الإرهاب في سيناء هل هو بداية أم نهاية ؟ ( الحلقة التاسعة)

الإرهاب في سيناء هل هو بداية أم نهاية ؟ ( الحلقة التاسعة)

 في “الحلقة الثامنة” من الإرهاب في سيناء هل هو بداية أم نهاية ؟ ذكرنا بعض المعلومات ، ويمكن تلخيصها في ما يلي : الأعمال الإرهابية في سيناء لن تكون الأخيرة , تنظيم شبكة القاعدة في سيناء وخشية مصر من المواجهة , ناشطي القاعدة تمكنوا من إقامة قاعدة لهم في غزة , مصادر مصرية تستبعد أي علاقة لمنفذي تفجيرات سيناء بالقاعدة , اتفاقيات كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل وأثرها على تفجيرات سيناء , العلاقات القسرية مع إسرائيل واحتمالات وقوع هجمات مماثلة , إستراتيجية تنظيم القاعدة الجديدة , الدروس المستفادة من أحداث تفجيرات سيناء , الجدار الأمني في شرم الشيخ هل سيمنع هجمات جديدة والدروس التاريخية من بناء الجدر , الجدار النفسي العازل بين الحكومة ومواطنيها في سيناء .    

وفي “الحلقة التاسعة” سنبحر في أفكار وخيال وأحلام إسرائيلية وعربية وأحلام قادة الجماعات المتطرفة حول سيناء التي تعتبر حجر زاوية مهم في مستقبل المنطقة العربية عموماً ومستقبل أبناءها ومستقبل اليهود أيضاً وما سوف يفيد القارئ الباحث عن الحقيقة وهو يدرس كل ما يتعلق بهذا الجزء المهم من العالم . 

فأحلام وزير الإسكان الإسرائيلي الذي يأمل ويتمنى أن تقوم مصر بتأجير جزء من شبه جزيرة سيناء للفلسطينيين‏,‏ حتى يقيموا دولة متصلة جغرافيا تبدأ في غزة وتنتهي في سيناء‏!.‏

ولن ننتهي بالقول أن ذلك ضرب من الخيال قبل أن نضعه محل بحث ونقاش وتأمل لأن دروس التاريخ مع إسرائيل تعلمنا أن كل شيء تحقق لإسرائيل من خلال حلم قادتها وزعماءها فالحلم يتحول الى هدف والهدف يتحول الى حقيقة بالتخطيط والعمل الدؤوب ولو على مراحل فيتحقق جزء ومن يتابع المسيرة ينجز الباقي  , فإسرائيل نفسها كانت حلم هرتزل اليهودي النمساوي وأصبحت حقيقة لا ينكرها إلا جاهل بل قوة مؤثرة في المنطقة وفي العالم بل وستكون هي بداية نهاية الكون .

‏والأمثلة على ذلك كثيرة ففي بداية الستينات كانت عشوائية القادة العرب تقول عن اليهود في البحر سوف نرميهم  واليوم هناك من يعيش هذه العقلية في إيران الذي صرح مؤخراً لمحو إسرائيل من الخارطة ومازالت الوجبة العراقية ساخنة لم تبرد كعقاب لصدام عندما قال سنضربهم بالمزدوج .

ولنبدأ بدائرة إسرائيل الأوسع وما يحيط بها من دول جوار حاربت وتصالحت‏,‏ تخاصمت وتعاهدت‏,‏ قدمت التضحيات في صراع طويل ثم قدمت يدها لتصافح إسرائيل وتوقع على اتفاقيات سلام ‏.‏

وعندما يحلم وزير الإسكان الإسرائيلي فإنه يريد أن يتخلص من عقدة المقاومة الفلسطينية وعقدة تفجيرات طابا وشرم الشيخ التي أعادت إسرائيل الى المربع الأول وهي القضية الأمنية ولحماية الأراضي العربية المحتلة والحيلولة دون إعادتها الى أصحابها وإن اكتسبتها إسرائيل بتشريع دولي عام 1948م من خلال قرار التقسيم ولكن التشريع الأهم جاء بعد انتصارات خمس حروب بدأت بحرب عام 1948م وحرب عام 1956م وحرب عام 1967م وحرب عام 1973م وانتهت بحرب لبنان عام 1982م ناهيك عن المواجهات الكثيرة وعبر الحدود وبمختلف الأسلحة التي لم تتوقف مصانع إنتاجها وبيعها لتأجيج الصراعات بين الدول والجماعات . 

إن عقدة الموقف بدايته‏ فهذه بداية العوامل التي تحكم علاقات إسرائيل بدول الجوار ويمكن تلخيصها في ثلاثة عوامل جوهرية وهي أطماع إسرائيل في الأرض‏ وكيفية الاحتفاظ بها ,‏ قضية السكان‏ وكيفية استقطابها وزيادتها ,‏ قضية الموارد وكيفية توزيعها واستثمارها لتحقيق الرخاء لشعبها , وهذه العوامل مبنية على إستراتيجية توازن القوة والسيطرة الإسرائيلية المدعومة أمريكياً وغربياً وعربياً وعالمياً ‏.‏

وإسرائيل مرتبطة بسيناء قديماً وحديثاً ابتداء بقصة الخروج والتيه التي ذهبت مع التاريخ ولكنها مازالت ماثلة أمام من يدرس التاريخ ويريد أن يحقق لإسرائيل أطماعها التوسعية ابتداء من قصة البحث عن دولة وكانت سيناء مرشحة لذلك في المشروعات الصهيونية ثم زحف الحلم شرقاً إلى فلسطين حيث التراث اليهودي وقصة البحث عن الهيكل المزعوم .

ورمال سيناء تشهد على الحروب الثلاث بين إسرائيل والعرب في العصر الحديث وإن كانت قد تواجدت في سيناء لمدة ست سنوات استغلت فيها ثروات الأرض البترولية وغيرها , وأقامت مستوطنة ‏(‏ياميت‏)‏ وحاولت الاحتفاظ بها لكنها اضطرت ووفقاً للمعاهدة المصرية – الإسرائيلية إلى أن تزيلها وتنسفها قبل أن تنسحب ‏,‏ ثم حاولت أن تحتفظ بطابا وفشلت في ذلك عندما صدر ضدها قرار التحكيم الدولي ولكنها استطاعت – وعبر المعاهدة أن تضع ترتيبات أمنية لسيناء بحيث لا تكون مجالاً لحرب جديدة  تهددها‏ إلا أن وعد الله بالنصر للمؤمنين سيقوض تلك الترتيبات الأمنية .‏

ما الذي تريده “إسرائيل” إذن من سيناء والذي تعبر عنه تصريحات وزير الإسكان وغيره ؟‏ وماهي قصة اجتماعات وزير الدفاع الإسرائيلي والقيادات المصرية ؟ وماهي قصة المبادرة المصرية حول المعابر ؟ وماهي قصة حرس الحدود المصريين وعلاقاتهم في حماية حدود إسرائيل ؟ وماهي حقيقة الزيارات المكوكية التي يقوم بها الوزير عمر سليمان ؟ وماهي حقيقة أهداف إسرائيل تجاه سيناء ؟ وهل إعادة احتلالها هدف مطلوب يمكن تحقيقه في المدى المنظور أم هناك مخططات على المدى البعيد ؟ وماهي أولويات إسرائيل في هذه المرحلة من تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي ؟ ‏

أسئلة يصعب الإجابة عليها في عجالة دون الربط بين الكثير من العناصر المختلفة فالأولوية في “إسرائيل” أن تستقر أحوال الداخل ويتوقف الصراع مع الفلسطينيين‏,‏ لا أن تفتح جبهة جديدة‏,‏ ومع أكبر دولة عربية‏.‏

وقضية التوسع في الأرض محفوفة بالمخاطر ولا تشكل عنصر ضغط والزيادة السكانية والديموغرافية غير متحققة‏,‏ و”إسرائيل” تبحث عن سكان وليس عن أراض جديدة تحتلها والدول العربية لا تبحث عن سكان لتطوير أراضيها وإعمارها بل تعمل على تهجير الفلسطينيين المقيمين على أراضيها بحجة عدم ذوبان الهوية الفلسطينية التي سيصبح أهلها من فئة “البدون” إلا من هاجر الى الغرب وأصبح غربياً أو بقي في إسرائيل وأصبح إسرائيلياً ولكن لن يعود عربياً لأنه محروم من الجنسية العربية طبقاً لقوانين الجنسية المتشددة . ‏

في نفس الوقت فإن ما قد يحرك “إسرائيل” -وكما قلت هي قضية السكان وقضية الموارد وبالتالي ينصب الاهتمام على الموارد أولاً لتشجيع السكان للهجرة الى إسرائيل أرض الميعاد والتي نسميها أرض المحشر والمنشر ولا نعمل على ذلك أما إسرائيل فتعمل جاهدة لتحقيق حلم أرض الميعاد وعليه يخطر على بالنا السؤال التالي هل تصلح سيناء لإشباع ما تحتاجه “إسرائيل” من نفط أو مياه أو ثروات أخرى؟ وماذا يريد الوزير الإسرائيلي‏,‏ أو غيره ممن يرددون الحديث عن سيناء إذن ؟

عند هذه الجزئية ينبغي أن نتوقف قليلاً لننظر ماذا يعمل شارون وماهي السياسة التي يتبعها ؟ ولاسيما أنه ينوي إقامة حزب جديد اسمه حزب كاديما , إنه يريد استكمال سياسة الإبادة لكل ما هو كائن حي ليقتل البشر ويقطع الشجر ويدمر الحجر وينسف البيوت , لعل وعسى أن يكون ذلك كافياً – من وجهة نظره- للحصول على جائزة نوبل للسلام بعد أن يكون قد تمكن من تهجير الفلسطينيين طوعاً أو كرهاً من بلادهم للخارج‏ .

بعد ذلك تأتي قصة دول الجوار‏,‏ فهل يذهبون الى لبنان أم الى الأردن أم الى التيه في سيناء كما تاه اليهود فيها من قبل وكثيراً ما نسمع عن رفض أي مخططات من هذا النوع‏ قولاً وليس عملاً , أم يذهبون الى مصر ,  أم يذهبون الى العراق حيث يجري التخطيط للتوطين الواسع لهم – كما تدعو الدراسات – في الهضبة الوسطى العراقية التي تعاني ندرة سكانية نسبية أو إلى الشمال العراقي حيث هاجر اليهود قديماً ؟‏.‏

الآن‏ ,‏ تقف “إسرائيل” على الحدود عاجزة حتى أن ترسل سياحها الى سيناء الذين ارتادوها كثيراً‏,‏ وعاجزة عن تشغيل المنفذ المؤدي الى مصر في سيناء بعد انسحابها تحت مسمى إعادة انتشار أو عبر ميناء إيلات حيث لعب العامل الأمني وكراهية العرب للإسرائيليين الدور البارز في طرد السياح الإسرائيليين من شبه جزيرة سيناء ‏.‏

لهذا جاء بيان قيادة وحدة مكافحة الارهاب التابعة لمكتب رئيس الوزراء أرييل شارون بمطالبة السياح الاسرائيليين بمغادرة سيناء لأنهم مهددين من ثلاثة منظمات: خلايا القاعدة , وخلايا مرتبطة بمنظمات فلسطينية , وخلايا محلية تابعة لإسلاميين مصريين يجندون عناصرهم بين بدو سيناء حسب البيان الإسرائيلي .

الأمر الذي يجعلنا بحاجة الى المزيد من القراءة والتحليل لندرك الإجابة على سؤال : هو مازال ماثل أمامنا : الإرهاب في سيناء هل هو بداية أم نهاية ؟

صحيفة إيلاف الالكترونية 08-12-2005م

الإرهاب في سيناء هل هو بداية أم نهاية ؟ ( الحلقة الثامنة)

الإرهاب في سيناء هل هو بداية أم نهاية ؟ ( الحلقة الثامنة)

 في “الحلقة السابعة” من الإرهاب في سيناء هل هو بداية أم نهاية ؟ ذكرنا بعض المعلومات ، ويمكن تلخيصها في ما يلي : الإطار الإقليمي والإداري والفضاء الذي يتحرك فيه السكان , قلة عدد السكان والأعراق والهويات المختلفة والموقع الإستراتيجي , الأخطاء التي ارتكبت بحق سكان المنطقة بفعل تطبيق السياسات الاستعمارية , تأثير جذور الحقبة العثمانية على المنطقة والضغوط الإنجليزية عليها , النزعة العرقية ومؤشراتها الديموغرافية من منظور تاريخي , التيارات المختلفة التي قامت عليها الهجرة والنمو السكاني والفئات التي تكون منها المجتمع في شبه جزيرة سيناء , القوانين التي لا تخدم العدالة الإنسانية بين التوليفة السكانية , دور سكان المنطقة في التجارة البينية بين طرفي الحدود , منطقة العريش وأثرها على الفلسطينيين وتأثرها بهم , إعادة سيناء وأثر اتفاقية السلام السلبي على مجمل الأوضاع , الضغوط الإسرائيلية وأثرها السلبي على أبناء المنطقة وتكوين الحاضنات لتفريخ الجماعات الإرهابية , تهريب الأسلحة والمخدرات وغيرها كنتيجة للقيود المفروضة على أبناء المنطقة .

وفي “الحلقة الثامنة” سنحرر العقل من قيوده ومن المنهجية التي يتبعها في الكتابة عله يبدع بين السطور ما يفيد القارئ الذي يريد أن يدرس هذه المنطقة بل هذا الجزء المهم من العالم . 

وعندما فكرنا في الكتابة عن الإرهاب في سيناء بعد التداعيات الخطيرة التي نتجت عن التفجيرات في طابا وشرم الشيخ وبداية أزمة جديدة ألقت بظلالها على المنطقة جعلتنا نذهل من هول الصدمة التي أصابت الجميع الأمر الذي دعانا أن نفكر في الأسباب التي أدت الى مثل تلك الأعمال التي لن تكون الأخيرة لأننا نتعامل مع المستقبل والمجهول فالماضي محسوم أمره أما المستقبل فأحداثه حبلى بالكثير من التطورات ولاسيما أن تاريخ المنطقة جعل العلماء يؤكدون تصنيفها على إنها منطقة حروب مستمرة .

