء المخيمات ولا للدعم لأن كل من يدعم فلسطين هو في محل تهمة دعم الإرهاب ولا للمقاومة لأن خيار السلام هو وقف المقاومة فإسرائيل وأمريكا وكل العالم الغربي والمنطق المقلوب يقول المقاومة والسلام لايجتمعان.

وشارون وبوش وشيراك وزعماء العالم الغربي لازالوا يطالبون بالضمانات الأمنية العربية للدولة الصهيونية حتى إذا ماتحققت فستكون هناك مطالبة بضمانات أمنية إيرانية وإذا ماتحققت فسيطالبون بضمانات من باكستان لأنها دولة إسلامية نووية ولكن ماذا تعني الضمانات الأمنية العربية الإسلامية للدولة الصهيونية في الوقت الذي تتمتع فيه الأخيرة بالتفوق العسكري والدعم المالي والإعلامي والسياسي من الدول الغربية، وبالأسلحة النووية، وبسطوة الحركة الصهيونية العالمية؟ ومن الذي يهدد من: الدول العربية أم الدولة الصهيونية؟ ومن الذي يحتل أرض من؟ ومن يقتل ويشرد شعب من؟!

ومن نتائج جولة بوش الأخيرة الى دول أوروبا هو مساندة ودعم فرنسا لتنفيذ القرار 1559 وهو بداية الإتفاق الأمريكي الأوروبي على مخطط “الشرق الأوسط الجديد” هو مخطط صهيوني – أمريكي قديم، دلّلت على وجوده أكثر من وثيقة، منها الوثيقة التي ترجمها إسرائيل شاحاك، عام 1982 عن العبرية إلى الإنجليزية عن مجلة كيفنيم (اتجاهات)، وهي الناطق الرسمي باسم المنظمة الصهيونية العالمية.

تتحدث هذه الوثيقة عن ضرورة تفتيت الدول العربية الكبيرة مثل مصر وسوريا والعراق و، وعن إقامة الوطن البديل في الأردن، وتقوم فكرة التفتيت في هذه الاستراتيجية على تفجير الصراعات الطائفية والإثنية وغيرها، وعلى تسعير النزاعات الإقليمية وكانت البداية في إحتلال العراق ثم التلويح بالتهديد لسوريا وإيران وإثارة مشكلة الأقباط في مصر بين الحين والآخر وأخيراً إنقسام الشارع اللبناني بعد إغتيال الرئيس الحريري يرحمه الله.

إنها خطط إستراتيجية مرسومة بدقة وجاري تنفيذها خطوة خطوة وتعتمد على نظرية العاملين لفردريك هزربرج وتسمى أيضاً الدوافع والنتائج أي أن العوامل المؤدية للرضا تختلف تماماً عن العوامل المؤدية الى الإستياء فالعوامل الوقائية وظيفتها هي منع عدم الرضا ولكنها لاتؤدي في حد ذاتها الى الرضا واستراتيجية التفتيت التي تنفّذ في الدول العربية مرتبطة بسبب عاملين يتشابكان ويتقاطعان ويعززان بعضهما في الدوافع والنتائج، أولهما يتعلّق بالمصلحة الصهيونية، وثانيهما يتعلق بالعولمة.

أما العامل الأول فينبع من حقيقة موضوعية مفادها أنّ الأمن الحقيقي لدولة إسرائيل لا يمكن أن يتحقق على المدى البعيد طالما لهذه المنطقة هوية عربية – إسلامية، وطالما وجد في هذه المنطقة دول أو أقطار عربية كبيرة نسبيا. فالأمن الحقيقي لدولة إسرائيل يقتضي إذن تغيير هوية المنطقة الحضارية إلى “شرق أوسطية” وتغيير تركيبتها السياسية والاجتماعية، فإذا بقيت هذه الأرض عربية، فلا مكان لأي شيء اسمه “إسرائيل” عليها. أما إذا أصبحت هوية المنطقة “شرق أوسطية”، فيصبح وجه “إسرائيل” طبيعيا فيها.

