كذبة نيسان وضيعة تشرين

كذبة نيسان وضيعة تشرين

لو كنا في أبريل لاعتبرنا هذا الخبر هو الفائز الأول بكذبة نيسان، ولكن الحمد لله إننا في بداية ضيعة تشرين ومفاد الخبر يقول “الجيش اللبناني يتخذ تدابير تحسبا لإنزال إسرائيلي محتمل على المخيمات”.

بهذا الأسلوب الرخيص بدأت بعض القوى السياسية اللبنانية تبث أخبارها وجام غضبها على المخيمات الفلسطينية والعمل لنزع سلاح المخيمات تنفيذاً للقرار 1559 المفروض من قبل الولايات المتحدة بصفتها الرأس وفرنسا بصفتها الذيل.

وهناك من يريد أن يتسلق الساحة السياسية بعمل بطولي انتهازي ليجلس مرة على الرأس ومرة على الذيل ليخلط أوراق اللعبة السياسية في لبنان.

هناك من يعلن صراحة برفض احتفاظ الفلسطينيين بسلاحهم خارج المخيمات مدعوماً بضوء أخضر من قوى عربية وأخرى أجنبية ولهذا أصبح سلاح المخيمات الفلسطينية في واجهة الأحداث في لبنان حسب قول وكالات الأنباء.

وفي البداية سيكون المدخل هو الحوار لحل المسألة وإن لم يجدِ فنزع السلاح لا يتم إلا بالسلاح وإن كان ظاهر القول لا نية للحكومة بمواجهة الفلسطينيين أما الباطن فالله وحده أعلم به. 

من هنا يبدأ السيناريو “علينا حماية الفلسطينيين وتأمين الجو المناسب لهم من الناحيتين الإنسانية والمعيشية وتأمين فرص العمل حتى يستطيعوا العودة إلى بلدهم الأصلي”.

وهنا نتساءل لماذا الآن تعالت الأصوات لحماية الفلسطينيين وتأمين الجو المناسب لهم؟ هل هو الشعور بعقدة الذنب؟ أم هو الإقدام على عذر أقبح من ذنب؟

 واستكمالا للسيناريو ستتم الدعوة الى استخدام سوريا بالضغط على المنظمات الفلسطينية ليتم تخفيف الضغط عنها من قبل القوى الاستعمارية التي مازالت تقول إن الإجراءات السورية غير كافية.

ولن ترضى عن سوريا إسرائيل ولا أمريكا حتى تنفذ مخططاتهم وأحد هذه المخططات تصب في النهاية لتجريد الفلسطينيين من سلاحهم للتمكن منهم من جديد عبر مذابح جديدة.

فيبدوا في الأفق أن هناك مازال من هو متعطش لمشاهدة دماء المجازر البشرية خارج الحدود العراقية وفي دول الجوار.

ولزرع الفتنة بين صفوف الفلسطينيين أنفسهم لابد من الإشادة بأحد الأطراف والتهجم على الطرف الآخر لاستثمار نتائج الأحداث المأساوية الأخيرة بين السلطة وبين الجماعات المسلحة والتي راح ضحيتها نفوس بريئة بين قتلى وجرحى بالتأكيد على القول بأن السلطة الفلسطينية “ضد وجود البندقية الفلسطينية خارج المخيمات”.

وطبقاً لسياسة الخطوة خطوة سيبدأ الحديث عن سحب السلاح من خارج المخيمات وبعد أن يتم تنفيذ مراحل السيناريو المرسوم بعناية القوى العظمى وبدعمها اللامحدود سينتهي الأمر الى سحب السلاح من داخل المخيمات.

وسيتم تأجيل بحث مسألة سلاح حزب الله بصورة مؤقتة بصفته مسألة لبنانية داخلية، ولكن لن يترك هذا الحزب إلا بعد أن يسحب سلاحه أيضاً بحجة تنفيذ قرارات الأمم المتحدة التي يتم تنفذها على الضعفاء فقط.

وسيتبادل زعماء الطوائف في لبنان الأدوار بإطلاق تصريح من هنا وآخر من هناك وكأنهم أمراء حرب ليقول أحدهم نحن نرفض وجود السلاح الفلسطيني خارج المخيمات ونؤيد الحوار مع الفصائل بهذا الشأن.