ولهذا عندما نحاول أن نتخذ طريقة منهجية في الكتابة عن المنطقة تتداعى الأحداث وتؤثر في الذاكرة المؤقتة الأمر الذي يجعلنا نتفاعل مع أي خبر له علاقة بالمنطقة وبموضوع هذه الحلقات ليتم الحديث عنه أثناء الكتابة , ففي وقت لاحق أعلن الجنرال أهارون زئيفي فركش رئيس الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية عبر وسائل الإعلام المختلفة عن قيام تنظيم شبكة القاعدة بإقامة قاعدة لها في شبه جزيرة سيناء وهذه التصريحات أدلى بها أمام الحكومة الإسرائيلية مكرراً القول بأن الحكومة المصرية على علم بوجود مثل هذه القاعدة التابعة لشبكة أسامة بن لادن على أراضيها وحاولت تفكيكها .

ولم يكتفي بهذا فقط وإنما حاول أن يعقب عليه بالقول أن الحكومة المصرية تفضل أن تتوخى الحذر لأنها تخشى مواجهة مع القاعدة يمكن أن تؤدي الى موجة اعتداءات في مصر ويستمر في تصريحاته بأن هذه القاعدة كانت محمية بشبكة الغام وبيت القصيد من هذه التصريحات التركيز على أن ناشطي القاعدة تمكنوا من التسلل الى قطاع غزة وإقامة قاعدة لهم في مدينة غزة .

ولكن على الطرف الآخر هناك نفي من جانب الحكومة المصرية للتصريحات التي أدلى بها رئيس الاستخبارات الإسرائيلية  وقالت هذه المصادر أنه لا يوجد أي تنظيم في سيناء لشبكة القاعدة وأضاف المصدر ذاته أن الحكومة المصرية استبعدت أي علاقة لمنفذي تفجيرات سيناء بالقاعدة .

ومن هنا تبرز عدة تناقضات ولابد من تحليل معمق لها حتى يتم التعرف على الفاعل الحقيقي لمثل تلك التفجيرات فإذا تم اكتشاف أن تنظيم القاعدة وراء تلك التفجيرات فإن ذلك يؤدي الى استنتاج مهم للغاية هو نجاح القاعدة من خلال الإنجازات التي تحققت وبالتالي يستطيع تنظيم القاعدة وزعماءه أن يبرهنوا على أنهم الوحيدون الذين يتصدون للإرهاب الإسرائيلي الرسمي وهو بمثابة انتقام لضحايا الإرهاب الإسرائيلي من الفلسطينيين العزل .

ولاسيما أن العلاقات الودية بين الحكومة الإسرائيلية والحكومية المصرية بعد اتفاقيات كامب ديفيد والتطبيع مع إسرائيل قد أفرز نتائج خطيرة على مستقبل القضية العربية وزادت عدد الأطراف التي تزايد على حراج التقسيم والتطبيع وكأنما الكل يرغب في المضاربات على اعتبار أن القضية هي سوق للأسهم والسندات من يدخل في الاستثمار فيها يحقق مكاسب مادية كبيرة وعلى حساب الفلسطينيين والأقصى .

إنهم ضحايا العلاقات العربية الإسرائيلية التي تنمو بشكل مضطرد وسمحت لأكثر من أربعين ألف إسرائيلي أن يتواجدوا في فترة قصيرة من الزمن ليحتفلوا بعيد المظلة الإسرائيلي في طابا والمناطق السياحية في شبه جزيرة سيناء وهنا نؤكد فرضية تقول إذا أقدمت بعض الدول العربية على إقامة علاقات دبلوماسية قسرية مع إسرائيل وبدأت الوفود السياحية الإسرائيلية لزيارة مناطق تعتبر تاريخية بالنسبة لهم فإن الأمر سيتكرر بعمل إرهابي جديد لن يقل بشاعة عن الأعمال التي حدثت وراح ضحيتها الكثير من الأبرياء سواء كانوا عرب أم يهود أم أجانب , وبالتالي يستطيع تنظيم شبكة القاعدة القول أنه لايفل الإرهاب إلا الإرهاب .

ولم يتأكد رسميا بأن تنظيم القاعدة يقف خلف هذه العمليات ولكن من المرجح أن نربط بين هذه العمليات والعمليات التي تأكد رسمياً بأن القاعدة كانت وراء تنفيذها وخصوصاً بعد الانتقادات التي وجهت لتنظيم القاعدة بأنه يذهب الى مهاجمة أهداف غير ذات أهمية وفي أطراف العالم الإسلامي ، ويبتعد كليا عن مهاجمة اهداف اسرائيلية.

الأمر الذي غير من إستراتيجية التنظيم وظهر ذلك جلياً بعد تأكيد الدكتور أيمن الظواهري الرجل الثاني في تنظيم القاعدة الذي بثته قناة الجزيرة مؤخراً يؤكد استراتيجية التنظيم الجديدة، أي التركيز علي أهداف اسرائيلية، عندما طالب شباب الامة بالتحرك للتصدي للإرهاب الاسرائيلي، والإقدام علي ضربات استباقية للأنظمة واعداد العرب حتي لا يفاجئوا باحتلال بلادهم، مثلما حدث في العراق وافغانستان.

وهو يريد في الوقت نفسه بأن يعزز شعبيته في أوساط ملايين المحبطين في الوطن العربي من عجز الانظمة العربية الرسمية ورضوخها للإذلال الامريكي ـ الاسرائيلي في فلسطين والعراق وهناك بعض الدلائل التي تشير الى نتائج إيجابية تحققت لتنظيم القاعدة وكذلك نتائج إيجابية تحققت لإسرائيل ولاسيما بعد الاجتماعات التي عقدها وزير خارجية إسرائيل مع العديد من وزراء خارجية بعض الدول العربية والإسلامية .

ومن نتائج تحليل أحداث تفجيرات طابا هناك دروس مستفادة تؤكد على أن حرب الابادة التي تشنها حكومة شارون ضد الشعب الفلسطيني بدأت تعطي نتائج عكسية تماما، فالفلسطينيون الذين ابتعدوا دائما، رسميون او مواطنون عاديون، عن تنظيم القاعدة، لم يحزنوا مطلقا لعمليته الاخيرة في طابا ولم يتعاطفوا مطلقا مع ضحاياها، لان غالبية الاسرائيليين لم تتعاطف مع ضحاياهم الذين سقطوا ويسقطون يوميا برصاص الطائرات والدبابات الاسرائيلية.

وعندما نقوم بتحليل لما جاء أعلاه من كلام رئيس الاستخبارات الإسرائيلي عن وجود تنظيم جديد للقاعدة في غزة فهل هذا يعني أن الحكومة الاسرائيلية التي رفضت التفاوض مع جهات فلسطينية متعددة باعتبارها ارهابية متطرفة حسب تصنيفها، بات عليها ان تتعامل الان مع تنظيم القاعدة الاكثر تطرفا، واحتمالات تزايد عناصره من خلال القاعدة الجديدة له في غزة .

وبعد الحرب على العراق وتزايد وتيرة الأعمال الإرهابية في العديد من الدول العربية ومنها تفجيرات طابا وشرم الشيخ يمكن القول بأن المنطقة العربية باتت تسبح في بحر من الفوضى الدموية، وتتحمل إسرائيل والدول الغربية بما فيها أمريكا وبعض الانظمة العربية مسؤولية هذا الوضع ، ولأسباب متعددة ولكن المخرج له مسار واحد للخروج من دائرة العنف المرعبة وهو الاصلاحات، والاستماع الي أنين المواطنين، ومطالبهم العادلة والمشروعة في تعايش وسلام حقيقيين يقومان علي العدالة والمساواة وإنهاء الاحتلال في المنطقة برمتها .

وبدلاً من التفكير في بناء جدار أمني أحدهما في إسرائيل والآخر في طابا لمنع هجمات إرهابية محتملة فكأنما نعود الى القرون الأولى من حيث التفكير عندما شرعت الصين في بناء سور الصين العظيم وتلتها ألمانيا في بناء جدار برلين ولحقت بركبهما إسرائيل وبنت خط بارليف الذي تحطم تحت أقدام المقاتلين المصريين في معركة العاشر من رمضان  وتريد الحكومة المصرية أن تلحق بالركب حسب ما أوردته الأنباء مؤخراً لبناء جدار أمني حول منتجع شرم الشيخ السياحي قد يليها جدر أخرى حول المنتجعات السياحية الأخرى لتجنب وقوع هجمات مشابهة لتلك التي شهدتها منتجعات شرم الشيخ في يوليو/تموز عام 2005م .

والهدف من بناء الجدار هو منع السيارات من دخول المنطقة السياحية من أماكن أخرى غير النقاط الأربع المحددة، وذلك من أجل تجنب هجمات محتملة , ويبلغ طول الجدار الذي انطلق بناؤه 10 كلم وارتفاعه 1.5م , وتقدر تكاليف البناء بنحو 3.5 ملايين دولار , وكانت ردود الأفعال الأولية حول الجدار هناك من  تساءل “ما الفرق بين حكومة مصر وبين حكومة شارون التي أقامت جدارا عازلا لمنع المقاومة الفلسطينية”.

والرد الآخر قال أن “تصرف الحكومة الغريب سيخلق جدارا نفسيا عازلا بين الحكومة ومواطنيها في جنوب سيناء أعلى من الجدار الذي تحاول بناءه ولن يحقق أمنا ولن يمنع إرهابا” , الأمر الذي يجعلنا بحاجة الى المزيد من القراءة والتحليل لندرك الإجابة على سؤال : هو مازال ماثل أمامنا : الإرهاب في سيناء هل هو بداية أم نهاية ؟

صحيفة إيلاف الإلكترونية 19-10-2005م

الإرهاب في سيناء هل هو بداية أم نهاية ؟ ( الحلقة السابعة )

الإرهاب في سيناء هل هو بداية أم نهاية ؟ ( الحلقة السابعة )

 في “الحلقة السادسة” من الإرهاب في سيناء هل هو بداية أم نهاية ؟ ذكرنا بعض المعلومات ، ويمكن تلخيصها في ما يلي : العلاقة التاريخية والجغرافية لمنطقة سيناء وأبناءها وما حولها , دراسة تطلعات أبناء المنطقة على العموم وتوجهاتهم السياسية والتجارية والثقافية , الانتفاضة الفلسطينية وأثرها على سكان منطقة سيناء , عاصمة سيناء ودورها في شحن أبناء المنطقة , نظام إدارة المناطق الحدودية الموروث عن الإنجليز , انصهار بدو سيناء مع بدو النقب والفلسطينيين , ديموغرافيا سكان المنطقة وأثرها على التوجهات السياسية بشكل عام , تعدد هويات سكان المنطقة وأثره السلبي على المنطقة . 

أما في “الحلقة السابعة” سنستكمل الدراسة والتحليل المتعمق لمعرفة المزيد من خلال تحديد الاطار الاقليمي والاداري للمنطقة الأمر الذي سيتيح لنا الإحاطة بحدود شبه جزيرة سيناء وداخل أراضيها والفضاء الذي يتحرك فيه السكان الذين ينتمون الى أعراق وهويات مختلفة فمنطقة العريش وقربها من الحدود الإسرائيلية والفلسطينية وقلة عدد سكانها مقارنة بسكان قطاع غزة أو سكان وادي النيل وموقعها الإستراتيجي والحدودي وطبيعة مناخها الذي يجمع بين مناخ البحر المتوسط والمناخ الصحراوي قد ترتب على ذلك سمات اجتماعية واقتصادية وإقليمية وديموغرافية فريدة من نوعها، تكونت بسبب العواصف السياسية والتقلبات العسكرية وإعصارها الذي عصف بالمنطقة ومازال .

ولهذا نجد أن الأخطاء التي ارتكبت من مختلف الأنظمة السياسية بحق سكان المنطقة بفعل تطبيق السياسات الاستعمارية القديمة المبنية على النزعة العرقية والتي أدت الى نزاعات بين سكان المنطقة طبقاً لاختلاف هوياتهم وأعراقهم مما أدى الى تأخر أبناء المنطقة عن مواكبة التطورات العالمية المختلفة وهذه الأخطاء لها جذور تاريخية تعود الى حقبة الإمبراطورية العثمانية وتأثير الضغوط الإنجليزية عليها بضم كامل شبه جزيرة سيناء الى مصر إدارياً من خلال اتفاقية وقعت عام 1906م بين الطرفين المصري والتركي لإنهاء النزاع بشأن الأراضي بين القاهرة وإسطنبول الذي دام أكثر من نصف قرن .

هذه النزعة العرقية لها مؤشرات ديموغرافية في منظور تاريخي بعيد المدى فكتب التاريخ تحدثت عن الأصول التركية والبوسنية والألبانية التي كانت تخدم في الحامية التركية في مدينة العريش تحديداً لأنها كانت مركز للتزود بالمياه عند التحرك العسكري في الاتجاهات المختلفة واستقرت بها لدرجة أن بعض كتب التاريخ فرقت بين العرايشية واعتبرتهم من بقايا العساكر الاتراك او البلقان ، والفواخرية “واكثرهم من مهاجري جنوبي سوريا جاؤوها بعد تأسيس القلعة للاتجار مع حاميتها, وقد قيل انهم لقبوا بالفواخرية لأن أكثرهم كانوا يتاجرون بالفخار الذي يأتون به من غزة. ” وإن كانت هذه الأصول قد انصهرت وتلاشت وسط إعصار تكوين تاريخ المنطقة التي عانت من الحروب لفترة زمنية طويلة .

ولهذا نجد أن هناك ثلاث تيارات لتغذية النمو السكاني المتكون من هجرات مختلفة لأصول مختلفة ويمكن تقسيمهم الى ثلاث فئات كما يلي :

الأولى : البدو سكان سيناء الأصليين ومحاولة توطينهم لأهداف مختلفة ومنها تقييد حرية التنقل بين جانبي الحدود لتقسيم أرض سيناء الى عدة أقسام وعرقيات مختلفة .

الثانية : السكان القادمون من وادي النيل وزيادة عددهم من الجنود المصريين القادمين لتحرير الأراضي العربية من دنس الصهيونية الأمر الذي أدى الى اجتذاب وحدات عسكرية عربية الى العريش والمناطق الحدودية وقطاع غزة الذي كان يدار بواسطة المصريين حتى حرب الأيام الستة عام 1967م .

الثالثة : المهاجرون من أبناء فلسطين بفعل الحرب نفسها التي أدت الى نزوح أعداد كبيرة من فلسطين وخصوصاً من قطاع غزة الى الأراضي المصرية والاستقرار فيها سواء في مدينة العريش أو مدينة رفح أو باقي محافظات مصر . 

هذه التوليفة السكانية والقوانين التي تفرق بينهم لا تخدم العدالة الإنسانية بين السكان قد أدت بشعور بعض الفئات بالغبن تجاه فئات أخرى الأمر الذي أدى وسيؤدي حتما الى حركات إنتقامية إذا ما تم تغذيتها من قبل أطراف تعمل ليل نهار لإشعال فتيل الأزمة لأنها تؤمن بمبدأ فرق تسد لينشأ عنها الإرهاب . 

