السياسة الديموغرافية العربية تساهم في بناء دولة إسرائيل الكبرى

السياسة الديموغرافية العربية تساهم في بناء دولة إسرائيل الكبرى

قد يبدوا هذا العنوان غريبًا، ولكن الغريب هو كيف تفكر الدول العربية في مستقبلها، ولو ضربنا المثل في إسرائيل التي تسعى جاهدة الى التفوق الديموغرافي ليس على الفلسطينيين فحسب وإنما على الدول العربية مجتمعة.

بعدما تحقق لها التفوق العسكري بعد اعتمادها على سياسة توازن القوى مع جميع الدول العربية وكما تسعى أيضًا الى جلب المهاجرين من كل مكان وهي تعلم أن جميع القادمين ليسوا يهودًا.

وعلى سبيل المثال فإن المهاجرين الروس الى إسرائيل والذين بلغوا نسبة ١٥ – ١٨ % من إجمالي سكان إسرائيل وهو ما يعتبر أكبر نقلة ديموغرافية في تاريخ الدولة العبرية وهو بمثابة المدد القادم في الحرب الديموغرافية الدائرة حاليًا ضد جميع الدول العربية.

ولنا أن نتخيل عدد المهاجرين الى إسرائيل خلال عقد من السنوات وهو ما يقدر بمليون مستوطن وهو ما يزيد على تعداد دول الخليج مجتمعه ماعدا السعودية.

وهذا الذي دعانا الى التساؤل والتعجب بكيف تفكر الدول العربية بمستقبلها وخصوصًا الدول الخليجية التي لازالت تر فض زيادة عدد سكانها عن طريق منح الجنسية لكثير من المسلمين من الطبقة العاملة ومن العلماء وهي قادرة ماليًا على الإنفاق وعلى الاحتواء ولاسيما أنهم مسلمون ويتحدثون العربية.

ومن العجب أن إسرائيل تستقدم المهاجرين من شتى بقاع العالم ويتكلمون جميع اللغات ولا يدينون باليهودية والحكومة الإسرائيلية على علم بذلك.

وهذا ما أكده رئيس الحكومة الإسرائيلي الأسبق “إسحق رابين ” في موسكو حين سأله أحد الصحافيين الروس: “هل تعلمون أن عددا كبيرا من المهاجرين إلى إسرائيل من روسيا ليسوا يهودا؟ ” فأجاب رابين : “نعلم ذلك .. ولا تقلق عليهم، سوف يصبحون يهودا”!

ومما يلفت النظر والانتباه الى وجود نسبة مرتفعة تصل من ٢٣ %- ٢٥ % منهم من الفئات المهنية المؤهلة للنهوض بأي مجتمع كالعلماء في شتى الميادين والأطباء، والمهندسين، والتربويين، والعسكريين.

ويكفي أن نعلم أن نسبة ذوي التعليم العالي لدى المهاجرين الروس تصل الى أربعة أضعاف نظيرتها الى بقية الإسرائيليين وهذا ما أدى الى زيادة نتيجة نسبة المؤهلين أكاديميًا في إسرائيل لتقترب من ١٥ % من إجمالي عدد السكان لتصبح دولة من أهم الدول التي تضم السكان الأكثر مهارة في العالم.

وكذلك الدول الغربية رغم أنها تعامل المهاجرين العرب بطريقة إنسانية وتوفر لهم الحياة الكريمة إلا أنها تستفيد من وضعهم كجماعات ضغط على الدول العربية لتنفيذ سياساتها أو قد تستفيد منهم للعودة ضمن الحملات العسكرية.

وهذا المثال يبدوا جليًا في شن الحرب على الإرهاب وقدوم أعداد كبيرة من المجندين العراقيين للمشاركة في إطاحة النظام الديكتاتوري في العراق وهذا ما قصدنا به التغيير من الخارج ولكن التنفيذ من الداخل في مقال سابق.

وما كان لمثل هذه الأزمات أن تحدث لو أن الدول العربية تعتمد على الدستور الإلهي في كل النواحي، بل أن معظمها يفتقد الى دستور عام لتنظيم شؤون حياتها والى مجالس شورى منتخبة، بل أن معظمها بالتعيين وكثير من هذه الدول تعتمد بما يسمى قانون الطوارئ أو قانون الأحكام العرفية سواء تم الإعلان عنه أو لم يتم.

فقانون الطوارئ هو القانون السائد في معظم الدول العربية فالشعوب مغلوبة على أمرها وطالما اعتمدنا على قوانين الطوارئ فنحن نعتمد على قوانين غير عادلة.

وعليه فإن أنظمة الجنسية تعتمد على إقصاء المثقفين والعلماء وإحلال المهاجرين غير المثقفين محلهم فالجنسيات تعطى طبقًا لمصلحة السلطة وليس لمصلحة الدولة.

