وصايا الاستشهاديات

وصايا الاستشهاديات

لقد شاركت المرأة الفلسطينية بالعمل العسكري وبالعمليات الاستشهادية ابتداءً بالعملية التي قامت بها دلال المغربي ومروراً بالعملية الأخيرة التي قامت بها زينب أبو سالم.

وغالبيتهن في العشرينيات من عمرهن وسجلن على نحو خاص جرأة غير معهودة وقد فجرت الشهيدة وفاء إدريس نفسها في القدس الغربية ليتوالى بعد ذلك تجنيد الفلسطينيات لهذه العمليات.

ومن الطبيعي أن ينتج عن ذلك قتل وجرح العديد من الإسرائيليين كما قامت الاستشهادية دارين أبو عيشة بتنفيذ عملية فدائية بعدما أبرت بقسمها.

وقد تختلف الدوافع وراء هذه العمليات إلا أن الهدف الرئيسي يجب أن يكون الشهادة في سبيل الله والمساهمة في رفع الظلم عن هذا الشعب الذي يرزح تحت الاحتلال لأكثر من نصف قرن.

وأكدت دارين في شريط فيديو تم تصويره قبل تنفيذها العملية “أنها قررت أن تكون شهيدة لتنتقم لدماء الشهداء وانتهاك حرمة المسجد الأقصى وأقسمت أن تمزق جنود الاحتلال الإسرائيليين إربا انتقاما لما تعرضت له امرأتان حبليان عند حاجز إسرائيلي قرب نابلس في الضفة الغربية.

وهكذا نالت دارين الشهادة التي تمنتها عندما لفت حول جسمها الطاهر المتفجرات.

وقالت والدة دارين إن ابنتها “عندما استشهد شاب في قرية زواتا قرب نابلس زارت دارين عائلة الشاب وغمرت منديلها بدم الشاب وأقسمت على الانتقام.

وأوضحت الشهيدة دارين أن المرأة الفلسطينية كانت وما زالت تحتل الصدارة في الجهاد والمقاومة، داعية كل النساء الفلسطينيات إلى مواصلة درب الشهداء.

وقالت: “وليعلم الجبان شارون أن كل امرأة فلسطينية ستنجب جيشا من الاستشهاديين، ولن يقتصر دورها على البكاء على الابن والأخ والزوج بل ستتحول إلى استشهادية”.

هنادي جرادات.. الاستشهادية تخرجت من كلية الحقوق وختمت القرآن ليلة استشهادها، فأرعبت الصهاينة في كل العالم، وأثبتت للعالم كله أنه لا أمن لليهود مادام هناك مقدسات مغتصبة.

هنادي جرادات محامية دافعت عن حقوق شعبها بطريقتها الخاصة، فلحقت بالرفيق الأعلى بجوار الشهداء وحلّقت مع السرب المهاجر إلى الجنة.

بدلاً من الهجرة من مكان الى مكان ليستقر أخيراً في مخيمات اللاجئين ورسمت باستشهادها طريق الكرامة وسبيل التحرير.

زينب أبو سالم واصلت المسيرة وسيتبعها استشهاديون آخرون رغم سياسة هدم المنازل والعقاب الجماعي ولن يثني ذلك، أي استشهادي عن القيام بتنفيذ معتقداته وواجباته الدينية.

وتتوالى هذه العمليات في زمن لا عرب ولا مسلمون يحمون الإسلام من الأعداء.

إن جميع الاستشهاديات ما خرجن إلا بعد سكوت المسلمين من الرجال على جرح فلسطين والمقدسات الإسلامية.

وأثبتت المرأة المسلمة أن الحال لم يقتصر على الرجال حتى يكونوا وحدهم في بلاد المســلمين الذين ينالون الشهادة في سبيل الله.

ويقدمون التضحيات الجسام، والتي أغلاها التضحية بالنفس، بل أصبحت هناك مشاركة فاعلة على طريق الجهاد من قبل النساء في فلسطين وبعضهن جدن بأنفسهن في سبيل الله.