الموقع الإستراتيجي للمنطقة وقربها من الحدود جعلها فضاء كبير  ذو الأثر المتداخل بين سكان طرفي الحدود وخصوصاً إذا كان هناك اختلاف جذري في الأحوال المعيشية ولاسيما أن قطاع غزة كان يعتبر مركزاً تجارياً أكثر انفتاحا على بلاد الشام في تلك الفترة وغير خاضع للقيود الاقتصادية التي فرضتها الحكومة المصرية بعد ثورة يوليو لعام 1952م . 

نشأ عن هذا الوضع مركز تجاري أدى الى نهضة تجارية استفاد منها التجار الفلسطينيون وأبناء المنطقة عموماً الأمر الذي أدى الى توسع  تجارتهم وزيادة ثرواتهم مما سمح لهم فيما بعد بأن يمدوا نشاطهم الى قلب مصر حيث يحظون بزبائن تعاملوا معهم سابقاً , هذا وقد شهدت القاهرة موجة نزوح لتجار فلسطينيين ومن أبناء سيناء بعد حرب الأيام الستة عام 1967م .

وحينئذ أصبحت العريش ورفح مراكز تجاريه وسيطه يلعب فيها اللاجئون الفلسطينيون دورا هاماً ورئيسياً في العلاقات التجارية العابرة للحدود , ولم يقتصر ذلك على الجانب الاقتصادي وإنما الزراعي والديموغرافي فقد قام العديد من الفلسطينيين المدركين لغموض مستقبلهم بسبب التقلبات السياسية الأمر الذي دعى البعض الى تسجيل مواليدهم في الجانب المصري كمحاولة للاستفادة من الجنسية المصرية التي يحصلون عليها بعد اثبات ارتباطهم بأرض مصر , وقد ساعدت عوامل كثيرة على ذلك ومنها عدم وجود شهادة ميلاد ، و البنية القبلية لهؤلاء السكان الذي يعيش بعضهم حياة البداوة .

يبدو ان بدو سيناء والفلسطينيين المقيمين فيها مرتبطون بشدة بهويتهم وأرضهم لذا يعتبر الفلسطيني المقيم في العريش – على خلاف الحالة السائدة في باقي محافظات مصر – بانه ينتمي الى أقلية من بين الاقليات الاخرى : البدو والعرايشيه والمصريون القادمون من جميع محافظات مصر, واذا كان هذا السياق يحث على المنافسة بين الجماعات الا إنه لم يحدث كما يبدو حالة انطواء وعدم اندماج بل العكس تماماً هو الذي حدث .

فالإقامة في العريش ومنطقتها لها سماتها الخاصة التي تختلف عن المنفى بالنسبة لللاجئ الفلسطيني فقرب المسافة ألغى الحدود الجغرافية ، اضافه الى تماثل اللهجة و المكان و الثقافة واساليب المعيشة تضفي جميعها على هذه المنطقة هويه خاصه مصبوغة بطابع فلسطيني يؤكده جميع من زار المنطقة أو تربى في أحضانها .

ولكن بعد مفاوضات كامب ديفيد وتوقيع اتفاقية سلام بين مصر والكيان الصهيوني وإعادة سيناء الى السيادة المصرية نتج عن ذلك تحولات مأساوية بحق الفلسطينيين والمصريين القاطنين على طرفي الحدود ففي 25 إبريل 1982 تم تقسيم مدينة رفح الى قسمين وفقاً لخط الحدود المرسوم على الخرائط لعام 1906م , وأصبح هناك جيب فلسطيني في الأراضي المصرية والمسمى بمخيم كندا وعند التقسيم وضعت أسلاك شائكة لتفصل بين الحدود كما قام شريط حدودي لفصل ابناء المنطقة والمقيمين فيها عن أسرهم وأعمالهم .

أدى ذلك الى مفاوضات متعددة الأطراف اعترفت مصر بموجبها بوضع سكان مخيم كندا ” كلاجئين مؤقتين” الذين أصبحوا من بعد يحملون وثيقة سفر اللاجئين الفلسطينيين الصادرة من مصر ويتم تجديدها بدون تصريح للعمل , ويسمح للإسرائيليين بحرية الانتقال للمحافظة على أعمالهم في المنطقة وفي قطاع غزة أو في إسرائيل , رغم تأكيد جميع الأطراف بأن حالة هؤلاء الفلسطينيون مؤقتة وتم الاتفاق على تأمين عودة اللاجئين الى قطاع غزة ولكن مع وقف التنفيذ كما حدث في قرارات الأمم المتحدة بحق الفلسطينيون .

إن الوضع الذي فرضته إسرائيل على طرفي الحدود ووافقت عليه السلطات المصرية أفرز مظالم بحق أبناء المناطق الحدودية المصريون والفلسطينيون لدرجة أنهم فصلوا عن بعضهم البعض بشريط حدودي عرضه 20 متر ومحاط بالأسلاك الشائكة المكهربة وكأنها أسوار وعليها أبراج المراقبة  الأمر الذي أدى الى مظاهرات كثيرة بشأنها ولكن التعتيم الإعلامي الذي فرض حينها منع العالم من مشاهدة مآسي سكان تلك المناطق الذي يشبه الى حد كبير جدار برلين الشهير الذي تحطم مؤخراً .

فكان من المؤكد أن تفرز جميع تلك الأحداث وعبر فترة زمنية طويلة نوعاً من  الأعمال الإرهابية كتعبير عن الاحتجاج بطريقة تمكن الآخرون من سماع صوتهم المفروض عليه تعتيماً إعلامياً غريباً ومما زاد في الأمر سوءاً هو اتفاق السلطتين المصرية والإسرائيلية على عدم منح تأشيرات دخول لأفراد العائلة الواحدة من زيارة بعضهم البعض الأمر الذي أفرز عن قيام سكان المنطقة بعمل الأنفاق السرية تحت الأرض تم تشييدها لتربط بين البيوت الواقعة على جانبي الحدود، لتلبية ضرورة ملحة كوسيلة للحفاظ على الاتصال بين أبناء المنطقة .

هذا أفرز أيضاً سلبيات كثيرة منها تهريب الأسلحة والمخدرات والبضائع غير المسموح بها أو لتلافي الضرائب على البضائع بين طرفي الحدود لاختلاف الأنظمة الاقتصادية والسياسية السائدة في المنطقة ، وإذا كانت هذه الأنفاق تلبية لرغبات من يقوم بتهريب الأسلحة والمتفجرات فمن المحتمل أنها تعمل في الاتجاهين وليس في اتجاه واحد ضد إسرائيل ودعماً للانتفاضة وبالتالي فمن المرجح أن تكون المتفجرات التي ضربت طابا وشرم الشيخ قد تم تهريبها عبر الأنفاق ومن الأراضي الإسرائيلية ولاسيما أن بعض الخبراء أفادوا بأن نوعية هذه المتفجرات تشبه الى حد الكبير ما هو مستخدم لدى جيش الاحتلال الإسرائيلي .

وبدلاً من العمل على تخفيف الظلم الواقع على أبناء المنطقة حاولت بعض الأطراف في مجلس الشعب المصري بالتقدم بمقترح عام 1995م  لهدم المساكن المحاذية للحدود في رفح للقضاء على التسلل عبر الانفاق ولكن يبدوا أن تحرك الإرهاب كان أسرع من تحرك الحكومات في اتخاذ التدابير الأمنية اللازمة وتخفيف معاناة الشعوب التي انتفضت بعد أن نفذ صبرها .

تتميز الحدود المشتركة بين الدول بحساسية دقيقه نظراً للتقارب الشديد بين العادات والتقاليد ولهذا بينت كتب التاريخ أن دراسة المناطق الحدودية وطبيعة سكانها ومدى ارتباطهم ببعضهم البعض تعتبر بمثابة مجسات استشعار حقيقية للرصد على الأرض ، وتمثل منهجا مثمراً لاستشراف الحوادث والظواهر الجديدة وبشكل مبكر , وفي هذا الشريط الحدودي تم تخليق هوية ذات طبيعة خاصة قد نتجت عن انصهار أجناس مختلفة ومتعددة سواء كانت مصرية أو فلسطينية أو بدوية (سيناء, النقب) أو إسرائيلية والأصول القديمة الألبانية والبوسنية والتركية والشامية لتكون جنس جديد متعدد الانتماءات والتوجهات والأهداف .

الأمر الذي يجعلنا بحاجة الى المزيد من القراءة والتحليل لندرك الإجابة على سؤال : هو مازال ماثل أمامنا : الإرهاب في سيناء هل هو بداية أم نهاية ؟

صحيفة إيلاف الإلكترونية 07-10-2005م

الإرهاب في سيناء هل هو بداية أم نهاية ؟ ( الحلقة السادسة )

الإرهاب في سيناء هل هو بداية أم نهاية ؟ ( الحلقة السادسة )

 في “الحلقة الخامسة” من الإرهاب في سيناء هل هو بداية أم نهاية ؟ ذكرنا بعض المعلومات ، ويمكن تلخيصها في مايلي : نظرة عامة حول سيناء .. أحداثها الحالية والتاريخية , الخطر الحقيقي الذي يعصف بالمنطقة وأبناءها ودول الجوار المحيطة بها , المكانة المتميزة التي إحتلتها سيناء وآثار الحروب المستمرة فيها والمحاولات الإستعمارية عليها , التشكيك في الإنتماء العربي لأبناء سيناء , المحاولات الصهيونية وفكرة تدويل سيناء ! وكيف فشلت ؟ , لماذا قامت إسرائيل على جمع وتدوين تراث بدو سيناء ؟ , تاريخ البدو في مناهضة الإستعمار , دور إتفاقية سايس بيكو في ترسيم الحدود الجغرافية , مقاصد الأفواج الغربية والصهيونية من زيارة سيناء , الخط الواضح لعمليات القاعدة ورؤيتها الإستراتيجية .

وهنا حيث “الحلقة السادسة” التي نحن بصددها سنقوم بدراسة العلاقة التاريخية والجغرافية لمنطقة سيناء وأبناءها وماحولها إذ لايمكن فصل الأحداث الأخيرة عن السياق التاريخي للمنطقة وتوجهات أبناء المنطقة بعد إنصهارهم بأجناس أخرى في علاقة وثيقة تربطهم ببعض ثمة رابط جعل يزيد من رقعة إنتشارهم على كافة رمال سيناء ، وإنخراطهم الإجتماعي والأيدلوجي تحت مظلة تغريب النكاح الذي ربط مثلث عربي بعضهم البعض منطلقاً من قلب سيناء ، وممتداً عبر شرايين تصلهم بجسد الجزيرة العربية الأم .    

أقول : إذا كانت الحدود تمثل الإطار العام فالجوهر هو أهم ما بداخل هذا الإطار ، إذ سيناء تمثل الحبل الشوكي في عملية السلام بين أبناء المنطقة عموماً وبين الكيان الصهيوني ومشروعات التعاون الإقتصادي بعد التطبيع والإتفاقيات المشتركة بين : مصر واسرائيل والسلطة الفلسطينية ، فجميعها يمثل العمود الفقري لهذه العلاقات تلك التي تستهدف الإسراع في تنمية المنطقة الحدودية، والربط الاقليمي بين شبكات البنيات التحتية، مما تضفي على منطقة سيناء مركزا رئيسيا في عمليات إعادة التكوين الجنيني الذي يتمتع بالحركة الجارية في المنطقة العربية ، والذي معه قد يمتد الجنين في حركته حتى يصل أوربا بأكملها ، وذلك من خلال المنافذ القارية التي تحكمها جغرافية المنطقة .

فبرمجة منطقة سيناء لتكون ساحة سلام أولى لها من أن تكون ساحة معركة تجر بفتيلها نيران الحرب العالمية المنتظرة ، وإنه لرهان رمزي لو تعلمون بليغ , إذ لابد من دراسة تطلعات أبناء المنطقة على العموم وتوجهاتهم السياسية والتجارية والثقافية وغيرها في محاولة لصياغة أيدلوجية يمكن تفسيرها وفك طلاسم غيبيات الإدراك فيها ، والتنبؤ بما سيحل بالمنطقة قبل فوات الأوان ، أخاله تبصر يسلط الضوء على المخبوء بتوازن الوعي مع مجريات الأحداث التي نعيشها , إذ لايمكن تمرير مشروعات سلام وهناك إنتفاضة مباركة مازالت تنير طريق المقاومين لكل هدف إستعماري في المنطقة وهذه حقائق فرضتها حتمية الجغرافيا والتاريخ وعناصر الصراع في المنطقة .

لقد تزعمت القوى الإستعمارية فكرة تقسيم الحدود ، وإعتقدت أنها ستضفي طابعاً مميزاً لكل أبناء منطقة (دول) ، ولكن ثبت إن  هذه الحدود المفروضة قسراً على أبناء دول المنطقة لم تمنع المصاهرة فيما بينهم وهي أقوى من الحدود الوهمية التي تفرض بالإجراءات السياسية أو العسكرية وتجلى ذلك بعد إنسحاب إسرائيل من قطاع غزة ، فقد وجدنا الإنصهار الحقيقي بين أبناء المنطقة بتجاهل المراكز الحدودية ، وزيارة أبناء كل طرف لمن يعنيه في الطرف الآخر ، مما أزعج قوات الإحتلال الصهيوني تلك التي عادت تفرض شريطاً أمنيا بين طرفي مدينة رفح ، وحتمية التاريخ ستثبت سقوط هذا الشريط كما سقط جدار برلين من قبل .

كما ستلعب مدينة العريش في شمال سيناء التي تعتبر حلقة الوصل بين رمال الصحراء وطين البحر المتوسط ، دوراً تاريخياً بارزاً في شحن أبناء طرفي الحدود بالطاقة اللازمة لكل منهما لتحقيق أهداف الوحدة بين أبناء المنطقة وبين شطري رفح الذي فرض الإستعمار حدودهما فأصبحت مدينة رفح البوابة الإستراتيجية الحدودية الفاصلة للنتائج الحربية والعسكرية، والواصلة كواحة تجارياً وحضارياً، فهي الثغر والواحة والبوابة ورأس الجسر بين قارتين .

صحيح أن سيناء ظلت لأمدٍ طويلٍ خاضعة لمركز قانوني خاص مثلها في ذلك مثل باقي المحافظات الحدودية” الصحراوية أساسا ، والمحيطة بوادي النيل. ولكن ! كان هذا النظام موروثاً عن ” ادارة المناطق الحدودية ” التي انشأها الانجليز في نهاية الحرب العالمية الثانية لوضع هذه المساحات الصحراوية تحت اشراف السلطات العسكرية .

