العالم العربي وسياسة التوريط

العالم العربي وسياسة التوريط

عندما تطلق إسرائيل تهديداتها الى أي جهة فإنها تؤكد نواياها لتنفيذ أهدافها فعندما حدثت عملية بئر السبع الاستشهادية لم تخف إسرائيل تهديداتها بضرب سوريا بحجة أنها تؤوي المنظمات الفلسطينية.

والسؤال هو لماذا لا نأخذ تلك التهديدات على محمل الجد؟

ونقوم بدراسة تلك التهديدات واتخاذ أقصى درجات الحيطة والحذر، بل البدء في التخطيط لاتخاذ خطوات عملية لردع هذا التهديد وأن لا يكون موقفنا سلبياً في كل مرة.

ولنأخذ العبرة من حزب الله ومن إيران فعندما تقوم إسرائيل بأي عمل ضد لبنان فإن حزب الله يقوم بالرد الفوري والجاهز وكأنما هو مستعد للتصعيد والتهدئة في نفس الوقت.

وكذلك إيران عندما ألمحت إسرائيل انها ستقوم بضرب المفاعل النووي الإيراني للأغراض السلمية قامت إيران بالرد على تلك التهديدات وقامت بتهديد أكبر لإسرائيل بضرب مفاعل ديمونة النووي إذا أقدمت إسرائيل على تنفيذ تهديداتها.

واليوم عندما أقدمت إسرائيل على اغتيال القيادي في حركة المقاومة الإسلامية (حماس) عز الدين صبحي الشيخ خليل في دمشق، اكتفت سوريا باتهام إسرائيل وحملتها المسؤولية الكاملة عن هذا العمل “الإرهابي”.

ووصفت ذلك بأنها خطوة خطيرة، دون أن تقوم بالرد الإيجابي على تلك العملية او على أقل تقدير إصدار تهديدات جدية وعمل شيء ما ليكون ذلك رادعاً.

صحيح إن إسرائيل لها نوايا عدوانية لزعزعة الأمن والاستقرار في المنطقة ولم يتحرك العالم ولا الأمم المتحدة بأي جهود دولية لتخفيف حدة التوتر في المنطقة.

بل على العكس قامت إحدى الدول الغربية بالتعاون مع أمريكا بتبني مشروع قرار في مجلس الأمن ضد سوريا ولبنان الذي صدر مؤخراً تحت الرقم 1559.

وقامت الأمم المتحدة بغض الطرف من ناحية وإصدار قرار بخصوص إقليم دارفور في السودان مما يعني أن العالم العربي برمته مستهدف، وبدأ يدور في أذهان بعض قادة المقاومة الفلسطينية بنقل الصراع الى خارج الأرض المحتلة.

رغم النفي الذي صدر عن حماس، ولكن هذا النفي مبطن حيث قالت ” أن موضوع نقل دائرة الصراع باعتباره سياسة عامة للحركة مازال قيد الدراسة ولا يمكن القول بأنه تم أتخذ قرار بهذا الصدد”.

ونستطيع أن نسمي ذلك القرار لو أتخذ فعلا بأنه سياسة التوريط وهي ليست سياسة جديدة، بل استخدمت من قبل عند بداية تكوين المنظمات الفلسطينية حيث كان هذا الاتجاه عند بعض المنظمات.

والمقصود هو توريط العالم العربي ليعيش واقعاً جديداً وكان هذا شعارً دون الوعي الكامل بالنتائج المترتبة على هذه السياسة أو كما يقول المثل العامي المصري ” مفيش حد أحسن من حد “.

وغرقت المنطقة في حروب لم يكن للعرب أي استعداد لخوضها ثم انتهجت القاعدة نفس السياسة (سياسة التوريط) فقامت بتوريط أفغانستان قبل ان تتمكن من تكوين دولتها الإسلامية بل زادت الورطة بالاحتلال الأنجلو أمريكي للعراق.

ومازالت هناك في العراق جماعات الخطف والاغتيالات وقطع الرؤوس تتبنى هذه السياسة نفسها لاستعداء العالم وتمكين القوات الأمريكية من تبرير أعمالها وإعطائها ذريعة للتوسع في الاحتلال، بل والتهديد العلني لسوريا وإيران.

لتصبح سوريا بين فكي كماشة، إسرائيل من جهة وأمريكا وبريطانيا من جهة ثانية لتصبح المنطقة تحت النفوذ الأنجلو أمريكي والإسرائيلي!

وليس غريباً أن تقوم السلطة الفلسطينية بإدانة الحادث من جهة وتهدئة الموقف من جهة ثانية حيث أكدت على أن نقل عمليات الاغتيالات خارج الأراضي الفلسطينية يعني توسيع دائرة العنف والفوضى والتطرف مع التوضيح أن العنف لن يجر إلا العنف.

هذا وحتى الآن لم يصدر عن إسرائيل أي إعلان رسمي بالمسؤولية عن العملية، ولكن عبرت عن نواياها بالقول إن العملية تكتيك جديد لمحاربة فصائل المقاومة الفلسطينية.

وعند دراسة أسباب الحادث تبين أن الانفجار وقع عند تشغيل الشهيد محرك سيارته وهو نفس الأسلوب التي تتبعه إسرائيل في التخلص من القيادات الفلسطينية.

فقد سبق وأن اغتالت في وقت سابق من هذا العام مؤسس حركة حماس الشيخ أحمد ياسين وخليفته الدكتور عبد العزيز الرنتيسي.

كما اغتالت في وقت سابق القيادي إسماعيل أبو شنب، وقامت باغتيال جهاد أحمد جبريل في لبنان.

وبنفس الأسلوب وهي تقنية على قدر كبير من الدقة ولا شك إن إسرائيل هي المستفيد الأكبر.

وتأتي هذه العمليات على خلفية التهديد الذي يمثله الحضور العسكري الأنجلو أمريكي في العراق ضد سوريا لطرح مطالب كبيرة عليها نذكر منها على سبيل المثال طرد المنظمات الفلسطينية من سوريا وتفكيك قواعدها في لبنان.

وتجريد حزب الله من سلاحه، وانسحاب الجيش السوري من لبنان والتنازل عن الجولان حتى لا يبقى لها أي نفوذ في المنطقة، بل ليتفجر الوضع الداخلي في سوريا وما كان هذا ليحصل لولا سياسة التوريط التي قامت بها جماعات أقل ما يوصف بحقها أنها غير مسؤولة.

مجلة فلسطين 01-أكتوبر-2004م

مصطفى بن محمد غريب