اللاجئين … خيمة وكوفية
إن من يدرس التاريخ يتوصل الى حقائق مذهلة حول موضوع دراسته وإن كان التاريخ من الماضي إلا أنه بداية طريق الحاضر والمستقبل.
وفي هذا المقال سننشر حقائق يجوز للرأي الآخر الرد عليها أو عدم قبولها ولكن ذلك لن يغير من التاريخ شيئاً.
ولهذا يتهم بعض المؤرخين بتزوير التاريخ وتشويه الحقائق ورغم ذلك نستطيع أن نستخلص العبر.
هذه الحقائق بمجرد البوح بها وانتشارها سينفث ضباباً وإشعاعات لا تقل خطورة عن الإشعاع المتسرب من مفاعل ديمونة.
ولن أبدأ الحديث عن مفاعل ديمونة التي لا يشك عاقل في مدى خطورته على بيئة المنطقة وسكانها وخصوصاً أن عمره الافتراضي كما يدعي الخبراء قد انتهى أو على وشك الانتهاء.
ولا أريد أن أستفز عقل القارئ العربي بما سيتولد لديه حتماً من مفاهيم جديدة عن القضية الفلسطينية التي تسمى بالقضية المركزية أو قضية الشرق الأوسط أو الصراع العربي الإسرائيلي.
وستسد رمق الكثير من علامات الاستفهام القابعة في أذهان البعض وربما غيرت شيئاً من المفاهيم عن القضية برمتها، استنادا الى المثل القائل ” مصائب قوم عند قوم فوائد ” وهو السر أيضاً في تبني القوى العظمى سياسة فرق تسد.
ولم يكن العراق يعلم أنه أكل يوم أكلت فلسطين على غرار إنما أكلت يوم أكل الثور الأبيض.
ولن أنظر الى المخاوف! فقد تكون أعلى بكثير من تصوراتي! وتخميناتي! وتوقعاتي! …
أعذرني أيها القارئ لم أعد أقوى على التركيز في محاولة لقياس أبعاد تلك المخاوف.
ولنبدأ بنزوح العديد من اللاجئين الى الدول العربية المجاورة بعد حرب عام 1967م وقيام دولة عربية بمنح جوازات سفر لكل النازحين إلى أراضيها في الوقت الذي منحت دول عربية أخرى للنازحين إلى أراضيهم وثائق سفر اللاجئين وهناك فرق بين جواز السفر ووثيقة السفر.
فمثلا من لديه وثيقة سفر لا تخوله دخول الدولة التي أصدرتها إلا بموافقة أمنية أو تأشيرة دخول أي لا يعتبر مواطن عربي وبالتالي لا حقوق أما حامل جواز السفر الإسرائيلي يحق له دخول بعض الدول العربية بكل وجل! (نتائج كامب ديفيد أو الاتفاقيات العربية الإسرائيلية الأخرى).
وفي عام 1972 طرحت دولة عربية مشروعٍ المملكة العربية، ولكن لم يرى هذا المشروع طريقه الى النور ، واستمر الوضع السابق حتى 31 يوليو 1988 حين أعلنت قرار شهير سمي بقرار فك الارتباط والعلاقة القانونية والإدارية.
الذي جاء استباقاً وتمهيداً لعملية التسوية التي كانت تبحث من وراء الكواليس لمنح اللاجئين كيان يعودون إليه وهي خدعة كبرى وقعت فيها معظم الأطراف العربية (بداية تحييد الصف العربي والمجازر ضد هذا الشعب).
ومن هنا نخلص إلى القول أن العرب لم يتفقوا يوما واحدا على مشروع يخدم قضيتهم المركزية أو تتوحد جهودهم كما اتفقوا على عدم تجنيس اللاجئين أو توطينهم أو منحهم أي حقوق ليبقوا لاجئين ويطلبوا لهم المساعدات من وكالات غوث وتشغيل اللاجئين ليستفيد الكل منها.
فالجامعة العربية أصدرت القرار الرقم 1547 عام 1959، الذي طالب بالحفاظ على الهوية الفلسطينية.
وجاء القرار، قبل أن تنشأ منظمة التحرير ولكن ! استمر العمل به خوفاً من أن تقوى شوكتهم وليس خشيةً من أن تذوب هويتهم.