أن مشروع الدولة الفلسطينية بحد ذاته لا يتناقض مع مشروع “الشرق الأوسط الجديد” إذا تم على قاعدة “اندماج” دولة إسرائيل في المحيط العربي، لا على قاعدة الانسحاب الإسرائيلي من الضفة والقطاع دون قيد أو شرط، وهو المطلب الأساسي للانتفاضة الثانية. لا بل أن الدولة الفلسطينية ضمن سياق مشروع “الشرق الأوسط الجديد” تصبح المدخل الطبيعي للتغلغل الإسرائيلي في المنطقة العربية.

ويؤكد هذا الأمر أيضاً تصريح السفير الإسرائيلي في الأردن ديفيد دادون، حسب وكالة الصحافة الفرنسية يوم 26 تشرين الأول/أوكتوبر 2001 :” فقط في اليوم الذي تخلق فيه دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة سوف تنفتح عقول وقلوب كل الشعوب العربية لإعطاء المشروعية لحق الشعب اليهودي بدولة خاصة به… وإذا أردنا هذه المشروعية، فإن علينا أن نعترف بأن ذلك يرتبط بخلق دولة فلسطينية”.

وأما مايتعلق بإستراتيجيات تعزيز الديموقراطية في الدول العربية فهو من منطلق إستراتيجيات صهيونية لتعزيز حكم الأغلبية وسياسة إسرائيل في الحرب والسلام يجب أن تتوجه نحو التخلص من الفلسطينيين عبر الأردن ونقل الحكم للأغلبية الفلسطينية هناك وتغيير النظام شرق النهر سوف يحل مشكلة المناطق المكتظة بالسكان غرب النهر، فيكون الأردن لهم، والمناطق غرب النهر لليهود.

وسيكون هناك تعايش وسلام حقيقيين فقط عندما يفهم العرب أنه بدون حكم يهودي بين النهر والبحر، لن يكون لهم أمن ولا وجود، فإذا أرادوا دولة وأمن، فإنّ ذلك سيكون لهم في الأردن فقط”. ولهذا نجد أن الأردن سارع بإتفاقيات وادي عربة الذي أسفر عن الإعلان “الإسرائيلي” الرسمي “أن الأردن ليس فلسطين”، أي التعهد بالتخلي عن مشروع إقامة الوطن البديل للفلسطينيين في الأردن وهذا مايعتبره النظام في الأردن أحد أهم المكتسبات السياسية التي حققها من جراء توقيعه على معاهدة وادي عربة. 

ولابد أن نعرف أن الدول تلتزم بمصالحها الإستراتيجية، لا بتعهداتها فكيف لا وسجل الدولة الصهيوينة وتاريخها حافل لذا نؤكد على أن الثغرة الأساسية في تصديق هذا التعهد الصهيوني تنبع من تناقضه مع وقائع ما يسمى بعملية التسوية ذاتها، وبالتحديد أكثر الطريقة التي يريد الطرفان الصهيوني والأمريكي أن يحلا فيها مشكلة اللاجئين. ولا بد من الإشارة هنا أن معاهدة وادي عربة تركت قضية اللاجئين دون حل، ورحلتها إلى مفاوضات المتعددة، أي أنها تركت باب توطين اللاجئين في الأردن مفتوحاً على مصراعيه، وبالتالي تركت باب مشروع الوطن البديل مفتوحاً من الناحية الموضوعية، بغض النظر عن أية نوايا أو تعهدات.

والحقيقة هي أن مجرد الاعتراف بحق الدولة اليهودية بالوجود، وهو ماأكد عليه بوش في مؤتمر العقبة وهو على حد تعبير السفير دادون، وبمشروعية الاستيطان الصهيوني في فلسطين، يترك مشكلة اللاجئين بدون حل، خاصة وأن هناك شبه إجماع صهيوني على هذا الموقف والغريب أيضاً وفي نفس الوقت هو إجماع عربي على عدم التوطين باللاءات الثلاث المذكورة أعلاه ” لا للتوطين لا للدعم لا للمقاومة”