كما ظل سكان سيناء سكاناً هامشيين حتى الاحتلال الاسرائيلي عام 1967م، ولم يكونوا خاضعين لقانون الاحوال المدنية، ولم تكن لديهم بطاقات شخصية ، بل يتم تسجيلهم فقط لدي إدارة الحدود, ويشير المؤرخون الى المفارقات الكامنة والإكراه الذي يعاني منه بدو سيناء أولئك الذين يرتحلون خلال جزء من السنة بين فلسطين ومناطق دلتا النيل ، بل كانت تفرض عليهم ضرائب إذا هم عبروا القناة ، مما أدى الى إستياء أبناء سيناء بسبب فقرهم ، وبسبب القيود على تحركاتهم ، الأمر الذي جعلهم أقرب الى الإنصهار مع بدو النقب والفلسطينيين أكثر من إنصهارهم مع أبناء وادي النيل .  

ولهذا يصعب التفريق بين أبناء سيناء وبين بدو النقب وبين الفلسطينيين الذين يقطنون سيناء ولهذا إتسم وضع الفلسطينيين سكان  شمال سيناء بالخصوصية مقارنة مع الوضع العام للجاليه على مستوى باقي محافظات مصر، ويكوّن الفلسطينيون – المشتتون جغرافياً – مجموعات مختلفه ضعيفه البنيه ، وذلك وفقا لهجراتهم ولأصولهم الجغرافيه والاجتماعيه، وهم يعيشون فى محافظات مصر أساساً !, كما فى الدول الأخرى , وقد تم أندماجهم الاجتماعي في مصر بيسرٍ كبير ، وذلك بفضل تماثل الهياكل الاجتماعية – الأسرية الفلسطينية والمصرية، الأمر الذي يحد من علاقات التنازع ، ومن اضفاء الصبغة العرقية على العلاقات الاجتماعية فيما بينهم ، هذا فضلا عن العديد من الفلسطينيين أولئك الذين طبّعتهم الهجرة واللجوء الى لعب ورقة الاندماج عن رضى مع الشعوب ، رغم عدم رضا القيادات السياسية العربية بلا استثناء بحججٍ واهيةٍ لاتنمُ إلا على تبعيةٍ مطلقةٍ لأنظمةٍ غربيةٍ تخلت عنها منذ زمن .

وتتسم هذه المساحه الحدوديه بظاهرة الترحال والهجرة ، لذا فإن ثمة دوافع تقودنا إلى رصد العلاقات بين أبناء سيناء ( بدو النقب والفلسطينيين ) بشكل خاص ، وذلك في محاولة لجلاء التعقيد العرقي الذي يتسم بتفاعل عناصره عند طرفى الحدود التي لم تعترف بها الديموغرافيا والتي بها يتشكل  سكان المنطقة ، إذ أن ربط جزء من هؤلاء السكان فى مجال جغرافي محدود، يجعل هذه الدراسة ليست بالامر اليسير .

أقول : إن بين مصر وفلسطين وإسرائيل مجال حدودى صنعه التاريخ، ولكن ! هل ستصنعه آفاق عمليه السلام ، وآفاق الإنتفاضة ؟ السؤال الذي يتوقع أن يساهم سكان المنطقة فى إكتشاف دينامية الإجابة عليه وإن طال تحليقه في الفضاء ، أما الإمكانات التي يتمتع بها أبناء المنطقة من خلال العبور فى الاتجاهين ، ومن خلال التجارة أو مناطق إعادة التصدير التى يستتبعها، ورؤوس الاموال التى تستثمر أو المصانع التى ينشئها ، ستوفر عناء الجهد في المسار الخطأ ، والبحث المغموس ببعض غموض ، وذلك لتوجيه البوصلة إلى حيث المنطق المقبول في التعامل مع المتغيرات ، ولربما يكون ذلك عبر إنصهار وتصاهر أبناء المنطقة والجيل الجديد المتمخض عن هذا الإنصهار والتصاهر .

ولن نستنكر على أبناء المنطقة مواجهتهم وخضوعهم أحياناً للضغوط السياسية ولتبصراتها القانونية ، إذ اتخذت بدءاً من إحتلال إسرائيل لمنطقة سيناء تدابير تفرقة بين أبناء المنطقة لإحداث تدهور في العلاقات بين مصر التي وقعت إتفاقية سلام ، وبين الفلسطينيين الذين يرفضون ذلك وتقاطع الطرفين مع بدو سيناء الذين تجمعهم بهم علاقات مصاهرة وجيرة جغرافية ، وتلاحم ديني عقدي ، الأمر الذي بدّل وضعهم وأصبغ عليهم نوعاً من الهامشية الاجتماعية الاقتصادية ، بعدما كانوا يصعدون عتبات السلم الأولى بالتمتع في أغلبية الحقوق الوطنية – تولي الوظائف العامة، وما يشبه بالمكرمة في مجانية التعليم العام والتعليم العالي، الخ – إذ هم اليوم “أجانب” مثلهم كمثل الآخرين ، بتجاهل لظروفهم المعيشية الصعبة ، لذا بات اندماجهم مهدداً بالإنقراض الجبري بقيمٍ ما يزالون يحافظوا عليها رغم محاربتهم وتنحيهم من أية مشروعات فيها تكافل إجتماعي ، إذ هذا العمل يسلخهم عن التفاعل مع باقي شرائح المجتمع ، وهو مشابه لما أفرزته حقبة السادات بحق الفلسطينيين بعد إغتيال يوسف السباعي .  

مما تقدم نخلص إلى إستنتاج التضارب في العلاقات التي تجمع بين أطراف مختلفة المصالح ، والأهداف والتوجهات أيضاً ، وبالرغم من هذا التضارب نجد نوعاً من الترابط بمقتضى ثلاث نقاط ، في بادئ الامر يكون الشأن هو تقديم بعض المعلومات على نظام تأهيل المكان بالسكان وبالتالي على أصول السكان المحليين وما أدى ذلك في تلوين هذا الفضاء الجغرافي بسمة تعدد الهويات ، الأمر الذي يجعلنا بحاجة الى المزيد من القراءة والتحليل لندرك الإجابة على سؤال : هو مازال ماثل أمامنا : الإرهاب في سيناء هل هو بداية أم نهاية ؟

صحيفة إيلاف اللإلكترونية 01-10-2005م

الإرهاب في سيناء هل هو بداية أم نهاية ؟ ( الحلقة الخامسة )

الإرهاب في سيناء هل هو بداية أم نهاية ؟ ( الحلقة الخامسة )

ذكرنا في “الحلقة الرابعة ” من الإرهاب في سيناء هل هو بداية أم نهاية ؟ معلومات يمكن أن نلخصها في مايلي : قانون الطواريء وأثره على الأحداث , إتهام القاعدة وخلاياها , وجود تنظيم سري له أفكار جهادية , التشكيك في وطنية , وولاء بدو سيناء , وجهة نظر بدو سيناء بهذا التشكيك , تصريحات قامت على تفسير الثأر والربط بين المكان والسكان والحدث .

أما هنا حيث “الحلقة الخامسة ” سنحلق في فضاء سيناء باحثين عن مزيد من المعلومات المتعلقة بسيناء وأحداثها الحالية والتاريخية من واقع يتعايش مع الخطر الحقيقي الذي يعصف بالمنطقة وأبناءها ودول الجوار المحيطة بها حيث احتلت سيناء مكانة متميزة لأسباب دينية وتاريخية ، كما تعرضت لحروب مستمرة تجاوزت تأثيراتها الحدود الإقليمية إلى العالمية ، وحاول الاستعمار طمس معالم سيناء حيث لعب دوراً في تعتيم هوية سكانها والتشكيك في إنتماءهم العربي ، لكن التراث المتمثل في الموروث الشعبي استطاع أن يقف في وجه تلك المتغيرات المحدثة , ذات المصالح المختلفة , فمع بداية القرن التاسع عشر أصبحت سيناء محط أنظار الدوائر الإستعمارية ، وقد يكون الاستعمار حقق ما يريد من نجاح في مخطط عزل سيناء أرضاً وبشراً لفترة وجيزة من الزمن .

وهناك محاولات صهيونية حدثت في العام 1908م , سبقتها محاولات أخرى أهمها مشروع العريش الذي تبناه تيودور هرتزل عام 1903م عقب مجيئه إلى القاهرة في مطلع القرن التاسع عشر ، بعد أن أصدر عام 1895م كتابه “الدولة اليهودية” حيث طالب أثرياء اليهود في مصر بمساعدته للحصول على موافقة الخديوي عباس حلمي الثاني (1892م – 1914م ) على منح سيناء وطنا قوميا لليهود.

وجاء الإحتلال الاسرائيلي عام 1967م، وما تبعه من مخططات مثل فكرة تدويل سيناء وغيرهـا ، إلا أن البــدو قد أفشلوا هذا المخطط المعروف “بمؤتمرالحسنه” ، كما أفشلوا الكثير من المخططات العسكرية بعد ذلك .

وبعد صدمة مخابرات الاحتلال الإسرائيلي ، وفشل تمرير فكرة تدويل سيناء أشار رجال المخابرات وخبراء الموساد على حكومتهم بأن أفضل وسيلة لترويض البدو هو التعرف عن كثب على أسلوب تفكيرهم , ونواحي فلسفتهم ومثلهم الأخلاقية والاجتماعية ، لذا دفع الموساد بمجموعة من الباحثين الأجانب والإسرائيلين عام 1970م لجمع وتدوين تراث بدو سيناء إلا أن حرب رمضان (أكتوبر 1973م) قد خيبت آمال الصهاينة في إغتصاب الأرض وتذويب الشعب وسرقة التراث .

قد تكون الصحراء العربية المكان الوحيد التي مازالت ترفض الاعتراف بالحدود المرسومه بين الأقطار العربية، فالبدوي ساكن هذه الصحراء هو المواطن العربي الذي يعتز بأن جغرافيته الوحيدة هي الصحراء المفتوحة، والبدو في كل مكان هم أشقاؤه الحقيقيون، لذا يجدر القول أن بدو سيناء المصرية في تعلُّقهم بأشقائهم في كافة الصحاري العربية هم التجسيد الحي لهذه الحالة ، وقد ساعدهم على ذلك تاريخية المنطقة إلى جانب مناهضتهم للإستعمار.

البدوي بطبعه قريب إلى الطبيعة فهو صديقها الحميم ، لذا تجده يتجاهل الحدود المفروضة ويعترف بالصحراء فقط ، تلك التي يحافظ على عذريتها من التقسيم والاختراق ، والتمرد أحياناً على عولمة الصحراء إبتداءاً بالحدود ، ومروراً بالإستثمارات السياحية التي تخدش حياء البادية ، وتخالف معتقداته ، وتناهض التركيبة العقدية في المنظومة البيئية التي يعتبر البدوي جزءاً لا يتجزء منها ، وإنتهاءاً بما آل إليه الوضع الآن في المنطقة ، ولا شك فإن العاقل يدرك تزايد تلك الخطورة إن لم يحاول ترميم عصبها ووقف نزيفها ، فالبادية إمتداد طبيعي من خلال القبائل التي ينتشر أبناءها على الأراضي العربية من المحيط الى الخليج ، وهذا يعني أن كل قبيلة موجودة في سيناء لها أصولها الممتدة من أقصى الجزيرة العربية . وإن إختلفت الجنسيات بعد التقسيمات الإستعمارية ممثلة في إتفاقية “سايس بيكو” التي فرضت الحدود الجغرافية بين الدول العربية .

تداخل الأرض العربية يجعل من الاستحالة بمكان فصل الإنسان العربي عن أخيه في أي بقعة على امتداد الوطن الكبير، وذلك على الرغم من التقسيمات والاختلافات بين أنظمة الحكم في هذا البلد أو ذاك، البدو العرب شعارٌ للتداخل والتمازج وعنوانٌ من عناوين رفض الحواجز بين أبناء الأمة الواحدة مهما ارتفعت الأسوار وتعددت الحواجز التي لا يرونها أكثر من مجرد حواجز وهمية لا تُغيِّر شيئاً من واقع الحال.

هذا الاعتزاز من جانب البدوي بتقاليده وأعرافه القبلية القديمة حدَّ من بطش يد التغيير وقدرتها الخفية على التحديث، وعلى الرغم من أن تلك اليد قد طالت الكثير من مظاهر الحياة في سيناء المصرية وتحول الكثير من بواديها وواحاتها إلى مناطق جذب سياحي إلا أن أبناء القبائل العربية من سكان سيناء مازالوا يعتمدون في إدارة شؤونهم الداخلية على القضاء العرفي الذي مازال قادراً على حل كثير من المشاكل التي قد تنشب بين أبناء البادية، وبالتالي تفادي وصول المشكلة إلى السلطات الحكومية أو ساحات المحاكم.

وتبقى سيناء المصرية شأنها شأن بقية مدن ومحافظات مصر شاهدةً على تنوع مصادر الثقافة المصرية وسط قبولٍ عام لخصوصية كل إقليم على حدة وهو ما يؤكد فكرة التنوع في إطار الوحدة، ولعل خصوصية سيناء تتمثل في أن ساكنها البدوي العاشق لحريته وميله للتنقل والترحال هو أول من يتشبث بأرضه ويدافع عن بوابة مصر الشرقية.

بين الرغبة قي قطف ثمار المدنية الحديثة والحرص على الحفاظ على الموروثات الاجتماعية لأهل البادية يقف أبناء القبائل العربية في سيناء غير معترفين بالحدود السياسية التي تفصلهم عن أبناء عمومتهم توَّاقين لِلَم الشمل وممسكين بتلابيب الانتماء العربي , رغم مايعصف بالمنطقة من فوضى تلك التي لاتساعد على أن يستتب الأمن في سيناء خصوصاً باديتها وسكانها ، إذ هم قوم يعتزون بإنتماءهم البدوي فتجدهم يحافظون على أن تستمر حياة البداوة وينعشونها كلما طالبت رئاتهم أكسجين الصحراء … فكل قبيلة من قبائل البادية جزء مستقل في جسد الصحراء ، بل الكلُّ دولة مستقلة بذاتها ، وهذا ما يدعوهم والكلام عن قبائل سيناء للتحالف المحمود حفظاً للسلام ، كما يمجد عملهم الجماعي التلاحمي ، ويعزز الرابطة فيما بين بعضهم البعض .