وعندما تذوب الهوية الفلسطينية فستقطع المساعدات الدولية الممنوحة لهم تلقائياً وسينتهي دور كثير من الأطراف المستفيدة من الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
والدليل على ما نقول هو الصمت العربي إزاء ما يجري الآن في فلسطين على الأقل منذ اندلاع انتفاضة الأقصى مروراً بمجزرة جنين الى الاجتياحات المتكررة الى الاغتيالات الى هدم المنازل على الحدود المصرية الى مجزرة جباليا الى عملية أيام الندم.
وفعلا سيندم العرب كثيراً على الصمت الرهيب، ولكن الغريب في الأمر أن أهم المسؤولين في المنظمات الفلسطينية يحملون الجنسيات المختلفة هم وعائلاتهم لأنهم أدوات بيد هذا النظام أو ذاك.
ونسوا أنه إذا كان الهدف هو الحفاظ على الهوية فلماذا غيروا هوياتهم ولماذا لو لم يطالبوا في القرار المذكور آنفاً بأن تعطى كل التسهيلات للاجئين مع بقاء الهوية كرمز .. ! كصاحب الكوفية الشهير (الرمز) ، بمعنى أن يستفيد صاحب الكوفية عفواً (الهوية) من حقوق الإنسان أو المواطن في الدولة التي يعيش فيها، ويحتفظ بكوفيته عفواً (بهويته).
أما أن يترك بكوفية فقط من دون تعليم، ومن دون مأوى يملكه وبدون خدمات صحية مجانية، وهو الأحوج من غيره، فلا ميراث من الآباء والأجداد وإنما ورثوا أخطاء الدول العربية جميعها بل وأخطاء آباءهم وتكالب القوى الغربية والصهيونية عليهم …!،
واحتفظوا بمخيمات ترفض الحيوانات الأليفة العيش فيها، وأصبح شعار هذا اللاجئ (كوفية وخيمة) فكيف يطور صاحب هذا الشعار ذاته من العدم وهناك قانون طبيعي يقول ” المادة لا تفنى ولا تنشأ من العدم ” وفي ظل عدم وجود إمكانيات؟
ويأمل في العودة ويتساءل هل بقرارات الأمم المتحدة؟ أم بمبادرات السلام؟ أم بمن يسومونهم سوء العذاب؟ أم بمن يمنون عليهم بالاستضافة في مخيمات؟ ليبقى بكوفية وخيمة فقط.
هذا اللاجئ يبحث عن حقوق الإنسان فلا يجدها , وحتى الممثل الشرعي والوحيد لهذا الشعب بدأت تتخلى عنه ولا تعرف منه إلا دفع الرسوم والتعويضات والتبرعات وبالتعاون مع دول شقيقة بعدم تجديد وثيقة السفر إلا بخطاب من سفارته موجه لقنصلية الدولة بالإيعاز بالتجديد بعد أخذ الأتاوه والرسوم مع ختم الوثيقة بختم لاجئ رسمي أي ( لا يحمل جواز سفر السلطة أو هوية مواطنة).
رغم أن هذه الوثيقة لا تخول صاحبها بدخول الدولة التي أصدرتها وبها لا يستطيع دخول الأراضي المحتلة لأن إسرائيل هي التي تتحكم في المعابر والحدود.
وطالما أن إسرائيل سعت منذ البداية إلى طمس حق اللاجئين في العودة , فكيف لهذا الشعب المغلوب على أمره أن يرفض هذه المشاريع أو يصر على تمسكه بحقه في العودة وكما يقول الشاعر لبست ثوب العيش لم أستشر وحرت فيه بين شتى الفكر أو كما يقول شاعر آخر وظلم ذوي القربى أشد مضاضة على النفس من وقع الحسام المهند.
فالفلسطينيين صابرون وما بقي لهم إلا التضرع إلى الله ويتسلحوا بسهام الليل علها تصيب أعدائهم أو من يقتر عليهم من أبناء جلدتهم.
وبعض الدول العربية تحظر تنقلهم أو العمل لديها في بعض المهن، بل أنهم معزولون في مخيمات، لا يخرج من المخيم إلا بتصريح، ولا يدخل إلا بتصريح وكأنهم في ثكنة شبه عسكرية، أو محمية محاطة بأسلاك شائكة حفاظاً على من بداخلها من الانقراض.
لأن هذه الهوية (الخيمة والكوفية) يجب ألاّ تنقرض لأننا نحتاجها في المسلسلات البدوية.
فالعرب أمة لا تدرس تاريخها، بل تتفرج عليه! فهل تستحق الأمة حملة أيام الندم طالما إسرائيل عفواً (أمريكا) هي الخصم والحكم.
مجلة فلسطين 05-أكتوبر-2004م
مصطفى بن محمد غريب