لتنضم إلى قوافل الشهداء، بفعل آلة الحرب الصهيونية، المدعومة أمريكياً ، حتى أصبح العديد منهم يتامى بقرار صهيوني.

مما يجعل الحر منا يتمزق من الألم كلما رحلت شهيدة مسربلة بدمائها.

وستظل المقاومة والعمليات الاستشهادية أسلوب فعال للرد على المجازر الصهيونية اليومية بحق الشعب الفلسطيني.

فمن يعيش ممارسة قوات الاحتلال لهذه الأعمال الوحشية ستتغير لديه حتماً الخارطة الذهنية وستغيب عنه الفرحة وستسيل من عينيه الدمعة ويعاني من الألم والحسرة فيزداد حباً للمقاومة والدفاع عن النفس.

وإن من يشاهد الأجسام المتفحمة والدماء وقد اختلطت بالأشلاء ويعيش الخوف والرعب كل يوم فسيفكر بالانتقام لأرواح الأبرياء والجهاد لأنه يتخيل أن الخطر داهم وأن العدو غاشم، وان الطريق صعب وحاسم.

ولكن سيتمنى الشهادة وستكون هي الهدف الأسمى ويبدأ مرحلة الاستعداد للتضحية بروحه ودمه وفي سبيل الله ثم في سبيل الوطن.

ان هذه الدماء لن تضيع هدرا فان هدفنا هو إحدى الحسنيين اما النصر او الشهادة.

وان الانتفاضة بإذن الله ستبقى مستمرة برغم من كل ما يخطط أعداؤنا حتى يتحقق الهدف الذي قامت من أجله، ونقول لهم باننا لن نعود الى المربع الأول ولن يستطيعوا قتل روح الجهاد وروح المقاومة.

فعندما يسمع الانسان سيرة الاستشهاديات يدرك تماماً أنه يقف أمام العديد من أحفاد الصحابيات المجاهدات الذين يربين أبناءهن على حب الله والجهاد لإعلاء كلمة الله ثم الوطن.

إنهن يزرعن في نفوسهم مفاهيم العزة والكرامة.. فأنبت جهدها ثمرة طيبة .. وآتى زرعها أُكُله أحياناً كثيرة.

وبعد كل غارة من طائرات الأباتشي تظهر المسيرات في شوارع فلسطين يعلوها أصوت التكبير، ويهتف المشاركون فيها مطالبين من كتائب المقاومة بالرد السريع، والانتقام لدماء الشهداء مؤكدين بأن هذه الجرائم لن تمر بدون عقاب.

هذه هي صفات المرأة المسلمة التي ما فتِئت تنجب الأبطال و المجاهدين و تقدّم مواكب الشهداء الواحد تلو الآخر، ولا تبخل بنفسها و تدافع عن كرامة الوطن و قداسة القضية.

هذه الأم رمزاً و عنواناً لكلّ الذين يبحثون عن العطاء الصادق والإخلاص النقيّ، ولماذا لا نتذكر الاستشهاديات أمثال ريم الرياشي و هنادي جرادات و آيات الأخرس و وفاء إدريس و عندليب قطاقطة ، و دارين أبو عيشة ، أم أن إعلامنا غائب وينقل عن إعلام الديموقراطية الذي يساوي بين الجلاد والضحية.

إن هناك أيادي في السماء لاتزال تنسج للاستشهاديين أثواباً من سندس وإستبرق وهناك قناديل تحت عرش الرحمن تستعد لأرواح الشهداء ” ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أموات، بل أحياء عند ربهم يرزقون ” فهم سينتقلون من العالم المحدود الى عالم الخلود.

لماذا لا ندرس وصايا الاستشهاديات؟  

لقد تركت دلال مغربي وصية تطلب فيها من رفاقها وأبناء الشعب الفلسطيني المقاومة حتى تحرير كامل التراب الفلسطيني.

كما أوصت الاستشهادية دارين أبو عيشة ” داعية كل النساء الفلسطينيات إلى مواصلة درب الشهداء” وكانت وصية الاستشهادية آيات الأخرس ” ايها العرب كفاكم تخاذلا”.

مجلة فلسطين 01-أكتوبر-2004م

مصطفى بن محمد غريب