سيناء جزء من أقطار عربية التي قسمها الإستعمار ، يعيش فيها الإنسان على الفطرة وكأنه يعيش البيئة الحقيقية لأنبياء الله إبراهيم وموسى عليهما السلام , فتلك البلاد تتجلى فيها الطبيعة بأبهى مظاهرها ، ورغم هذا فإن أبناء النيل قلما يزورون قلب سيناء ، لذا تجدهم يجهلون الكثير عن صحراءها وسكانها وتاريخها وجغرافيتها وموقعها الإستراتيجي ، مع أن المستشرقين والغربيين يدخلونها أفواجا بقصد السياحة والصيد والنزهة وهذا هو الظاهر المزيف لنواياهم ، أما الباطن الذي إكتشفه السينائي فهو زيارة المناطق الأثرية في حملات تنكرية ، وربما الأديرة والمساجد والجبال والبحث عن المعادن النفيسة والتنقيب عن الآثار فيها.

ونضم رأينا الى رأي بعض المؤرخين أولئك الذين يعتبرون أن منطقة الشام التي تضم سوريا وفلسطين والأردن ولبنان كتلة سياسية وجغرافية واحدة يطلق عليها اسم بلاد الشام ، أما شبه جزيرة سيناء هي تلك المنطقة الصحراوية التي تقطنها عرب سيناء في البادية التي تصل القطر المصري بقطري بلاد الشام وشبه الجزيرة العربية ، كما أن منطقة رفح على الحدود الشمالية الشرقية لمصر هي الحد بين مصر وبلاد الشام .

إذ شدد خبراء أمنيون على أن تفجيرات شرم الشيخ تحمل رسالة مركزية مفادها أن الجماعات المسلحة التي ظلت لفترة طويلة في موقف الدفاع ، انتقلت إلى الهجوم، وأنها باتت تملك زمام المبادرة عبر أذرعها الممتدة عبر مختلف قارات العالم ، وهو ما تمثل في سلسلة الهجمات التي ضربت العاصمة البريطانية لندن، وقبلها تفجيرات مدريد، وبعدها تفجيرات طابا وشرم الشيخ، فضلا عن التواجد الواسع والقوي لتلك الجماعات في العراق.

قوات الأمن تعلم جيداً أن سيناء بها من الدروب والجبال والمسالك الكثيرة وانها لسنوات طوال نظمت علاقتها مع بدو سيناء بالاتفاق مع زعماء القبائل الذين يزرعون ويهربون المخدرات جهارا نهارا بمراعاة مصالح ضمنية وجزئية من الحكومة التي إن كانت تجهل ذلك فهي الكارثة وإن كانت تعلم فالكارثة أجل وأعظم .

يبدو أن عصر الفضائيات قد وصل الى بدو سيناء فخرج بعض شباب البدو عن طوع شيوخ القبائل ويبدو أيضا أن بعضهم طاله تأثير الجماعات المتطرفة فقرر أن يدخل فى معركة ضد السياح الأجانب والإسرائيليين فى طابا وشرم الشيخ , الأسلحة في سيناء متوفرة ، والتدريب عليها مُيسّر بمقابل مادي أو تبادل في السلاح ، وعندما حدث خلل في عملية التوازن القطبي بين البدو والحكومة ، خرجت الشرطة بعلياء سلطتها وقررت أن تنتقم إنتقاماً جماعياً من سكان سيناء، وهنا كانت الطامة الكبرى ، فتحول الأمر برمته الى ثأر بينهم وبين الشرطة فانقضوا على شرم الشيخ فى عملية ثأرية كجزء من سلسلة العمليات الثأرية التي أراقت الدماء لنصف الدائرة وسجنت الألاف من أبناء سيناء في النصف الأخر من الدائرة ، وما زالت الأحداث تدور والدائرة تتسع والخطورة تتمدد ولا تعرف الضمور. 

الخلاصة التي يمكن الخروج بها من مجموع هذه الآراء أنه قد صار هناك نمط واضح لعمليات “القاعدة”، ورؤية إستراتيجية لتحركاتها إلى جانب التطور التكتيكي -وليس الإستراتيجي- لتعظيم فرص نجاحها وتقليل خسائرها قدر الإمكان, وهذا النمط ربما سيمكن السياسيين والباحثين بالتنبؤ بالعمليات “القاعدية” القادمة .  وقد نكون بحاجة الى المزيد لنعرف إجابة سؤال مازال ماثل أمامنا : الإرهاب في سيناء هل هو بداية أم نهاية ؟ .

صحيفة إيلاف اللإلكترونية 23-09-2005م

الإرهاب في سيناء هل هو بداية أم نهاية ؟ ( الحلقة الرابعة )

الإرهاب في سيناء هل هو بداية أم نهاية ؟ ( الحلقة الرابعة )

ذكرنا في “الحلقة الثالثة ” من الإرهاب في سيناء هل هو بداية أم نهاية ؟ بعض المعلومات التي تضاف الى الأسباب التي أدت الى وقوع تفجيرات سيناء ونستطيع ان نوجزها في مايلي :

إستغلال السلوكيات الأمنية , الإنخراط في تنظيمات عنف وإرهاب , مخطط لتسليح بدو سيناء وتشكيل ميليشيات , مخططات التقسيم للسيطرة الإقتصادية , الأحداث في سيناء بحاجة الى إدارة أزمات وكوارث , الأضرار التي لحقت ببدو سيناء جراء الإستثمارات السياحية , خطر المناطق السياحية والإباحية على الأخلاق والقيم , الإحباط وخميرة العنف ووجودهما في مجتمع بدو سيناء   

أما هنا حيث “الحلقة الرابعة ” سنلقي مزيداً من الأضواء لتفسير الأحداث لأن مايحدث بالفعل  هو خطر حقيقي مازلنا نحذر منه فهو كالنار تحت الرماد قابل للإشتعال والإنفجار في أية لحظة ولاسيما أن أبناء العشائر والقبائل لايقبلون الضيم أو أي معاملة تخالف تقاليدهم وأعرافهم فهي مختلفة تماماً عن بقية المحافظات .

قانون الطواريء يفهم منه أنه حدث عارض ولكن إن يستمر هذا القانون ربع قرن من الزمان فهو في هذه الحالة يعتبر قانون دائم وليس بقانون مؤقت . والقوانين العرفية , وقوانين الطواريء تمكن الدولة التي تعمل بموجبه من إرهاب مواطنيها في أبشع صور الإرهاب التشريعي والسياسي والاقتصادي والاجتماعي على أنه إرهاب وإستبداد لا عقل ولا دين ولا قلب له , فهو يمارس أعلى درجات التعذيب والتنكيل والقهر , الأمر الذي لاتجد له منظمات حقوق الإنسان أي مبرر.

لقد تصاعدت حدة الجدل بين المحللين السياسيين وقادة الفكر والرأي والمختصون في شئون الإرهاب والجماعات الإرهابية حول هوية المنفذين ، إذ يميل الغالبية لاتهام القاعدة وخلاياها- إن جاز التعبير عنها – بالهلامية السرطانية العنقودية، فيما يركز آخرون على مسؤولية تنظيم سري له أفكار جهادية ولهذا إضطربت قلوب بدو صحراء سيناء أجمعين حال سماعهم نبأ التفجيرات في سيناء , لأنهم يعرفون جيدا ماذا يعني ذلك الجدل , وربط العلاقات بين المكان والبشر والحدث .

الشكوك بدأت تطارد عقول المحللين السياسيين وقادة الفكر والرأي , وبدأ الهمز واللمز يصيب بدو سيناء قبل غيرهم لأنهم بقوا على صحرائهم أثناء الاحتلال الإسرائيلي لشبه جزيرة سيناء من عام 1967 حتى 1981، ويزعم البعض أنهم تعاونوا مع العدو وينظروا إليهم ببعض التوجس  ولم يفهم البعض مدى إرتباط البدو بأرضهم وتمسكهم بها .

بدو سيناء ينفون ذلك بشدة، وكأن قلوبهم قد توحدت على قلب رجل واحد , ويؤكدون أنهم كانوا ومازالوا يريدون البقاء بعيدا عن السياسة والاهتمام بشئونهم الخاصة وحياتهم، وجددوا التأكيد على الموقف نفسه وسيبقوا كذلك ! بعد كل هجمة شرسة يتعرضون لها معللين بذلك أنهم خسروا أيضا مصدر رزقهم ، حيث إنهم كانوا يكسبون الكثير من العمل في تلك المناطق , بتأجير جمالهم للسائحين، والعمل مرشدين لهم ، واستقبال السائحين في قراهم .

وشعور بدو سيناء بالحذر المتوجس أفرز حسرة , وألماً إعتصر دم قلوبهم المرتجفة من الظلم والتهميش من قبل الدولة التي لاتوليهم الاهتمام التنموي والمجتمعي المناسب , وتجمدت في عروقهم الدماء النابضة بحرارة الإحساس في حب الوطن رغم أنهم محل اتهام دائم ‏,‏ وأن صورتهم الشائعة كما تعكسها بعض الكتابات الصحفية , وتصريحات بعض المسئولين الأمنيين , هي إما كانوا مزارعين للمخدرات أو مهربين لها وللأسلحة‏,‏ وأنهم محل شك في ولائهم , وانتمائهم للوطن ‏.‏

هذان الأمران معا يعكسان مرارة كبيرة ‏,‏ وهي مرارة قابلة للزيادة عند أبناء سيناء الذين يجدون ما يعتبرونه إنكارا أو تناسيا لأدوارهم الوطنية المشهودة التي قام بها كثير منهم إبان الاحتلال الاسرائيلي لسيناء ما بين عام 1967 حتى 1981,‏ وفي تقديم المساندة للقوات المصرية التي كلفت بعمليات خلف خطوط العدو لا سيما في مرحلة حرب الاستنزاف التي سبقت حرب أكتوبرعام 1973م ,‏ وشهدت بدورها نماذج وطنية وعمليات بطولية نادرة ‏.‏

أما الشعور الأكثر خطراً أن هذه الأعمال الوطنية لم تشفع لهم عند أجهزة الأمن التي طبقت معايير قاسية جدا هي أقرب الي العقاب الجماعي لأسر ومعارف المشتبه فيهم بعد حادثتي طابا وشرم الشيخ ‏,‏ وفي الوقت ذاته أن هذه السياسة الأمنية القاسية لم تمنع حدوث عمل ارهابي كبير في سيناء .

أعود إلى المرارة أنفة الذكر فأقول :أنها باتت شبه جماعية وبدورها ستشكل مأزقا كبيرا يتطلب نوعا من المراجعة لكثير من السياسات التنموية‏,‏ والأمنية تلك التي طبقت في سيناء المرحلة الماضية ‏.‏وأنه لمأزق كبير بحجم سيناء كموقع يتسم بخصوصية الجيرة الجغرافية المباشرة مع إسرائيل ‏,‏ تلك التي طبقت أسلوبا نفسيا ودعائيا خاصا جدا إبان احتلالها لسيناء‏,‏ مما قام علي أساس تكثيف المقولات والروايات التي تدعم التشكيك في الولاء والوطنية لأبناء سيناء ‏.‏

وهي خبرة لم تنته بعد‏,‏ وهناك الكثير من المؤشرات علي أنها تطبق الآن وفقاً لإسلوب  يتناسب مع المستجدات‏,‏ وهو أمر يتطلب قدرا بضرورة وعي خطورة مثل هذا المخطط القادم عبر الحدود‏,‏ والتعامل معه من أجل إجهاضه لا إنجاحه عبر اصطناع فجوة ثقة بين أبناء سيناء من البدو وباقي شرائح المجتمع الشعبي , بما يجعله يؤثر سلباً على المناعة الأمنية في جزء من أكثر الأجزاء حساسية‏.‏

الإرهاب أصبح يشكل هاجساً أمنياً وأحدث فوضى عالمية ، وأن الشكل الهلامي لتنظيم القاعدة وخلاياه ومناصريه يساهم في تعقيد الأمور وصعوبة الحكم ما إذا كانت عملية تفجير هي في الحقيقة من صنع التنظيم وأنصاره أو ربما غيرهما، وبالتالي فقد يجد أحدهم أن هذه الفوضى مناسبة له في جانب من الجوانب المختلفة , إذ هو يعمل الآن على استغلالها ويوجهها لصالحه ولغاياته تحت غطاء “أنها عمليات للقاعدة”، مستخدما بعض توقيعات القاعدة، باستخدام السيارات المفخخة والتفجيرات المتنقلة والمتعددة في آن واحد، وهي ختم القاعدة وبصمة السباق فيها ولها .

كما أن هناك بعداً آخر ضمن حسابات الأكثر خطورة لأحداث سيناء وهو أن تكون التفجيرات نتاج مجموعات تتبنى وتعتنق فكر القاعدة دون أن تكون متصلة مركزياً أو شبه مركزياً بالتنظيم ، وأن التفجيرات تحمل طابعاً انتقامياً ضد أجهزة الأمن التي اعتقلت آلاف من أبناء سيناء حيث جرى تعذيب بعضهم بشهادة منظمات حقوقية مصرية ودولية!! مما أدى الى تأجيل موعد محاكماتهم عدة مرات .

ومن المؤكد أن عملية التحول الاجتماعي أصابت أهل سيناء‏,‏ وهم ذوو الأصول القبلية وأصحاب التقاليد الاجتماعية والدينية الراسخة‏,‏ إذ هي تفرض بدورها اقترابا حكوميا وشعبيا وحزبيا ‏ يختلف تماما عن تلك الاقترابات التي تطبق بشأن مجتمعات مستقرة سواء كانت حضارية أو ريفية‏. وفي سيناء يشهد حالياً الإنفتاح علي العالم الخارجي عبر الاتصالات الحديثة‏,‏ والاحتكاك مع تجمعات السائحين سواء كانوا من المصريين أو الأجانب‏,‏ والتحول النسبي من الرعي والترحال إلي الزراعة والاستقرار في المكان‏ .‏

وهذه أنماط سلوكية لم تكن معتادة من قبل‏,‏ ولها مردودها الاجتماعي والثقافي علي منظومة القيم القبلية والبدوية نفسها‏.‏ كما أن هناك من يستغل الكثير من ثغرات التحول الاجتماعي ويدفع بها إلي مسارات خطيرة‏,‏ وهو ما يوجب التنبيه اليه وبالتالي الوقوف سياسيا وفكريا عنده قبل أن يكون أمني .

