كيف تتعامل بعض الدول مع الفلسطينيين؟

كيف تتعامل بعض الدول مع الفلسطينيين؟

قد يبدو هذا العنوان غريبا، ولكن! سيناريوهات التوطين والتحرير والانسحاب واتفاقيات السلام والمبادرات المتعاقبة أوحت لي بهذا العنوان.

فلا تكاد دولة في العالم إلا وتنظر إلى فلسطين والفلسطينيين نظرة تكاد تكون مختلفة عن الدولة الأخرى.

أي أن هناك تباين في النظرة العامة للفلسطينيين من دولة إلى أخرى على مستوى العالم، بل أن الفلسطينيين أنفسهم منقسمون في وجهات نظرهم.

وهذا هو سر تأخر استقلال فلسطين ومن غير اليسير بمكان أن نوجز بمقال واحد جميع وجهات النظر.

ولكن سنأخذ بعضها بالتحليل والدراسة التاريخية، إذن لا يمكن أن نفهم مشكلة اللاجئين الفلسطينيين بمعزل عن الدول التي يعيشون فيها ولنأخذ مثالا على ذلك المملكة الأردنية الهاشمية.

فعند دراسة تطلعات النظام الأردني منذ إنشاء إمارة شرق الأردن كانت مبنية على توسيع رقعة المنطقة التي يريد أن تكون تحت سيطرته ويحكمها فكانت فلسطين ضمن حدود تطلعاته.

فالنظام الأردني يرغب في ضم جزء من فلسطين الى السيادة الأردنية أما إسرائيل فكانت ترغب في الاستقلال حسب قرار التقسيم وتحوز على 50% من الأراضي الفلسطينية في ذلك الحين.

ولم تكن تطلعات النظام الأردني وليدة صدفة بل أن هناك مخطط موضوع سلفاً ومنذ عام 1937م كتوصيات لجنة (بيل) التي اقترحت مشروعاً لتقسيم فلسطين بين اليهود والعرب، على أن يكون «الجزء العربي من فلسطين جزءاً متحداً مع شرق الأردن».

وهو ما يؤيد طموحات النظام الأردني الذي كان يلتقي والمخططات البريطانية التي كانت منتدبة على تلك المنطقة.

إلا أن قرار التقسيم رقم 181 لعام 1947م نصًّ على إقامة دولتين يهودية وفلسطينية، متجاهلاً رغبة النظام الاردني في ضم الضفة الغربية ولذلك امتنعت بريطانيا برأي بعض المراقبين عن التصويت على هذا القرار.

وظل الأردن يعارض إنشاء دولة فلسطينية مستقلة حتى سيطر الجيش الأردني على كامل المساحات التي كانت الجيوش العربية قد استولت عليها في حرب 1948، وأنشأ في «فبراير» 1949 «الإدارة المدنية الأردنية».

وبينما كانت مصر تدعم (حكومة عموم فلسطين) التي تشكلت بعد إنشاء الهيئة العربية العليا بقيادة أمين الحسيني التي اعترفت بها جامعة الدول العربية ماعدا الأردن.

وهذا تاريخيا يدل على الخلافات بين أعضاء جامعة الدول العربية حول هذه القضية التي يدعي كل منهم بمساندتها ودعمها.

صحيح أن هناك مساندة ودعم، ولكن على خلفية أي هدف؟

هذا هو السؤال الذي بإجابته تختلف همم المساندة وتقديم المساعدة!، فكان الملك عبد الله جد الملك حسين يدعم تنظيم مؤتمري أريحا وعمان لانتزاع شرعية فلسطينية ودولية.

وكان من أهم مقررات مؤتمر أريحا «أن تتألف من فلسطين والمملكة الأردنية الهاشمية مملكة واحدة، وأن يبايع جلالة الملك عبد الله بن الحسين ملكاً دستورياً على فلسطين».

كذلك سمح منذ «فبراير» 1949 لأي شخص فلسطيني بحق الحصول على جواز سفر أردني، كخطوة أولى على طريق تجنيس الفلسطينيين، وطمس الهوية الفلسطينية تمهيداً لضم فلسطين ضمن إطار دولة واحدة.

وما قامت به الجامعة العربية بحجة عدم طمس الهوية الفلسطينية إلا لمنع الأردن من هذا الضم وحتى لا يستحوذ على مزيداً من الأراضي الفلسطينية وتكبر مساحة الأردن وبذلك كان الأردن يسعى لاعتبار كل الفلسطينيين الذين لجأوا إلى الأردن أو المقيمين في ظل الحكم الأردني أردنيين.

وفي مطلع عام 1950م وبعد سلسلة إجراءات إدارية جرى إلقاء اسم فلسطين والاستعاضة عنه بالضفة الغربية، واعتبارها جزءاً من المملكة الأردنية الهاشمية، وجرت بتاريخ 11/4/1950 أول انتخابات نيابية مشتركة أعطت 20 مقعداً لكل الضفة الغربية.

وجرى تحرير قانون الضم في أول جلسة للبرلمان المنتخب بتاريخ 24/4/1950. والذي وافقت عليه بريطانيا باستثناء القدس، كما تعاملت إسرائيل مع الضم كأمر واقع.

