هجرة جديدة للفلسطينيين، ولكن الى أين؟
بعد هزيمة الايام الستة عام 1967م استولى على الساحة السياسية العالمية شعارين أحدهما كان شعارا للعرب ادفع ريالا تنقذ عربيا والآخر كان شعار لليهود ادفع دولارا تقتل عربيا.
ولقد حققت هذه التبرعات الكثير من أهدافها لكلا الطرفين، ولكن أحد الاطراف استفاد أكثر من الطرف الاخر وهذا ما ظهر جليا من تفوق إسرائيل في شتى الميادين على العرب حتى أصبح ميزان القوى لصالح إسرائيل.
وبدأت الدول العربية في الاستعدادات للمعركة التالية وبدأت حرب 1973م وتحقيق العرب فيها بعض الانتصارات وهنا أدركت مصر بعد أن خاضت الحرب وشاهدت الجسر الجوي من أمريكا لدعم إسرائيل فتم وقف إطلاق النار.
وبدأت الامور تأخذ طابع التهدئة ثم أصبح هناك تحولا جذريا في طبيعة الصراع ابتدأ بزيارة السادات للقدس وخطابه الشهير في الكنيست الاسرائيلي وما تلى ذلك من اتفاقية كامب ديفيد التي انسحبت بموجبها إسرائيل من جميع الاراضي المصرية بعد مفاوضات شاقة وطويلة.
وبدأت الاختلافات في التوجهات العربية وانقسام العرب بين مؤيد للسلام ومعارض له وتجلت حدة الاختلاف بنقل مقر الجامعة العربية من القاهرة الى تونس الامر الذي أدى الى عزل مصر عن محيطها العربي لفترة من الزمن.
ثم جاءت حرب الجنوب اللبناني واحتلال إسرائيل لجنوب لبنان ووصولها الى العاصمة بيروت وما نتج عن ذلك من طرد منظمة التحرير والفصائل الفلسطينية الى مختلف الدول والجزء الاكبر الى تونس.
وبدأت المقاومة اللبنانية تتصاعد حدتها حتى تحرر الجنوب اللبناني وبعد حرب الخليج الثانية طرأ تحول في فكر منظمة التحرير.
وبضغوط سياسية ودبلوماسية أمريكية عقد مؤتمر مدريد وبعده بدأت المفاوضات السرية بين منظمة التحرير وإسرائيل في أوسلوا الى أن تم توقيع اتفاق أوسلوا وأصبح هناك مفاوضات مباشرة بين إسرائيل والفلسطينيين.
وتطور الامر الى أن كانت مفاوضات كامب ديفيد الثانية التي كانت قاب قوسين أو أدنى الى الاتفاق، ولكن لم يصل الطرفان الى أي اتفاق سواء كان بتعنت طرف أو الطرفين أنفسهم المهم لم يتم التوصل الى اتفاق وفشلت المفاوضات.
وبدأت الانتفاضة الفلسطينية الثانية بعد زيارة شارون الى الحرم القدسي الشريف وتلاحقت الاحداث بسرعة مذهلة وفجأة حصلت أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م بعدها تغيرت المفاهيم والمصطلحات.
ولم يستطيع العالم ولا الامم المتحدة من الاتفاق على تفسير الارهاب، بل اصبح لكل بلد تفسير خاص به، وبدأت حرب أفغانستان ثم تلاها حرب العراق وأحتل العراق.
ومن يقرأ التاريخ جيدا سوف يتضح له فيما بعد أن هناك حملة منظمة ضد الفلسطينيين والدول العربية على إثرها ستتهم هذه الدول واحدة بعد أخرى لقيامها بدعم المقاومة.
الامر الذي يفسره الصهاينة ومناصريهم بأن التحويلات المالية تدعم الارهاب الامر الذي سيتخذ ذريعة للقيام بعمل ما ضد هذه الدولة أو تلك لتحقيق هدفين الاول وقف الدعم والثاني الضغط على المقاومة لإيقاف الانتفاضة الفلسطينية.
وبهذا يتأكد نجاح السياسة الصهيونية في إرهاب الحكومات والشعوب العربية والاسلامية بمساعدة أمريكية ومازالت إسرائيل تعمل بجد لضم مزيد من الاراضي الفلسطينية.
وبناء الجدار العازل وتشرع حاليا لشق النفق العازل على طول الحدود المصرية لتحقيق عدة أهداف منها وقف تهريب الاسلحة الى الجانب الفلسطيني.
وإحراج مصر بأنها لا تقوم بما فيه الكفاية لمنع هذا التهريب وأخيرا لتحكم قبضتها على ما تبقى من أرض فلسطين وهي تظهر للعالم بأنها تنوي الانسحاب من قطاع غزة.
ولا يبدوا أن هناك في الافق حل لمشكلة اللاجئين وحق العودة بعد ما اتفق شارون وبوش على إلغاء هذا الحق.
واعتمادا على تنازلات وردت في مبادرة جنيف الذي قيل عنها أنها مبادرة شخصية، ولكن في الوقت نفسه يزداد عدد اللاجئين الفلسطينيين في بلادهم وفي المهاجر والمخيمات وفي الشتات.
وبدأت الروابط تتلاشى فيما بينهم وهذا يؤدي حتما الى التخلي عن حق العودة إما رغبة في النجاة أو خوفا من الاضطهاد وبالتالي الانصهار في المجتمعات المختلفة أينما وجدوا.
ورغم أن التوطين آت لامحالة ولكن يبدوا أن الشعور بالانتماء الى هذا الوطن من شدة الضغوط بدأ يتلاشى تدريجيا عند الكثيرين رغم وجود الوثائق التي تؤكد الحق الفلسطيني في مساحة مثبتة تاريخيا بمقدار (27009) كيلو متر مربع.
وهو ما نصت عليه الكثير من الوثائق وهي مودعة في الامم المتحدة، ولكن جميع قرارات الامم المتحدة ومجلس الامن لن تجد طريقها الى النور مادامت لا تخدم مصلحة إسرائيل.
ولا يوجد هناك قوة إقليمية أو عربية أو إسلامية تدعم هذه القرارات، وإذا لم تتضافر الجهود فسيكون هناك احتلال لمزيد من الاراضي العربية المجاورة بحجة ملاحقة الفلسطينيين.
ولهذا لم تدرك الدول العربية أن قرار الجامعة العربية بعدم تجنيس أو توطين الفلسطينيين جاء من مصلحة إسرائيل لتجد لها ذريعة لملاحقتهم داخل حدود الدول العربية المجاورة.
كما كانت تفعل تركيا لملاحقة الاكراد داخل الاراضي العراقية، وبدأت بوادر ذلك تظهر في الحملة على سوريا من خلال قانون معاقبة سوريا ومطالبتها بطرد الفلسطينيين ومنظماتهم والانسحاب من لبنان.
وعليه ينبغي على الفلسطينيين الاستعداد لهجرة جديدة الى دول غير عربية لتحقيق هدفين اولهما التخفيف من معاناة العرب لأن بقاءهم في الدول العربية سيزيد من معاناة هذه الدول.
والهدف الثاني طلبا للحماية من دول غير عربية التي تسمح قوانينها المستنيرة بإعطاء حقوق المواطنة لمن يقيم فيها.
وبالتالي حصولهم على حقوق حرموا منها عشرات السنين على أيدي إخوانهم في العقيدة والدين واللغة وبذلك يكون قد تحقق لهم حماية أنفسهم من الملاحقات المستمرة من أعداءهم الامر الذي يجوز أن نسميه استراحة محارب.
مجلة فلسطين 05-أكتوبر-2004م
مصطفى بن محمد غريب