سيناء هي كل هذا مجتمعة‏,‏ تجسد جزءا عزيزا من أرض الكنانة وشعبها‏,‏ وربما فاقت شهرة مدنها السياحية الكبري شهرة شبه الجزيرة قاطبة بقبائلها وتاريخها ونضالها إبان الاحتلال الاسرائيلي‏.‏ وهو بعد له تأثيره المزدوج سلبا وإيجابا‏.‏ فبينما تحولت مدن معينة ومحدودة العدد وقليلة السكان الي بؤر جذب كبري لصناعة السياحة المحلية والعالمية في آن‏,‏ إلا أنها تركت التجمعات السكانية الأخري لا سيما في وسط سيناء علي حالها تقريبا‏,‏ ولم يصبها سوي قشور محدودة من التغيير والتطوير‏.‏

ثم جاءت تصريحات غير مسؤولة لترفع من شأن هذا التفسير “الثأري” حيث تم الربط بين المكان والسكان والحدث وقيل إن هناك خيوطاً لهذه التفجيرات تشير الى أن  البصمة واحدة ونوعية المتفجرات المستخدمة واحدة فأوجدت غلياناً داخل سيناء كان من نتائجه ولادة تنظيم مسلح تجيد عناصره استخدام السلاح بالوراثة، حيث تعتبر سيناء منطقة حروب ويستطيعون الحصول على السلاح بسهولة ، وعبر الحدود مما يدفع الى الإعتقاد بإحتمال مشاركة أجنبية وتشير الى عودة العنف المسلح ووقوف تنظيم قوى ومعقد ذو خبرات عالية وعالمية تحير عقول المحللين السياسيين وقادة الفكر والرأي في الإجابة على السؤال الذي مازال ماثل أمامنا : الإرهاب في سيناء هل هو بداية أم نهاية ؟ .

صحيفة إيلاف اللإلكترونية 17-09-2005م

الارهاب في سيناء هل هو بداية أم نهاية ؟ (الحلقة الثالثة)

الإرهاب في سيناء هل هو بداية أم نهاية ؟ ( الحلقة الثالثة )

ذكرنا في “الحلقة الثانية ” من الإرهاب في سيناء هل هو بداية أم نهاية ؟ بعض المعلومات الإضافية التي قد تضاف الى الأسباب التي أدت الى وقوع تفجيرات سيناء ونستطيع ان نوجزها في مايلي : مايقوم به الموساد في منطقة سيناء , مخططات إسرائيل لتهويد شبه جزيرة سيناء , خطر تنقل المصريين والإسرائيليين بين بلديهما , إنخراط البدو فكرياً في المنظمات الأصولية الراديكالية , القاعدة وتهديداتها المستمرة للقيام بعمليات إرهابية في مصر , موقف التنظيمات اليهودية المتطرفة من زيارة اليهود الى أرض سيناء .

وفي هذه “الحلقة الثالثة ” سنلقي مزيداً من الأضواء على معلومات إضافية مهمة في تفسير الأحداث لأن مايحدث هو خطر حقيقي بسبب أخطاء فادحة أرتكبت قبل وأثناء وبعد أحداث طابا وشرم الشيخ بسيناء فهي تراكمات السنين التي نجني ثمارها من الفشل الأمني والسياسي بعد أن زرعت بذورها الخبيثة لتثمر إحتقاناً إنتشر بين عشائر وقبائل بدو سيناء، وهي طبيعة تختلف كليا وجذريا عن طبيعة الشخصية الريفية وسكان المدن .

إن المبالغة في الإندفاع من جميع الأطراف بالفعل ورد الفعل ولاسيما أنه لايزال هناك من يغذي الفتنة ويضمر لهذه الأمة شراً وأنهم أبدعوا في إستغلال السلوكيات الأمنية العنيفة التي حدثت وتحدث وسوف تحدث وإستغلال للشعور بالسخط المتزايد والتحدي بين الفئات المحتقنة , وهو الأمر الذي تمت ترجمته إلى خلق (ثأر) بين قبائل وعشائر سيناء والدولة ممثلة في جهازها الأمني.

وقد نسميها مرحلة إنطلاقة الشرارة الأولى ببدء إنخراط شباب سيناء وشباب مصر في تنظيمات عنف وإرهاب سواء كانت ساذجة و/ أو عشوائية، منظمة و/أومحترفة، وليس هناك أدنى شك في أن جهات استخبارية سوف تلعب على هذا الوتر بكل ما أوتيت من ذكاء ومهارة وخبث، والحديث عن “بلورة” لتوجهات تمرد على “الدولة” في سيناء ، كما أن الهوس بالثأر والانتقام طبيعة بشرية ، والتقارير الغربية تؤكد على أن سيناء مقبلة على المزيد من العنف في المستقبل القريب .

تقارير استخباراتية تشير الى مخطط لتسليح بدو سيناء ‚ وتشكيل ميليشيات لخوض حرب عصابات ضد وحدة مصر وإحداث قلاقل أمنية وتقوم جهات أمنية بدراستها وأشارت الى ان الاجهزة الامنية الأجنبية ضالعة في هذه المؤامرة بالفعل في عمليات تهريب الآلاف من قطع السلاح والقنابل لرغبة أجنبية جامحة برؤية مصر وقد فقدت مركزها القيادي للامة  بأي سيناريو من السيناريوهات المعتمدة عن طريق تجربة حروب ونزعات إنفصالية كما في السودان كالجنوب ودارفور وغيرهما.

إن وجود هذا المخطط العدواني غير المستبعد عن العقلية الخارجية الشريرة التي تريد أن تنام وتصحو لتجد الدول العربية وقد تضاعفت ثلاث مرات أو اكثر لتؤول الهيمنة والسيادة وتقرير مستقبل المنطقة برمتها بيدها‚ وتحقق أطماعها عمليا عبر ارتباط هذه المنطقة بالارادة والتعليمات والاملاءات الأجنبية ‚ وليس بالضرورة الاحتلال عسكري وإنما هيمنة إقتصادية عبر تعليمات منظمات إقتصادية دولية والدعوات الى الديموقراطية .

مصادر استخباراتية عالمية تتوقع أن تشهد سيناء أعمال عنف اخرى في المستقبل القريب  وربما يعزز وجود هذا المخطط العدواني أيضاً أكثر والذي يستهدف النيل من وحدة مصر وامنها واستقرارها ودورها القومي في القضايا العربية‚ واشغالها بمعارك مصيرية تبعدها تماما عن دورها العربي تماما مثلما ابعدت العراق وزرعت الفتن الطائفية والعرقية والسياسية‚ هو وجود توقعات لجهات مصرية بعد عمليات “كر” و”فر” , واشتباكات بين رجال الشرطة المصرية وعناصر من بدو سيناء .

هناك إجتماعات مستمرة بين زعماء قبائل سيناء الشمالية والجنوبية والقوات الأمنية المحلية ، قادت إلى توقيع “وثيقة عهد” ,  يستمر بموجبها شيوخ البدو بإظهار “الولاء والامتثال” بحيث تقوم بتزويد القوات الأمنية بالمعلومات عن المجرمين المشتبه بهم  , الأمر الذي يتعارض مع الأصول الثقافية والأعراف الأخلاقية والقانون القبلي التقليدي، الذي يحث على حل كل النزاعات ضمن إطار القبيلة، لكن هذا النظام يمثل عقبة صعبة أمام عمل قوات الأمن .

تعالت بعض الأصوات النافذة الى إستخدام مصطلح (إدارة الأزمات والكوارث )، وهو من المصطلحات الحديثة في علوم الإدارة ، الهدف منه هو شد القاريء لأنها طارئة ومفاجئة وشديدة القوة ومتسعة وتحتاج الى فترة طويلة لعلاجها حتى تعود البلاد الى طبيعتها لأنها تحتاج الى أسلوب علمي متطور سعياً لكبح جماحها وترويضها وإبطال مفعولها، وطرق التأمين والوقاية منها وكيف تجنب الكيانات السياسية الإدارية من شرورها , والأزمة معقدة مركبة تحتاج إدارتها والتعامل معها لمراحل عدة يعرفها المتخصصون .

هذه المرحلة بحاجة الى حضور سياسي وسيادي محلي داخلي على أعلى المستويات وليس دولي لإستضافة مؤتمر لمكافحة الإرهاب في شرم الشيخ ، ولا يمكن ولا يجوز أن يترك الأمر فيها للاجتهادات الأمنية وحدها، هذه “أزمة وكارثة ” ، كما أن سيناء بشكل عام في حاجة ماسة إلى إعادة نظر لإدماج مواطنيها بكل فئاتهم وفعالياتهم بكل ما يعزز من انتمائها إلى مصر، حتى لانصحوا على “أزمة وكارثة” أكبر  يصعب وقتها الحل علينا أو الإحتواء وسيناء بحاجة الى مشاريع تنموية تشمل جميع مناطقها لا السياحية منها فقط .  

بعد أن بنيت المناطق السياحية في جنوب سيناء ، تزايد تجريد البدو من أرضهم التقليدية ، وبيعها إلى المستثمرين سواء كانوا مواطنين أو أجانب وأصبح بدو سيناء يتسابقون فيما بينهم لضمان الحصول على عمل في تلك المناطق رغم أنهم أصحابها وسادتها وبدلاً من إكرامهم وتأليف قلوبهم مسحت وكالة التطوير السياحي سبعة مخيمات للبدو عن وجه الأرض ونزعت ملكيات أصحابها من أجل إقامة “الريفييرا المصرية”. قبض بعض البدو ثمن بخس دراهم معدودات كتعويضات محدودة وأجبروا على التخلي عن حقوقهم في المنطقة كلها.

وبعد إستعراض كل ماتقدم سنلقي نظرة عامة حول بدو سيناء الرحل ومن واقع معرفتنا بكثير من أوضاعهم الداخلية ومن إحساسنا بالمناخ العام السائد، الساخط والمتمرد على أنظمة الحكم العربية المختلفة ومنها مصر لتبعيتها الواضحة للسياسات العالمية الخارجية  , وهو مناخ يشجع علي الصدام ويفرخ العنف، ويفسح الطريق أمام الأفكار الأصولية والمواقف الأكثر راديكالية لتجد من يتبناها ويعمل بها، فتتسع دوائر الفتنة لتجد من يشارك ويساند في مثل هذه الضربات ، مهما وصلت درجة إدانتها، إما تشفيا أو انتقاما ولن تكتفي بجلد الذات وإنما بتعذيبها ايضاً .

يتميز أهالي سيناء بالتدين الفطري والتمسك بالقيم والأخلاقيات باعتبارهم منحدرين من قبائل عربية ذات موروث أخلاقي ملتزم ومن ثم فهم رافضون لكافة الموبقات التي تزخر بها القرى السياحية المنتشرة علي ساحل البحر الأحمر من طابا إلي شرم الشيخ ، وخاصة بعدما تردد من افتتاح (صالة إستربتيز) بأحدي القري السياحية .

مشاركة أو تورط بعض شباب سيناء في أنشطة تلك القري السياحية وخدمة السائحين (الخمور – المخدرات – الإمتاع الجنسي بالمقابل المادي ) ، وهو الأمر الذي يراه حكماء القبائل والعشائر مصدرا خطرا علي شبابهم وأخلاقهم وقيمهم .

الإحباط الذي إنتاب مجتمع بدو سيناء بعد التحرير فهي لم تكن علمانية إباحية بهذا الشكل المفرط الآن ، وأثناء الاحتلال كان هناك محاولات إسرائيلية لمراعاة الشعور الديني والاجتماعي للاستقطاب، رغم حالات الانفلات، وبعد التحرير فوجئ أبناء القبائل بالانفلات الديني و الأخلاقي المتصاعد والذي بلغ أوجه من خلال حركة الاستثمار المتزايدة في منتجعات سيناء، والذي يعتبر أشد وأفظع مما كان عليه الوضع أبان الاحتلال الإسرائيلي .

وأبناء سيناء مثلهم مثل باقي البشر، يتأثرون ويؤثرون، فهم في منطقة يحيطها الإرهاب من كل جانب، ويخضعون لمهادنة ومساندة للدول الراعية “لإرهاب الدولة المنظم” الذي يمارس علناً في دول الجوار ، وخميرة العنف موجودة في مصر، كما في غيرها، سواء توجه هذا العنف نحو عدو حقيقي، كما هو عليه الحال في الكفاح المسلح والمقاومة المشروعة، أو عدو وهمي، كما في الحرب المعلنة ضد الوطن العربي والعالم الإسلامي لمواجهة الإرهاب لتمكين القوى العظمى من السيطرة ، وأبناء سيناء ليسوا من كوكب آخر، وليسوا شعبا بلا مشاعر، أو بشرا بلا نخوة , فهم من سكان هذا الكوكب وهم من جنس البشر لهم حقوق كما لغيرهم ، وأصحاب نخوة إن لم تكن أكثر فهي تتساوي مع ما عند سواهم .  

الواقع أن هذا المخطط الأجنبي له أهداف بعيدة ستتحقق إذا لم نتنبه لها ونقف في طريق تحقيقها

ومن المرجح أن من وقف وراء هذه العملية أراد أن يوجه رسالة واضحة للعرب، مصريين وغير مصريين، يقول فيها: هذا هو حجم الوجود الصهيوني، المادي والبشري، في سيناء، وأبناء المنطقة من بدو سيناء يعيشون على هوامش مصر وحدودها، بالمعنى الحرفي والمجازي للكلمة , وفي الوقت الذي يعاني البدو فيه من شظف العيش وتسلط قوات الأمن التي تطاردهم ، فإنهم سيبقون  تجسيداً رمزياً للترحال العربي وللأعراف التقليدية , ولايزال السؤال ماثل أمامنا : الإرهاب في سيناء هل هو بداية أم نهاية ؟ .

صحيفة إيلاف اللإلكترونية 13-09-2005م  

الارهاب في سيناء هل هو بداية أم نهاية ؟ (الحلقة الثانية)

الإرهاب في سيناء هل هو بداية أم نهاية ( الحلقة الثانية )

ذكرنا في “الحلقة الأولى” من الإرهاب في سيناء هل هو بداية أم نهاية ؟ بعض المعلومات المهمة وهي التي تعطي تفسيراً منطقياً لبعض الأسباب التي أدت الى وقوع تفجيرات سيناء ونستطيع ان نوجزها في مايلي : الظلم الواقع على أبناء المنطقة , وكثرة الاعتقالات بين صفوف أبناءها , وثقافة العري التي إجتاحت المناطق السياحية , والتعدي على ثقافة وتقاليد أبناء المنطقة , ووجود ثغرات أمنية أدت الى فشل قوات الأمن في منع العمليات الارهابية .

وفي هذه “الحلقة الثانية” سنلقي مزيداً من الأضواء على معلومات أخرى لها جانب آخر مهم في تفسير الأحداث علنا نهتدي الى الحق ونتعرف على المزيد من أسباب الإرهاب المبني على الإستعداد الكامل للتعاطي مع الأسباب الحقيقية المؤدية إليه ومن أهمها «الظلم» السياسي والاجتماعي ودور السياسة الأجنبية أو المحلية وممارساتها في إشاعة الإرهاب وتوسيع نطاقه وتفريخ أجياله، وتدويله وتعميمه ولاسيما أننا لازلنا مستهدفين من بعض تلك الجهات الأجنبية و/ أو المحلية سواء كانت دول أو منظمات أو أفراد .

