الحرب الديموغرافية في الوطن العربي هل بدأت؟

الحرب الديموغرافية في الوطن العربي هل بدأت؟

إن الحديث عن تعديل قوانين الجنسية في العالم العربي قد بدأ منذ عدة سنوات، ولكن ذلك لم يأخذ الصبغة الرسمية في مختلف دول العالم العربي إلا منذ وقت قصير.

ويمكن تحديد زمن بداية الحديث عن تطوير هذه الأنظمة مع بداية توجه زعماء العالم العربي للسلام كخيار إستراتيجي وهو في الواقع خيار ظاهره عقلاني رشيد وحقيقة جوهره عجز وضعف شديد.

وإن كان السلام مطلب سام لجميع الدول والشعوب التي ترغب في الاستقرار الاقتصادي ومن ثم الاستقرار السياسي حتى تبدأ بالتطوير واستمرار مرحلة البناء.

وقد يتعذر علينا تحديد تاريخ البداية فقد تكون منذ زيارة الرئيس السادات الى القدس وبداية اتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية وقد تكون البداية منذ نهاية حرب الخليج الثانية وتحرير الكويت.

وهذا التاريخ هو بداية دخول العالم العر بي في نفق مظلم وقد نسميه بداية الحرب الديموغرافية بين شعوب المنطقة بتأثير من السياسيات الحكومية التي انقسمت أراء زعمائهم وتوجهاتهم بين مؤيد وبين معارض.

ولكن على جميع الأحوال فإن الزلزال قد حصل ونتائجه الكارثية لم تنتهي بعد واستمرت الأحداث من سيئ الى أسوأ الى أن جاء الزلزال الأكبر وهو زلزال الحادي عشر من سبتمبر ٢٠٠١ م في نيويورك وواشنطن.

وما تلى ذلك من أحداث دموية في أفغانستان ومن بعدها العراق ولازال هذا الزلزال وتوابعه وردات فعله جعلت الكثير من الحكومات تتخبط في وحل هذا البركان الذي أفرز ومازال يفرز جماعات إرهابية وجماعات مقاومة.

فاختلط المعنى بين مفهومي الإرهاب والمقاومة حتى بين رجال السياسة ورجال القانون كما اختلط مفهوم الجهاد بين كبار علماء المسلمين وكل منهم له رأيه وتفسيره بالرجوع الى نصوص من الكتاب والسنة. 

وهذه المقدمة ماهي إلا سرد سريع قبل الدخول في صلب موضوع الحرب الديموغرافية بين شعوب المنطقة العربية كتأثير مباشر للسياسات والأنظمة المتبعة في هذا الشأن في كل دولة عربية على حدة.

ولن ندخل في تفاصيل ما يحدث في كل دولة عربية وإنما سنذكر ذلك على سبيل المثال حتى لانتهم بالانحياز لفئة أو لطرف على حساب الطرف الآخر.

ولكن هناك بكل تأكيد خطط وبرامج موضوعة في كل دولة حسب ظروفها الاجتماعية والسياسية سواء الداخلية منها أو الخارجية أو فيما يتعلق بالأمن الخاص للسلطات الحاكمة بها فكل دولة أدرى بظروفها الداخلية.

والكثير من القيادات ترغب في إحداث الكثير من التغيير والتطوير، ولكن لا يقدمون على ذلك بصورة ثورية أو سريعة حتى يمكن السيطرة على هذا التغيير وقياس نتائجه من وجهة نظرهم.

وهذا هو سر من أسرار التقدم البطيء نحو الديموقراطية والحرية والتطور في كثير من الدول العربية وهو نفسه السر في احتفاظ القيادات العربية بأنظمتها وسلطاتها الى أطول فترة ممكنة.

إذا لم يكن هناك تدخلات خارجية لإزاحة هذا النظام أو ذاك فالتغيير بدأ من الخارج في حالتي أفغانستان والعراق لتغيير أنظمة الحكم وكذلك سيبدأ التغيير من الخارج في مسألة الحرب الديموغرافية التي يتم التحضير لها في واشنطن.

ولكن التنفيذ سيبدأ من الداخل وفي هذا الحالة لا نستطيع الإنكار أن هناك تخطيط متفق عليه لتغيير التركيبة السكانية لجميع الدول العربية لإشعال حروب ونعرات طائفية وإقصاء المواطنين الأصليين.

وهذا بحد ذاته ليس جديدًا على أجزاء كبيرة من الدول العربية وبلا استثناء ولينظر كل باحث الى بلده وما يحدث فيها من إقصاء.

وإذا كانت أحداث الشرق الأوسط وحروب الخليج المتعاقبة قد أفرزت كتاب صدام الحضارات وإعادة بناء النظام العالمي لمؤلفه صموئيل هنتنغتون في عام ١٩٩٦م وهو تطوير لمقالة نشرت في مجلة العلاقات الخارجية صيف عام ١٩٩٣م.

وفي هذا الكتاب أفكار نظرية عن فكرة الحضارات وإشكاليتها والعلاقة بين القوة والثقافة وتوازن القوة المتغيرة بين الحضارات والتأصيل الثقافي في المجتمعات والأصولية الإسلامية وأسباب وديناميات حروب خط الصدع بين الحضارات.

فيمكنني أن أ قول أن نفس الأحداث وما يتبعها من امتداد للزلزال في واشنطن ونيويورك في ١١ سبتمبر ٢٠٠١م والذي أصبحت بغداد المركز الجديد لامتداد الزلزال السالف الذكر، سيخلق صراع بين الطوائف المختلفة.

ومما نتنبأ به هو أن صراع الحضارات سيتحقق وصراع الطوائف والنعرات سيتحقق أيضًا.