مع التشديد على ضرورة حماية الفلسطينيين وأن تؤمن لهم السلطة اللبنانية الحد الأدنى من الحقوق المدنية.

وكلمة الحد الأدنى هي كلمة مطاطة قد تعني أن يبقى اللاجئ على قيد الحياة بدلاً من المجازر التي ستسيل منها دماء فلسطينية زكية جديدة على غرار مذابح صبرا وشاتيلا وقانا وتل الزعتر وبرج البراجنة وغيرها من الهولوكوست الفلسطينية.

 ولكن نحمد الله أن هناك مازال في لبنان أصوات شريفة نخاف عليها من الاغتيالات لأنها تعارض وترفض المطالبات بنزع سلاح المخيمات وسلاح حزب الله وفقا لقرار مجلس الأمن رقم 1559.

وهي ماتزال تؤكد على الحوار الداخلي اللبناني من واقع حرصها على عدم نشوب حرب أهلية لبنانية جديدة أو تنفيذ مخططات القوى الأجنبية والاستعمارية.

وبين هذا الشد والجذب بين القوى السياسية نجد هناك من أحب الرقص على الذيل الفرنسي ووفاء لهذا الحليف الإستراتيجي الذي أنقذه من حبل المشنقة ليرفع الصوت عالياً بالمطالبة بنزع سلاح المخيمات بالقوة واتهم الحكومة بالتساهل في هذا الأمر.

ولكن هناك من يقف له بالمرصاد كزعيم لأحد التنظيمات الفلسطينية المحسوبة على سوريا وهي التي تملك السلاح خارج المخيمات لينتقد الحصار الضاغط المفروض على مواقعها العسكرية في لبنان وبدأت ترفع من درجة التحذير ضد الحكومة.

ولهذا الأمر مدلولاته القوية لاستمرار سلسلة التفجيرات التي سوف يستفيد منها جميع الأطراف المتعارضة في المواقف والتصريحات لتتحول الى متناحرة أو متقاتلة.

لأن هناك من يؤمن بمسك السلاح كنواة لتحرير الأرض ولحماية العرض ولحفظ النظام ولفرض السيطرة ولمقاومة الأعداء أو ما يسمى سلاح الردع.

وخلية النحل تعمل في لبنان بشكل سريع فبينما يتدارس الفلسطينيون الأوضاع الخطيرة المستجدة في الأراضي الفلسطينية وفي لبنان ولاسيما أنهم يجدون أنفسهم في موقع المتهم بمحاولة اغتيال وزير الدفاع إلياس المر في لبنان.

وعلى الطرف الآخر من الخلية فقد شهدت مداخل المخيمات تغييرا أمنيا لوجستيا تمثل بإخضاع جميع السيارات الداخلة والخارجة لتفتيش دقيق.

وقد أثارت هذه التدابير جملة من التساؤلات، هل سيكون ملف المخيمات وسلاحها ضمن الخطوة التالية في تنفيذ القرار الدولي 1559؟ وهل اتخذت القرارات بتصفية المجموعات التي تتخذ من مخيم عين الحلوة مقرا لها، خاصة بعد اتهام الوزير المر لهذه المجموعات بمحاولة اغتياله؟

 وهذه التدابير الأمنية التي اتخذتها الدولة اللبنانية أثارت ردة فعل وغضب شعبي لبناني وفلسطيني، كان الشارع مسرحا لها عبر الاحتجاجات والاعتصامات بالنظر لما سببته هذه الإجراءات من مضايقات وأزمة مرور على أبواب المخيمات، كما أسهمت في تعطيل الحركة التجارية الاقتصادية والمعيشية هناك.

 ونتيجة لاختلال ميزان القوى بين العرب واليهود ولاسيما بعد الحرب على العراق والانسحاب السوري من لبنان وارتفاع وتيرة التهديدات ضد سوريا لم تترد إسرائيل وعلى مدار عقود من الاستخفاف بالقرارات التي أصدرتها الأمم المتحدة، بما في ذلك القرارات المتعلقة بعودة اللاجئين الفلسطينيين، أو تعويضهم، أو توطينهم، كحل لهذه المأساة الإنسانية، التي مضى عليها ما يزيد على سبع وخمسون عاماً. 