ومن الخيارات المطروحة لحل مشكلة اللاجئين، يبرز على رأسها مشروع التوطين. لكن التوطين بالنسبة لبلد مثل الأردن يفتح الباب لتسلل مشروع الوطن البديل، مما يفجر النزعات الإقليمية ويهدد أمن واستقرار البلاد والنظام، على حد سواء. ويصر لبنان على رفض التوطين لاعتبارات مماثلة، رغم كونها أقل وطأة في الأردن منها في لبنان، بسبب ارتفاع نسبة الفلسطينيين في الأردن من السكان عن أضعاف مثيلتها في لبنان.

ومشروع التوطين/التطبيع/التفتيت كل متكامل هو فحوى مشروع “الشرق الأوسط الجديد ” وهو الشكل الذي سيأخذه بالضرورة مشروع التسوية في ظل موازين القوى الحالية. ونجد أن جميع المؤتمرات التي تبحث في قضايا اللاجئين تنظر إليها من زاوية “البعد الإنساني لقضية اللاجئين”،وليس من زاوية شعب له أرض أحتلتها إسرائيل وشردت أهلها ولذا نجد حضور صهيوني مكثف ومن أهم المشاركون في مثل هذه المؤتمرات وذلك “من أجل إبقاء القضية ضمن إطارها الإنساني فقط”.

فهم دائماً يركزون على الوضع الإنساني ” للاجئين الفلسطينيين في لبنان والأردن وسوريا “، وعلى استعدادهم للمساهمة في الجهود الرامية إلى تحسين أوضاعهم. فما يعني طرح قضية اللاجئين ضمن إطارها الإنساني فقط إلا فرض المشروع الصهيوني وهو التوطين كبديل عن العودة؟! والعجب كل العجب أن يتفق العرب واليهود على مبدأ عدم التوطين في زمن الهرولة للتطبيع مع إسرائيل ولاسيما أن دعاة التطبيع في الآونة الأخيرة بدأوا في إرسال الدعوات لممثلي إسرائيل لحضور القمم الدولية وكأنما نجاح هذه القمم مرهون بحضور ممثلي إسرائيل وكل مؤتمر لايحضره ممثل عن إسرائيل لاينجح.

والمعيب في الأمر أن إسرائيل هي دائما أول من يكشف مايحدث في الخفاء ويبادر في الإعلان. شارون زار مصر لحضور مؤتمر شرم الشيخ وسوف يزور تونس ولاتمانع دول عربية أخرى بذلك والجميع يتكلم عن الحق الفلسطيني والشعب الفلسطيني والأرض الفلسطينية المحتلة ! فكل من يخطوا خطوة مع إسرائيل فهي من أجل فلسطين فالتطبيع من أجل فلسطين والتوطين من أجل فلسطين وإنسحاب سوريا من لبنان من أجل فلسطين والقرار 1559 من أجل فلسطين والحرب على العراق من أجل فلسطين؟ اليس من العيب أن ترتبط جميع المسائل العربية والدولية بإسم فلسطين وتحت دعوى مساندة الشعب المظلوم؟

حتى صدام عندما إحتل الكويت قال إن الطريق الى القدس يبدأ من الكويت وبن لادن يجاهد في أفغانستان من أجل فلسطين وعبدالله عزام عندما سئل لمذا الجهاد في أفغانستان قال إن الطريق الى القدس يبدأ من أفغانستان والكل يعرف أنه لم يتحقق شيئاً حتى الآن من أجل فلسطين حتى شارون لم ولن يقدم للعرب شيئا لا الان ولا في المستقبل؟ لان شارون لديه مشروع جديد إسمه ” التطبيع من أجل التوطين”.

والتوطين، مثل التطبيع ومشروع الوطن البديل، جزء متكامل من مشروع “الشرق الأوسط الجديد” الذي يستهدف ابتداء إضعاف، ومن ثم تفتيت، الدول العربية الكبيرة ومما تقدم ألا يستحق أن ينال شارون جائزة نوبل من أجل التطبيع؟.

مصطفى غريب – لندن