وغالبًا ما يحصل طالب الجنسية العربية بالواسطة أو بالرشوة أو بالتزكية أو بالعلاقات الشخصية مع أصحاب القرار أو بالمحسوبية وهناك ما يعرف بنظام الحالة أي أن الجنسية لا تمنح بنا على المؤهلات العلمية أو تطبيق مواد النظام كشرط عدد سنوات الإقامة أو الولادة أو غيرها ولكن تدرس كحالة بغض النظر عن شروط انطباق النظام على هذه الحالة أم لا.

وكثيرًا ما نجد تعديًا أيضًا على النظام كتجنيس الرياضيين أو تجنيس بعض الشخصيات بما تتمتع بعلاقات مع المسؤولين وأصحاب القرار وهنا يكون التمييز في المنح ولهذا تسمى منحة أو مكرمة ولا تعطى درجة من الاستحقاق حسب النظام.

بل ويجوز للدولة أن تسحب هذه الجنسية متى شاءت ولو بوشاية من حاقد أو مغرض أو لأسباب أخرى.

ورغم كل الإجراءات والاحتياطات المتبعة بهذا الشأن إلا أن المشاكل الديموغرافية تزداد تباعًا وخصوصًا فيما يتعلق بالتركيبة السكانية الديموغرافية وهذه تتفاوت في نتائجها السلبية من بلد عربي الى آخر.

وهذا ما يظهر جليًا في الدول العربية وتقف كثير من المنظمات أو الهيئات عاجزة عن إيجاد حلول لمثل تلك المشكلات التي سوف تكبر وتتفاقم في المستقبل.

وسوف يتكرر ما حصل في العالم مثل مشكلة البوسنة والهرسك أو مشكلات التطهير العرقي في كثير من الدول.

وتقف الجامعة العربية ومجلس التعاون الخليجي موقف المتفرج العاجز الذي يغض النظر عما يجري من ممارسات تسير باتجاه طمس وتغيير التركيبة السكانية الديموغرافية.

فهل فكرت الدول العربية بالمهاجرين العرب الى أمريكا وكندا وأستراليا والدول الأوروبية والذين أصبحوا من علمائها ومثقفيها، وأصحاب الأعمال ،والمصانع والمفكرين.

ومن الغريب أيضًا أن الدول العربية لا تستطيع استغلال الفرص فعند تفكك الإتحاد السوفيتي بعد أن تبنى الرئيس السوفيتي الأخير جورباتشوف ما عرف بسياسة البيرستيروكا (إعادة البناء) ورفع الحظر عن هجرة العلماء السوفييت.

ومنهم علماء مسلمون أيضًا وكان لديهم استعداد للتوجه الى الدول الغنية بحثًا عن حياة أفضل، ولكن الدول العربية تأبى إلا أن تكون في مؤخرة الدول.

وهو ما دعانا الى تسميتها دول العالم الأخير وليس دول العالم الثالث، ولننظر كيف استغلت إسرائيل هذا الموقف وعملت على تسهيل إجراءات السفر والإقامة والعمل مما دفع بمئات الآلاف الى الهجرة الى إسرائيل.

وهو نفس السيناريو الذي أتبع في موجات الهجرة الصهيونية من أجل الاستيطان في فلسطين.

فكأنما العرب لا تقرأ التاريخ جيدًا وهذا ما يدعونا للتساؤل لماذا لا نسهل إجراءات الهجرة واستقطاب العلماء للنهوض بعجلة التنمية؟ بدلاً من سياسة الإقصاء والتهجير للمثقفين والعلماء وأصحاب رؤوس الأموال التي تجعل الكثير من الكوادر العربية والإسلامية تذهب الى الغرب.

في الوقت الراهن ثم الى إسرائيل بعد عقود لتتمتع بقوانين تحمي عقولها وتحمي رؤوس أموالها فلا أنظمة للكفالة ولا أنظمة للاستقدام ولا أنظمة لترحيل الوافدين حتى ولو كانوا من العلماء البارزين.

وليس بمستغرب أن يهاجر غدًا علماء عرب الى إسرائيل بدلاً من الهجرة الى أمريكا وكندا وأستراليا والدول الأوروبية.

وبالتالي ستتفرغ الدول العربية من محتواها وستبقى صحاري جرداء لا تجد من يعمرها عوضًا عن أن يبني فيها حضارات.

ولن تنتهي المنظمات الصهيونية من بث الدعاية والترويج للهجرة الى إسرائيل إلا بعد أن تصبح إسرائيل قوة عظمى تضاهي قوة أمريكا في الوقت الراهن.

صحيفة إيلاف الإلكترونية 24-يناير-2005م

مصطفى بن محمد غريب