ومن يتابع الأحداث الإرهابية في العالم يعلم يقيناً إن أي حدث إرهابي له قرائن تشير الى أنه مدبر وقد قام على تخطيط مسبق ينفذ من خلال ثغرات أمنية لتحقيق أهداف معينة سياسية وإقتصادية وأمنية وإجتماعية ودينية وغيرها لذا فهو يعتمد على عدة عناصر أهمها التوقيت لتوصيل رسالة سياسية معينة في زمن معين ولطبيعة المكان إرتباط بهذا العمل الإرهابي .

فضرب المنتجعات السياحية له دلالة على ضرب السياحة من الناحية الإقتصادية والأخلاقية والدينية والأمنية والسياسية وغيرها كما أن ضرب برجي التجارة العالمية كان له دلالة على ضرب مفاصل الإقتصاد الأمريكي والعالمي والأمثلة على ذلك كثيرة إذ أن كل عمل إرهابي له تداعياته وأسبابه ونتائجه وردود الأفعال عليه .

وعندما ندعوا الى دراسة الأسباب فإننا في الواقع نريد أن يكون للحرب على الإرهاب جانبين جانب يعتمد على العقل وجانب يعتمد على العضل أي إستخدام السياسة والقوة في آن واحد فمن يجدي معه السياسة نحاوره بالعقل والمنطق ومن لايجدي معه هذا الأسلوب نحاربه بالقوة ولاينبغي التهاون معه بأي حال من الأحوال .

ولابد من إستكمال البحث عن المزيد من الأسباب لنتفهم الموضوع بشكل أكثر عمقاً ولايعني ذكرنا الى مزيد من هذه الأسباب أننا في مرحلة إتهام أطراف معينة بذاتها وإنما مرحلة دراسة أسباب وعرض معلومات كمن يقوم بعصف ذهني لسرد المزيد من الأسباب المحتملة .

لاينبغي أن نغفل ما يقوم به الموساد الإسرائيلي في منطقة سيناء وفي مصر عموماً من أعمال لتنظيم شباب للحصول منهم على معلومات أو محاولة تغذية التطرف الديني لديهم ليحققوا أهدافاً إسرائيلية بأيدي مصرية سواء من أبناء سيناء أو من غيرهم ومما يؤيد هذا القول الإعتقالات المستمرة لجواسيس للكيان الصهيوني في مصر أمثال شريف الفيلالى وعزام عزام ومصراتى وغيرهم مما أعاد فتح ملفات كثيرة ومنها العمل في الكيان الصهيوني والتطبيع .

ومن ضمن الخطط أيضاً ماقامت به إسرائيل أثناء إحتلالها لمنطقة سيناء لتزويج أبناء سيناء بصهيونيات وهي تتعلق بمستقبل الجيل الثاني والأجيال القادمة من هذه الزيجات المختلطة لإحكام سيطرتها على سيناء وتهويدها ولايزال هذا الحلم يدور في خيال المخططين في إسرائيل حتى بعد الإنسحاب من سيناء , وصولاً الى تهويد سيناء ودمجها جغرافياً وإجتماعياً عبر مواليد الأجيال القادمة وأكد هذا عدد من مشايخ بدو سيناء وإعترفوا بأن هذه الظاهرة تفاقمت في السنوات الأخيرة لاسيما مع إتساع ظاهرة سفر شباب مصريين للعمل في إسرائيل .

ولا يقتصر الخطر على سفر المصريين إلى إسرائيل، بل يمتد إلى جرائم الإسرائيليين في مصر وسيناء، وهناك العديد من المخالفات الجنائية منها تهريب المخدرات والعملات المزورة وتهريب الأسلحة والبضائع وتسليم مصر هؤلاء المجرمين إلى السلطات الإسرائيلية عبر منفذي رفح وطابا, ومعروف أيضاً إن أشد مايزعج إسرائيل هو النمو الاقتصادي أو الاستقرار السياسي والأمني في مصر.

وهناك فرضية تؤيدها عدة شواهد وقرائن مفادها أن منفذي التفجيرات ربما جاؤوا من بلدان مجاورة ولاتزال أجهزة الأمن تحقق مع عدد كبير من بدو سيناء ، للاشتباه بتورطهم في بيع المتفجرات المستخدمة عادة في المحاجر لمنفذي التفجيرات ومتهمين أيضاً بتقديم الدعم اللوجستي سواء كان ذلك بإتفاق مادي أو إتفاق أيديولوجي مع المخططين والمدبرين لتلك العمليات ، أو أن هناك عناصر من البدو قد انخرطت فكرياً في المنظمات الأصولية الراديكالية .

ولن تستثنى «القاعدة» بأي حال من الأحوال أو من تدبير مجموعة اسلامية مصرية صغيرة في الداخل تتبنى فكر الجهاد , ولاسيما أن القاعدة قد هددت بإستمرار العمليات الإرهابية في مصر إذا لم تتوقف مصر عن التعاون مع إسرائيل وتمنع دخول السائحين الإسرائيليين من الأراضي المصرية . وهذا التهديد مبني على إختراق أو إتفاق مع بدو سيناء . 

ويجب أن نضع في الإعتبار بعض التصريحات حيث إعتبرت حركة «حماس» ان ما حدث في طابا «نتيجة طبيعية امام هذا العدوان الإسرائيلي المتواصل، وحرب الابادة التي يمارسها الجيش الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني في كل يوم، اضافة الى العجز العربي والصمت الأوروبي والانحياز الاميركي والذي توج اخيراً بالفيتو لافشال مشروع تقدمت به الدول العربية لوقف العدوان».

ولماذا لا نبحث في امكانية ان يكون جهاز الموساد الاسرائيلي وراء تنفيذ الهجمات التي تعرضت لها منشآت مصرية سياحية في محافظة جنوب سيناء علي الحدود مع فلسطين المحتلة وراح ضحيتها العشرات من القتلي والجرحي , ولاسيما أن تل أبيب مستفيدة من وراء التفجيرات وتستطيع أن تجير معظم الأحداث لصالحها بإمتياز ولاسيما أنها لاتدخر وسعاً لكي تضرب حركة السياحة المصرية المزدهرة في مقتل ، وتظهر مصر امام العالم بانها دولة غير قادرة علي حماية أمنها . 

التنظيمات الإسرائيلية المتطرفة أمثال حركة ‘عوثارت نوش’ وغيرها وعبر العديد من المقالات التي تنشرها تطالب بإشاعة الفوضى وإضطراب الأمن في شبه جزيرة سيناء وأن زعماء هذه التنظيمات يعتبرون أن اليهود الذين يزورون طابا هم دنس يستحقون القتل لأنهم يساعدون ‘العدو’ المصري علي بناء إقتصاده، وأنهم ليسوا أكثر من خونة يجب القصاص منهم .

وبعض المحللين تطرقوا الى أن السياسة الخارجية لبعض الدول العربية والمشي وراء أمريكا هو السبب , كما أتهم بلير بأن سياسته التابعة لأمريكا هي التي أدت لإستهداف بريطانيا , وهذا أيضا كان الأثر الذي فهمه الأسبان فغيروا رئيس الوزراء بعد تفجيرات مدريد .

وبعد إستعراض كل ماتقدم سنلقي نظرة عامة حول بدو سيناء الرحل الذين لم يلتزموا حتى الآن بالحدود الحديثة للمنطقة، ولذلك توجد أعداد كبيرة منهم في صحراء النقب في إسرائيل وفي الأردن المجاورة , كان القرن العشرين وهذا القرن شديد الوطأة على البدو كما كان قاسياً على الرحل في كل مكان , فبوجود الحدود الصارمة للدول ، فقد البدو الرحل غالباً إمكانية السير على دروبهم التقليدية , ومع محاولة الدول لإحكام سلطتها وسيطرتها ، بدأت بفكرة توطين البدو بحيث تمكنهم من الإستقرار وتتمكن من السيطرة عليهم .

ومما لا شك فيه أن حياة البدو قد تغيرت الى حد ما ولاسيما أن شبه جزيرة سيناء رزحت تحت وطأة إحتلالات مختلفة وحدث تطور في صناعة السياحة في شبه جزيرة سيناء رغم المحاولات المتكررة من جانب البدو للمحافظة على عاداتهم وتقاليدهم ووجودهم معتمدين على الرعي وعلى الزراعة البدائية وعلى صيد الأسماك من البحر, أو العمل كأدلاء لمن يجتازون الصحراء أو لأولئك الذين يزورون جبل موسى , الذي يبلغ إرتفاعه 2285 متراً ويوجد أعلى قمتة كنيسة صغيرة وجامع ويحرص الزائرين على تسلق الجبل لمشاهدة شروق الشمس ويسمى جبل المناجاه حيث كلم الله نبيه موسى .

وقد حافظ آخرون من البدو على تجارة تهريب هامة من النقب والأردن والسعودية إلى مصر وتركت السلطات الأمنية البدو لحالهم ، مكتفية بالعلاقة مع عدد محدود من شيوخ القبائل , لممارسة السيادة  بقوة ، الى درجة أن البدو إعتبر أن هذه الممارسة للسلطة وبشكل متزايد كأنها إحتلال وذكرت عالمة أنثروبولوجيا تدعى آن غاردنر في العام 2000 عن تجربتها الممتدة لعدة سنوات مع البدو في جنوب سيناء قائلة: “لم أقابل بدوياً واحداً يعتبر نفسه مصرياً أو يعتبر أن سيناء مصرية ” وعندما وجد البدوي صاحب الأرض من أبناء سيناء نفسه محاصر بهجرة المصريين من وادي النيل إلى سيناء , بدأ يفكر ويتساءل عن الإرهاب في سيناء هل هو بداية أم نهاية ؟ . 

مصطفى الغريب – شيكاغو

الارهاب في سيناء هل هو بداية أم نهاية ؟ (الحلقة الأولى)

الإرهاب في سيناء هل هو بداية أم نهاية ؟ ( الحلقة الأولى )

تعتبر منطقة سيناء ذات بعد إستراتيجي لأنها حلقة اتصال بين مصر وبين السعودية والأردن وفلسطين وإسرائيل ولو تم اكتشاف المياه الكافية والثروات الطبيعية التي تزخر بها المنطقة لقامت بعض الجهات لتغذي بعض القوى للمناداة بالانفصال ولوكان أهلها من غير البدو الرحل لوجدوا من يقف معهم  ويدعمهم لإحداث شرخ داخلي لتنفيذ المخططات الرامية الى تقسيم العالم العربي وفقاً للنظرية القائلة تجزأة المجزأ وتفتيت المفتت أو ما سمي قبل ذلك بنظرية فرق تسد .

لقد خبت أصوات المنادين بالوحدة العربية واستبدلت بأصوات الحركات الإصلاحية وكأن المنطقة على موعد مع تقليعات سياسية من حين الى آخر , وفيما يتعلق بالحديث عن الإرهاب في سيناء فيتكرر القول القديم المتجدد وهو دراسة الأسباب تؤدي الى نتائج  إيجابية تفضي بحلول للقضاء على هذه الظاهرة المتزايدة باستمرار .

وعند مراجعتي للعديد من المقالات بعد أحداث الصيف الساخنة في كل من لندن وشرم الشيخ جذبني هذا النداء الى الأمين العام للأمم المتحدة ” لماذا لا تتدخل لإنقاذ بدو سيناء” وكأن المنادين أرادوا من حيث يعلمون أو من حيث لا يعلمون الى تدويل قضية المعتقلين من بدو سيناء خصوصاً وسكان المنطقة عموماً .

لتجد الأمم المتحدة أو بعض القوى العظمى تدخلاً صارخاً في المنطقة ولاسيما أنها حدود مجاورة لإسرائيل الذي يحرص العالم على بقاءها والمحافظة على أمنها رغم الأعمال المشينة التي تقوم بها والحديث عن الاعتقالات في سيناء التي شملت الآلاف من النساء والأطفال كرهائن للضغط على ذويهم بتسليم أنفسهم هي حديث صحافة إذا لا نجد ما يؤكد هذا القول إلا من خلال أخبار الملاحقات المستمرة للمطاردين من قبل رجال الأمن المصريين وحدوث مقاومة شرسة من قبل المطاردين والمتهمين بالأعمال الإرهابية الأخيرة في طابا وشرم الشيخ .  

إذ أن الدول غير الديموقراطية بدأت تفكر بنفس أسلوب الدول العظمى لضرورة وحتمية وجود عدو ينبغي محاربته , وبعد الفشل الذريع لمنع الإرهاب في منطقة سيناء رغم وجود معلومات تحذيرية مسبقة تؤكد وقوعها , بدأت الحملات بالمطاردة والاعتقال العشوائي وتعذيب الآلاف من أبناء سيناء لتشعل شرارة البداية وليس النهاية .

إن شبه جزيرة سيناء صحراء مجدبة فيها مساحات خضراء محدودة وزراعة تقليدية , ولم تكن سيناء خالية من السكان في يوم من الأيام , فقد كان هناك على الدوام قبائل البدو الرحل الذين يهاجرون ضمن سيناء وعبرها، ليست القضية قضية بدو في أساسها. ولكن الأكثرية الساحقة من الرجال وعائلاتهم الذين عانوا كنتيجة للاحتجازات الأمنية بعد التفجيرات كانوا من البدو.

يعيش بدو سيناء ظروفاً متداخلة , فهم يعملون بالقرب من المنتجعات المترفة وفي داخلها، بينما يعيشون دون مياه شرب وكهرباء أو حتى بنية تحتية , وهم يستفيدون من السياحة لكنهم مستغلون من قبلها , إنهم يعتمدون على السياح الأجانب محاولين المحافظة على ثقافة الترحال القديمة رغم استقرارهم في المدن والقرى ، وبدأ البعض منهم يتخلى عن الأعراف المحافظة التقليدية لصالح التفاعل مع سياح أجانب أقل تحفظاً بكثير مما أحدث إنشقاقاً وإنقلاباً على العادات البدوية الأصيلة .

بعد الاحتلال الإسرائيلي لسيناء ، بدأت الحكومة الإسرائيلية بتطوير جنوب سيناء لتكون مقصداً للسياح , وبعد أن أدرك البدو أن السياح يدفعون مالاً مقابل طعامهم وخدماتهم وبضائعهم ، بل حتى مقابل صورهم ، بدأ البدو ببيع تلك الأشياء. وقد تعززت السياحة في منطقة سيناء التي امتدت من شرم الشيخ إلى طابا كنتيجة لوجود المياه النظيفة والشواطئ الخلابة والخلجان الرائعة و”الثقافة البدوية التقليدية”.