وهذه الأحداث ستفرز كتبًا في صراع الطوائف والنعرات، بل والحروب الأهلية أيضًا، أما بخصوص الإقصاء فيمكننا القول، إن هذا الإقصاء ليس جديدًا في معظم البلاد العربية فهو في حقيقة الأمر صراع على السلطة وتسلط فئة أو طائفة على أخرى في هذه الدولة أو تلك.

وبعداً عن الديموقراطية وقربًا من الاستعباد والطغيان بجميع أشكاله، ابتداء من الدول المتقدمة وانتهاء بالدول المتخلفة والتاريخ أكبر شاهد على تفريغ كثير من الدول من سكانها الأصليين ونشوء أنظمة وحضارات وحكام ورؤساء ليسوا أصلاُ من سكان البلاد التي يحكمونها. 

والأمثلة في التاريخ كثيرة ابتداء بالفتوحات الإسلامية الى الدول الاستعمارية الى الخلافة العثمانية الى الحكام الذين ينتمون الى قبائل في الجزيرة العربية ويحكمون دولاُ في الخليج العربي.

الى طوائف أقلية عرقية تحكم أكثرية سكانية في بعض الدول العربية الى قضية الصراع العر بي الإسرائيلي وكثيرًا قرأنا في كتب التاريخ أبناء قبيلة معينة وطئت أقدام بلد ما حتى أصبحوا حكامًا عليها.

ومن ثم استقدموا بني جنسهم في بلد معينة واستقروا فيها وحتى تصير لهم الغلبة تبدأ قضية الإقصاء أو الترانسفير المصطلح الإسرائيلي والغربي لعملية الإقصاء والتهجير وما هو إلا تخطيط لتغيير التركيبة السكانية للبلد وإقصاء المواطنين الأصليين.

ويتم ذلك في هذا العصر بما يسمى خطط التجنيس والتوطين وتختلف قوانين التجنيس من دولة الى أخرى بما يخدم مصلحة الحكام وليس بما يخدم مصلحة الدولة بشكل عام.

وما من شك أن الدول التي عانت من نير الاستعمار لازالت تعاني من السياسات التي رسمها الاستعمار لهذه البلد أو تلك قبل أن يغادر البلاد ومن هذه السياسات هي سياسة فرق تسد.

فكانت الدول الاستعمارية تتولى جلب بعض المتعاونين معها ومنحهم القوة والسلطة والمال ومن ثم تثبيتهم حتى أصبحوا مع مرور الزمن حكامًا ومواطنين ولهذا السبب نشأ في بعض الدول التفريق بين التجنيس والجنسية.

أي أن هناك مواطن درجة أولى ومواطن درجة ثانية أو هذا مواطن برقم وطني وهذا مواطن بدون رقم وطني وهذا بدون أي لا يرقى الى درجة المواطن.

وجميع هذه الأمور تفرز روائح نتنة وستحدث مستقبلا حربًا ديموغرافية بين سكان البلاد.

ففي الحقبة العثمانية زمن الخلافة كانت الدول العربية ضمن إطار حدود دولة الخلافة الإسلامية ولم تكن هذه التقسيمات نشأت بعد.

ومن ضمن السياسات التي قامت بها الدول الاستعمارية هي رسم الحدود على الخرائط وبطريقة تنشأ من ورائها النزاعات على الحدود فلا توجد دولة عربية رسمت حدودها بطريقة صحيحة وسليمة.

ولذلك تغذت النزعات العرقية والطائفية التي ستؤدي إن عاجلاً أم آجلاً الى أهداف التخطيط الاستعماري بعد جلائه ورحيله.

ففي حقبة الاستعمار البريطاني لا توجد دولة رزحت تحت الاحتلال البريطاني إلا وتعرضت لمشاكل حدودية مع دول الجوار ونفس المثال ينطبق على الاستعمار الفرنسي أو الإيطالي أو البرتغالي أو غيرها . وستأتي مرحلة استعمارية جديدة بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية بحجة الدفاع عن الحرية والديموقراطية ومحاربة الإرهاب والبحث عن أسلحة الدمار الشامل.

وهكذا يقول بوش الابن في خطاب ولايته الثانية ” طالما ظلت مناطق بأكملها في العالم مضطربة بالظلم والطغيان، فسوف يوجد العنف ويتكاثر ليشكل قوى مدمرة، وسيتخطى أكثر الحدود تحصنا ويمثل تهديدا مميتا.

إن أفضل أمل للسلام في عالمنا هو نشر الحرية في كافة أنحاء العالم، ولذلك فان سياسة الولايات المتحدة هي السعي لدعم نمو الحركات الديموقراطية والمؤسسات والثقافة في كل امة.

بهدف إنهاء الطغيان والديكتاتورية بشكل كامل في عالمنا ” انتهى كلام بوش.

وهنا نستطيع أن نؤكد أنها بداية الحرب الديموغرافية في الوطن العربي ولهذا قلنا إن التغيير سيبدأ من الخارج، ولكن التنفيذ سيبدأ من الداخل.

وعليه يؤكد بوش ” ولن نفرض أسلوب حكمنا على من لا يريده، وهدفنا البديل هو مساعدة الآخرين على أن يكون لهم رأيهم وصوتهم والحصول على حريتهم وشق طريقهم بأنفسهم “.

وهي دعوة لانطلاق شرارة الحرب الديموغرافية والدليل على ما نقول هو النص التالي الذي ذكره بوش في خطاب ولاية العرش الثانية ” كل من يعيشون تحت الطغيان بلا أمل يمكنهم أن يعلموا : الولايات المتحدة لن تتجاهل قمعكم أو تسامح قامعيكم، وعندما تطالبون بحريتكم وتدافعون عنها سنقف معكم ونساندكم. “

صحيفة أيلاف الإلكترونية 22-يناير-2005م

مصطفى بن محمد غريب