وكذلك وافقت جامعة الدول العربية بعد ممانعة لم تدم طويلاً. واستمر هذا الوضع حتى بعد حرب عام 1967م وقيام الملك حسين بمنح جوازات سفر أردنية لكل النازحين إلى الأردن في الوقت الذي منحت مصر وسوريا ولبنان للنازحين إلى أراضيهم وثائق سفر اللاجئين وهناك فرق بين جواز السفر ووثيقة السفر.

فمثلا من لديه وثيقة سفر اللاجئين الفلسطينيين الصادرة من مصر فهي لا تخول صاحبها بدخول مصر إلا بموافقة أمنية أما حامل جواز السفر الإسرائيلي يحق له دخول مصر بكل وجل.

وفي عام 1972 طرح الملك حسين مشروعٍ المملكة العربية، لكنه لم ينفذ، واستمر الوضع السابق حتى 31 يوليو 1988 حين أعلن الملك حسين قرار الأردن بفك الارتباط والعلاقة القانونية والإدارية بين الضفتين.

والذي جاء استباقاً وتمهيداً لعملية التسوية التي كانت تبحث من وراء الكواليس لمنح الفلسطينيين كيان يتحمل بموجبه مسؤولية القرار المتعلق بالشعب الفلسطيني وأراضيه المحتلة وقضاياه المختلفة وهي خدعة كبرى وقعت فيها معظم الأطراف العربية.

ومن هنا نخلص إلى القول إن العرب لم يتفقوا يوما واحدا على مشروع يخدم قضية فلسطين أو تتوحد جهودهم كما اتفقوا على عدم تجنيس الفلسطينيين أو توطينهم أو منحهم أي حقوق ليبقوا لاجئين.

ويطلبوا لهم المساعدات من الأونروا ليستفيدوا منها، فالجامعة العربية أصدرت القرار الرقم 1547 عام 1959، الذي طالب بالحفاظ على الهوية الفلسطينية.

وجاء القرار، قبل أن تنشأ منظمة التحرير، ولكن! استمر العمل به خوفاً من أن تقوى شوكتهم وليس خشيةً من أن تذوب هويتهم.

وعندما تذوب الهوية الفلسطينية فستقطع المساعدات الدولية الممنوحة لهم تلقائياً وسينتهي دور كثير من الأطراف المستفيدة من الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

والدليل على ما نقول هو الصمت العربي إزاء ما يجري الآن في فلسطين على الأقل منذ اندلاع انتفاضة الأقصى مروراً بمجزة جنين الى الاجتياحات المتكررة الى هدم المنازل على الحدود المصرية الى مجزرة جباليا الى عملية أيام الندم.

ولكن الغريب في الأمر أن أهم المسؤولين في منظمة التحرير يحملون الجنسيات المختلفة هم وعائلاتهم، ونسوا أنه إذا كان الهدف هو الحفاظ على الهوية فلماذا لم يطالبوا في القرار بأن تعطى كل التسهيلات لهذه الفئة مع بقاء الهوية كرمز.

بمعنى أن يستفيد صاحب الهوية من حقوق الإنسان أو المواطن في الدولة التي يعيش فيها، ويحتفظ بهويته.

أما أن يترك من دون تعليم، ومن دون مأوى يملكه ولا خدمات صحية، وهو الأحوج من غيره، فلا ميراث من الآباء والأجداد وإنما ورثوا أخطاء الدول العربية جميعها، بل وأخطاءهم أيضاً.

واحتفظوا بمخيمات ترفض الحيوانات الأليفة العيش فيها، فكيف يطور شعب كهذا ذاته من العدم وفي ظل عدم وجود إمكانيات؟

ويأمل في العودة هل بقرارات الأمم المتحدة أم بمبادرات السلام أم بمن يسومونهم سوء العذاب ويمن عليهم بالاستضافة في مخيمات.

وهذا اللاجئ ممنوع من أبسط حقوق الإنسان وحتى الممثل الشرعي والوحيد لهذا الشعب بدأت تتخلى عنه ولا تعرف منه إلا دفع الرسوم والتعويضات والتبرعات.

وبالتعاون مع دول شقيقة بعدم تجديد وثيقة السفر إلا بخطاب من سفارة فلسطين موجه لقنصلية الدولة بالإيعاز بالتجديد بعد أخذ رسوم منه على أنه لا يحمل جواز سفر السلطة أو هوية مواطنة.

رغم أن هذه الوثيقة لا تخول صاحبها بدخول الدولة التي أصدرتها طالما لا يحمل هوية مواطنة أو جواز سفر السلطة لأن إسرائيل هي التي تتحكم في المعابر والحدود سواء من ناحية الأردن أو من ناحية مصر.

وطالما أن إسرائيل سعت منذ البداية إلى طمس حق اللاجئين في العودة، فكيف لهذا المغلوب على أمره أن يرفض هذه المشاريع أو يصر على تمسكه بحقه في العودة.

وكما يقول الشاعر لبست ثوب العيش لم أستشر وحرت فيه بين شتى الفكر أو كما يقول شاعر آخر وظلم ذوي القربى أشد مضاضة على النفس من وقع الحسام المهند.

فالفلسطينيين صابرون وما بقي لهم إلا التضرع إلى الله ويتسلحوا بسهام الليل علها تصيب من يقتر عليهم من أبناء جلدتهم.

مجلة فلسطين 05-أكتوبر-2004م

مصطفى بن محمد غريب