بعد تحرير سيناء وعودتها الى السيادة المصرية سرعان ما وجد بدو سيناء أنفسهم على مفترق طرق. فقد انجذبوا إلى الأرباح الكبيرة والاستقلالية في العمل مع السياح، لكنهم اشمأزوا من سلوك السياح غير الأخلاقي وثقافة العري التي يتمتعون بها إذ لم ير السياح من جانبهم أي سبب لارتداء الملابس في “الطبيعة الخلابة ” .

بل أصبحت شواطئ سيناء مقصداً للعراة تحت مسمى السياحة فمن يا ترى يقلب المفاهيم لتصبح المقاومة إرهاباً والفحش طهراً وثقافة العري سياحة ويحتدم النقاش دوماً حول هذا الموضوع بلا نهاية في كل محادثة بين السياح العراة الذين يقصدون المناطق السياحية في سيناء وأفراد من البدو أصحاب البلاد الأصليين .

لكن المفاوضات كانت غير مثمرة… ولم يسمح للبدو أصحاب الأرض الأصليين بفرض قوانينهم على غيرهم من السياح الأجانب بحجة أن السياحة تعتبر من أهم مصادر الدخل .

وكانت بداية الإرهاب هو تفجيرات طابا وشرم الشيخ الأمر الذي شجع قوات الأمن على تشديد قبضتها على بدو سيناء.

وكانت سلطات الامن قد شنت حملة اعتقالات واسعة النطاق ضد بدو سيناء وخاصة في مدينة العريش بعد الهجمات التي وقعت في طابا وشرم الشيخ , ان هذه الحملات “لم تمنع وقوع جرائم جديدة بل انها على العكس حفزتها, وستكون بداية عمليات أخرى أشد شراسة طبقاً لنظرية الفعل ورد الفعل .

بعد الحادث الفظيع على الفور، اعتقلت قوات الأمن بطريقة عشوائية واعتباطية  آلافاً من البدو وعذب كثير منهم الأمر الذي جعل منظمة هيومان رايتس ووتش تصدر تقريراً بعد الانفجارات قالت فيه أن ما يقارب 2400 محتجز ما يزالون قيد الاعتقال.   

تواصل قوات الأمن حملتها الموسعة بمنطقة جبل الحلال بوسط سيناء لملاحقة المشتبه بتورطهم في الهجمات الأخيرة وقالت إن العبوات الناسفة التي تسببت في مقتل الضابطين المصريين كانت تحتوي على نفس نوع المتفجرات الذي استخدم في هجمات طابا وشرم الشيخ.

وتم الاستعانة بفرق مكافحة الألغام للتعامل مع الألغام والمواد المتفجرة التي زرعها المطلوبون  علي الطريق الذي تتقدم عليه قوات الأمن, وأقرت المصادر الأمنية أن عناصر مكافحة الإرهاب والقوات الخاصة تواجه مقاومة شرسة من الملاحقين .

لا يؤيد الكثير من المفكرين وعتاة المحللين السياسيين إلصاق (نظرية المؤامرة) بالأحداث التي تقع بين الحين والآخر ولكنهم يفضلون إرجاع الأسباب إلي سوء إدارة الصراع ، فالأمة العربية تعيش في (عالم من المؤامرات) منذ الحروب الصليبية الى احتلال إسرائيل لفلسطين وأسر الأقصى .

واجه بدو سيناء وضعاً فريداً من نوعه، حيث تغيرت القوى التي خضعوا لها عدة مرات من العثمانيين إلى البريطانيين إلى مصر ثم إلى إسرائيل ومن ثم عادوا للسيطرة المصرية عدة مرات جيئة وذهاباً. وفي الخمسين عاماً الأخيرة، احتلت إسرائيل سيناء في 1956، وسرعان ما سلمت إلى مصر مرة أخرى، ثم احتلت من جديد في عام 1967، لتسلم إلى مصر بشكل تدريجي من العام 1974 حتى 1982، حيث سلمت إسرائيل كل شيء ما عدا طابا، التي لن تعد إلى السيطرة المصرية حتى 1989.

المشكلة الأخرى التي تحول دون نجاح الحرب على الإرهاب في هذه المنطقة على وجه الخصوص وهي ان أكثر الدول غير مستعدة للتعاطي مع الأسباب الحقيقية المؤدية إليه، وهي «الظلم» السياسي والاجتماعي التي تشكل المحور الأساسي . فليس من المعقول أن نضع ولو بالإشارة الى دور السياسة الأجنبية وممارساتها، في إشاعة الإرهاب وتوسيع نطاقه وتفريخ أجياله، وتدويله وتعميمه .

إن الحملة تلقى مقاومة عنيفة , في وقت أعلنت فيه أجهزة الأمن توقيف معظم المشتبه في تورطهم بتفجيرات شرم الشيخ قدر عددهم مسؤول أمني بنحو 650 معظمهم من مدينة العريش على ساحل البحر الأبيض المتوسط وقد وجهت لهم تهمة تهريب المتفجرات والتجارة في تهريب المخدرات . 

ما يزال هذا الصراع الثقافي بانتظار الحل , يعرف كل سائح قضى وقتاً ما على الساحل الشرقي لسيناء ذلك المنظر الغريب للمرأة البدوية ، محجبةً بشكل كامل بثوبها الأسود الطويل، وهي تتجول لتبيع منتجات لسياح عراة أو شبه عراة , وهنا نود أن نؤكد حقيقة أن من يعتقل له قريب يأخذ على عاتقه عهداً بأن يقاوم حتى الموت أو أن يتم الإفراج عن أقاربه فهل الإرهاب في سيناء هو بداية أم نهاية ؟ .

مصطفى الغريب – شيكاغو

الحرب الاعلامية بقلم مصطفى غريب

الحرب الإعلامية                   بقلم د.مصطفى الغريب

للإعلام مكانة مرموقة وبارزة في هيكل الدول الحديثة، وأصبحت وسائل الإعلام بما لديها من تأثير في جميع نشاطات الدولة عنصراً أساسياً وحاسماً في التعبير عن الخيارات الداخلية والخارجية للدول والمجتمعات، وهي بذلك تقف على قدم المساواة مع أهم مؤسسات الدولة للمحافظة على مقومات السيادة والاستقلال الوطني هذا في السلم أما في الحرب فالدور المطلوب أكبر سواء كانت حرب باردة أم ساخنة .

وبعد هذه المقدمة نود أن نبرز أهم المحاور التي سنتناولها في مقالنا هذا لنلقي الضوء وبتركيز شديد على ما يدور في الساحة الإعلامية من مبارزات بين الكيان الصهيوني والدول الغربية المساندة له من جهة وبين عالمنا العربي والإسلامي من جهة أخرى وهو الذي لا يساند ولا يشد بعضه بعضاً مخالفاً للحديث الشريف الذي وصف المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاملهم مع بعضهم البعض كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا .

وما كان لهذا الكيان الصهيوني الغاصب أن ينشأ من العدم ويحتل بعض أجزاء من أراضي الدول العربية  إلا بعد القناعات الاستعمارية المستمدة من عداء للدين الإسلامي من جهة وعداء لأبناء هذا الدين أينما كانوا من جهة أخرى , فنحن في صراع أديان وطوائف شئنا أم أبينا وما الحملات الصليبية المتعاقبة في القرون الماضية إلا أكبر شاهد على ما نقول وما الحرب بين المشركين والمؤمنين إلا تأكيداً على أن هناك دار للكفار والمنافقين ودار للمسلمين والمؤمنين الموحدين بالله الواحد القهار .  

إن القوى الاستعمارية المساندة للكيان الصهيوني الغاصب ممثلة في الإدارة الأمريكية وبعض الحكومات الغربية وبعض من يوصفون بالشياطين الخرس الموالين للغرب الساكتين عن الحق أو الذين لا يجرؤوا في الحديث في وجه الطغاة والجبارين وهذا ما سيؤدي في النهاية إلى أفول نجمهم وصعود نجم أعدائهم بكل أصنافهم .

هذا التحالف بين أصحاب الطموحات الاستعمارية وأصحاب النظرية الصهيونية والمشروع الصهيوني تظهر مقوماته في التوجهات الإعلامية والحرب الإعلامية التي تشنها إسرائيل وحلفائها وتدعم التنظيمات الإرهابية لزعزعة الأمن في الدول العربية والإسلامية وهي الفزاعة التي تشهر في وجه من يريد أن يستقل بقراره ولهذا نجد أن المنطقتين العربية والإسلامية ( في فلسطين والعراق والسودان والصومال وأفغانستان وباكستان على سبيل المثال ) تعيشان حالة من الغليان القومي والديني والعقائدي بسبب سوء المعاملة والإهانات التي يتعرضون لها بشكل منظم من خلال حملات إعلامية لا تقل عن الحملات العسكرية التي تجري في الأماكن السابق ذكرها في هجمة شرسة على الدين الإسلامي والأنظمة العربية والإسلامية , وما حدث مؤخراً في الدانمرك من إساءة واضحة وصريحة من خلال نشر الصحف الدانمركية لصور كاريكاتيرية مسيئة للنبي محمد صلى الله عليه وسلم .

وفي نفس إطار الحرب الإعلامية فإننا نحذر من مشروع القنوات الإباحية الناطقة بالعربية والمدعومة من إسرائيل وحلفائها والتي تهدف إلى  تدمير عقول الشباب العربي لتنحرف اتجاهات بوصلته للبحث عن المتعة الجنسية وتقبل ثقافة الاستسلام والسير فيها والتخلي عن المقاومة والجهاد باعتبارهما إرهاباً .

وهنا يتبادر إلى الذهن السؤال التالي : لماذا لا تقوم مراكز الأبحاث العربية والتي تملك كفاءات وأصحاب خبرات بإعداد دراسة عن الإعلام العربي والتوغل الصهيوني فيه وسبل مقاومته ؟ .

ولماذا لانفعل ؟ كما تفعل مراكز الأبحاث الصهيونية التي تقدم دراسات وتخرج بنتائج تفيد الطرف الإسرائيلي في الصراع ولمصلحة الصهيونية ولماذا لا نتعلم وندرس ؟ كيف تحقق أهدافها والتي تجمع وتدرس المعلومات قبل نشرها لمعرفة مدى تأثيرها وردود الفعل من تلقيها.

ونحب هنا أن نوجه النقد لكثير من وسائل الإعلام العربية والإسلامية التي تأخذ عن الوكالات الغربية والصهيونية للإعلام من دون تدقيق وفحص لمحتوى الرسالة الإعلامية والهدف منها , كما أنه لا يوجد أي خطأ في أن يعرف المرء عدوه من خلال صحفه ووسائل إعلامه وليست جريمة أن يعرف كيف يفكر ، لكن الجريمة أن نأخذ المادة الإعلامية دون دراسة وتدبر في معانيها حتى لا نساهم في تحقيق أهداف العدو من دون أن نعلم كيف يمرر علينا الأراجيف والأقاويل ويصدقها مغفلوا العرب .

إن الصحف العربية تعج بالمقالات الصهيونية التي تنشر بدون تحليل أو دراسة أو قراءة متأنية وبشكل علمي , بل هناك تنافس بين الصحف على نشرها كيفما كانت , ولا يوجد انتقادات كافية لما ينشر ويبث في وسائل الإعلام وتفنيدها وإظهار زيفها .

وإلا لماذا هذا التسابق بين وسائل الإعلام العربية على استضافة الصهاينة وإدخالهم كل بيت في الوطن العربي الكبير ؟ , من الواضح أنه ليس هنالك من يريد توجيه رسالة للتأثير على الرأي العام الإسرائيلي ولكن خدعنا فكان التأثير الإسرائيلي أصبح فاعلاً ومؤثراً على الشعوب العربية فأصبحنا مستهدفين.

ولماذا لا تفهم على أنها محاولة إسرائيلية رسمية للتأثير على الشارع العربي ؟ فإسرائيل هي القوة الأكثر تنظيماً، وذات الأجندة الأكثر وضوحاً، وشارعها أقل تعرضاً للإعلام العربي من تعرض الشارع العربي إلى الرسائل الإعلامية والدعائية الإسرائيلية.  

كما أننا لا نرى في القنوات الفضائية العربية أي تشجيع كافي لنشر ثقافة المقاومة والجهاد والتي أصبحت في نظر المشاهد العربي إرهاب يجب محاربته بل أصبحت الفضائيات بوابة للتطبيع مع الصهاينة من حيث ندري أولا ندري فإن كنا ندري فتلك مصيبة وإن كنا ندري فالمصيبة أعظم .

وحتى ندلل على ضعفنا وعجز سياستنا الإعلامية وتبني العرب السلام كخيار إستراتيجي ولا تقوم وسائل الإعلام العربية بإجراء مقابلات مع الراغبين في السلام من الجانب الإسرائيلي والمعارضين للحكومات الإسرائيلية المتعاقبة والتي تتبنى الحرب شعاراً لها لتحقيق أطماعها التوسعية .

ونحب أن نؤكد هنا أن السياسة الإعلامية العربية التي تحرك تلك الوسائل هي السبب الرئيسي في دخول الطرف الآخر بيوت العرب الآمنة في الوقت الذي لا يسمح لنا بدخول بيوتهم ولو حتى من خلال وسائل إعلامهم  , وعلينا أن نسأل أنفسنا هل هذه الوسائل جزء من معركتنا مع الأعداء أم أنها بوابة لعبورهم اليومي إلى بيوتنا وعقولنا؟.

ومن خلال إطلاعنا على العديد من الدراسات والأبحاث عرفنا أن الدعاية الصهيونية تفهم كيف تخاطب الناس حسب مستوياتهم الاجتماعية والاقتصادية، وحسب توجهاتهم الفكرية والعقائدية، وانتهجت الدعاية الصهيونية أساليب متنوعة لمخاطبة الناس من أجل تحقيق أهدافها.

ولهذا فهي تستثمر شعور المواطن العربي في صياغة أخبارها الانتقائية وتمريرها إلى أذنه ووجدانه، ونجحت إلى مدى كبير «مع الأسف» في توجهها إلى المستمع العربي فكونوا يا عرب على مستوى الحدث ولا تساهموا في تحقيق الأهداف الصهيونية وإن كنتم غير راغبين في الحرب العسكرية فعلى الأقل خوضوا حرباً إعلامية لنشر قيمكم وتعاليم دينكم الإسلامي لتسود ثقافة المحبة والسلام والتعايش بين بني البشر .  

د. مصطفى الغريب