في أعقاب الحرب على العراق والتهديدات ضد سوريا وبعد انسحابها من لبنان بدأت الأصوات والدعوات لتنفيذ باقي شروط قرار الأمم المتحدة الرقم 1559 وفي مقدمتها نزح سلاح المخيمات الفلسطينية في مقابل منحهم الحد الأدنى من الحقوق المدنية في لبنان ومع تأزم عملية السلام على المسار الفلسطيني تتجدد التكهنات حول مشاريع (أميركية، إسرائيلية، فرنسية) لا يعارضها الفاتيكان لتوطين اللاجئين الفلسطينيين في لبنان مقابل حصول لبنان على مساعدات مالية سخية.

ويبدوا أن مشروع القرار 1559 سيكون من أقوى المشاريع السابقة للتوطين أو نزع السلاح والتي نود أن نلقي الضوء عليها في عجالة قصيرة فهناك مشروع شهير عرف باسم مشروع (جونسون)، حينما كان الأميركيون يحاولون أن يوجدوا مجالات عمل لـ 110 آلاف فلسطيني في أغوار الأردن، عبر مشاريع مائية، وكانوا يعتبروا أن ذلك سيؤدى إلى إسكانهم، وتوطينهم، وخلق مشاريع إنتاجية لهم، بما يلغى وضعهم كفلسطينيين، ويصبحوا مواطنين أردنيين، ولكن هذا المشروع فشل بسبب الفلسطينيين أنفسهم. 

ومن المشاريع التي فشلت أيضاً ما عرف بمشروع (أيزنهاور)، وقامت بسببه مشكلة كبيرة هزت المنطقة سواء في أحداث الأردن، أو العراق، أو لبنان وكان العامل الفلسطيني هو الرقم الصعب في إفشال هذا المشروع أيضاً.

ولذلك ما كان يبدو وكأنه قرارات دولية كبيرة بمشاريع توطين بعد أن احتلت فلسطين، وطرد شعبها لاجئاً، ونسي، ولم يكن هناك حركة وطنية فلسطينية في ذلك الوقت.

كان يبدو أمام الغرب بعض الفرص لتوطين اللاجئين ليبرز أن الرد الشعبي الفلسطيني كان يقاوم هذا الأمر ويرفضه.

وعليه لزم الفصل بين قضية التوطين، وقضية نزع سلاح المخيمات، وقضية اللاجئين الفلسطينيين، وأوضاع المخيمات المأساوية والشاذة على المستوى المعيشي والإنساني والتي لا يستطيع لبنان وحده تحمل أعباءها.

وإنما تعاون دولي جدي تام لإنقاذ هذه المخيمات من الانهيار قبل أن تقرع طبول الحرب لنزع سلاح أبناء المخيمات والمبني على تفاهمات اتفاقيات الطائف التي تريد أطراف عديدة الالتفاف عليها بعد مقتل عرابها الرئيس رفيق الحريري ومساندها وداعمها جلالة الملك فهد طيب الله ثراه.

وهنا نؤكد على أن الشعب اللبناني والفلسطيني إذا أراد أن يرفض القرارات الدولية فلابد أن يستجيب القدر ولن يتحقق تنفيذ هذه القرارات إلا بعد أن يمتلك هذا الشعب بأيديهم حقوقهم المدنية لا عطاء , ولا منة , ولا استجداء , وينعموا بها وإلا فلن ينعم الأمن في لبنان ولا في المنطقة ولن تستطيع قوة على وجه الأرض أن تسحب سلاحهم بدون موافقتهم.

فالسلاح هو الحياة فمن يتخلى عن سلاحه فقد تخلى عن حياته، ولن تجدي نفعاً الخطط والسيناريوهات التي ترسم من وراء الكواليس مالم تحقق بالتفاهم الحد الأعلى من الأمن والحقوق المدنية كحقيقة واقعة لا كذبة نسيان وبداية ضيعة تشرين.

صحيفة إيلاف الإلكترونية 10-10-2005م

مصطفى بن محمد غريب