تقاطع المصالح .. يهدد … قبة الصخرة
لقد تبنى العرب مواقف إستراتيجية ومؤلمة ومحورية لم تكن اصلا واردة في خلد قادتهم منذ زمن بعيد وهذه المواقف نشرت من خلال المبادرة العربية لحل مشكلة الصراع العربي الإسرائيلي.
وهو صراع دام أكثر من خمسة وخمسون عاماً وكأننا نراوح مكاننا في هذا الصراع والعرب في موقف لا يحسدون عليه اليوم بعد قيام أمريكا بالحرب على الإرهاب.
فان هم ساعدوا جيرانهم واخوانهم في اللغة والدين اتهموا بالإرهاب وان هم لم يساعدوهم جاءهم تأنيب الضمير وكما هو معروف ان رضا الناس غاية لا تدرك ولهذا السبب يجب على الانسان ان يعمل ما يمليه عليه الواجب والمصلحة الوطنية غير عابئ بما يقوله الناس.
ولكن هل تناسى العرب ما يحاك ضد المقدسات الإسلامية التي تدخل في صلب النزاع اليهودي العربي الإسلامي؟
وما يحاك ضد المقدسات الإسلامية هو ما يؤمن به اليهود المتدينين وهو أنهم يعتبرون قبة الصخرة رجساً ينبغي إزالته لبناء الهيكل الثالث مكانها.
كما حاول فعل ذلك أعضاء التنظيم اليهودي ويشاركهم في هذا التوجه ما يفكر به المتعصبين المسيحيين باتجاه هدم قبة الصخرة. أي تقاطع للمصالح يهدد مقدساتنا الإسلامية؟
أن لعملية السلام العربية الإسرائيلية تأثيراً بعيد المدى على نظرة العرب داخل إسرائيل حيال مسألة الهوية وعناصرها ويمكن القول بأن مسألة القومية الفلسطينية تحمل في نظرهم طابعاً إسرائيلياً محلياً.
وأن الحركات والتيارات السياسية العربية تتمحور إلى جانب النضال من أجل المساواة المدنية حول المسائل القومية على الصعيد الداخلي في قضايا مثل أملاك الوقف ومشكلة اللاجئين في وطنهم (أي السكان الذين تم تدمير قراهم في حرب عام 1948 وظلوا داخل إسرائيل ولكن تم ضمهم لقرى أخرى) ومسألة الأراضي العربية المصادرة.
ويتم كل ذلك مع ازدياد حجم التنازلات التي تقدمها السلطة الفلسطينية عن أربعة ثوابت أساسية وهي:
المطالبة بإزالة كل المستوطنات
وتنفيذ حق العودة للاجئين
والسيادة الفلسطينية على القدس الشرقية
وإقامة الدولة الفلسطينية على جميع الأراضي الفلسطينية التي احتلت في يونيو (حزيران) عام 1967م.
وبعد هذه المقدمة أبدأ الحديث عن أهمية عدم التعامل مع اليهود المتعصبين بأي شكل من الاشكال ولاسيما أنهم بدأوا مرحلة التفكير في الانسحاب من قطاع غزة من طرف واحد أي لا يريدون التعامل معنا الا بما يخدم مصالحهم فقط.
وبناء على ما يفكرون به وما يعملون من أجله فإسرائيل ومن خلال قراءاتنا لصحافتها وما يفكر به زعماؤها يدعونا الأمل أن لا ننخدع مرة أخرى بقيادات اسرائيلية جديدة تكون مرنه في التعامل مع جيرانهم العرب.
ولكن كل هذا الامل يذهب ادراج الرياح عندما يصطدم بالمصالح المادية والامنية فرغم قوة اسرائيل الا انها تتخيل حجم الدول العربية المجاورة لها من ناحية العدد والعدة بعد السلام المنتظر فينتابها القلق والخوف لأنها دولة احتلال ومصيرها الى زوال.
كمن يظلم يكون لديه إحساس قوي بالخوف من جراء ما ظلم وكذلك هم يؤمنون بأنهم زائلون ولا أحد منا ولا منهم يعرف متى هذا الزوال.
وعودة على ما يفكر به اليهود تجاه جيرانهم يدعونا للنظر والتأمل فيما يقال ويكتب في صحافتهم.
فمثلا خرجت علينا صحيفة يديعوت احرونوت بالقول ان الحكومة الصهيونية عقدت عدة اجتماعات سرية بشأن التفكير بمطالبة العرب بدفع تعويضات عن ممتلكات اليهود الذين هاجروا الى إسرائيل.
فهي تعتزم مطالبة حكومات العراق ومصر واليمن والمغرب والبحرين بما لا يقل عن 55 مليار دور نظير ممتلكات المهاجرين والديون التي تركها اليهود بعد هجرتهم لفلسطين.
والسؤال الان هو هل تستطيع أن تثبت اسرائيل ذلك؟ وهل هي بحاجة لمثل هذا الإثبات بعدما اقتنعت بعض القيادات العربية بدفع تعويضات لهم بعد ما فتحوا باب التعويضات على مصراعيه.
وهل الدول العربية تمتلك ما يثبت عكس ذلك ببيع اليهود لممتلكاتهم قبل الهجرة الى فلسطين؟
وكيف لبلد مثل العراق الان أن يثبت بيع اليهود لممتلكاتهم بعد كل هذا الدمار الذي لحق به تحت شعار تحرير العراق والبحث عن أسلحة الدمار الشامل.
وفي أعمالهم ما يثبت عكس أقوالهم بأن الهدف غير المعلن هو تدمير العراق تدميراً شاملا حتى يتمكن اليهود من المطالبة بالتعويضات المستحقة على العراق عن ممتلكات اليهود المزعومة في العراق فهي تعادل كما يدعون 30% من حجم التعويضات المطلوبة من العالم العربي.
وهنا يتبادر الى الذهن السؤال التالي ما هو دور اسرائيل في حرب امريكا على العراق؟
أليست هي المستفيدة الوحيدة من هذه الحرب؟
وهي المستفيدة من استمرار أعمال العنف، بل والحرب الأهلية التي تخطط لها في العراق، فهي من ناحية أضعفت إحدى قوى المواجهة وأهم القوى في وجه اسرائيل في المنطقة.
وكذلك ستطالب بتعويضات طالما المحتل أنجلو أمريكي. كما استلمت التعويضات عن الصواريخ التي سقطت على إسرائيل أثناء حرب الخليج الثانية عند تطبيق سياسة النفط مقابل الغذاء ودفع التعويضات.
وعندما تنجح اسرائيل في مطالبة العراق بالتعويضات ستنجح في تشكيل سابقة خطيرة لمطالبتها بالتعويضات المزعومة لدى باقي الدول العربية.
كما هو الحال مع ليبيا عندما وافقت على دفع تعويضات لضحايا الطائرة الامريكية لرفع الحظر عنها واضطرت تحت عصا الفيتو الفرنسي بالموافقة على دفع تعويضات لضحايا الطائرة الفرنسية.
وكذلك مطالبة المانيا لتعويضات عن ضحايا الملهى الليلي في المانيا وهي أقصد ألمانيا التي أجبرها اليهود على دفع تعويضات مقدارها 4 بلايين دولار لأسرى يهود عملوا فيها خلال الحرب العالمية الثانية.
وبهذا المبلغ تكون المانيا قد دفعت 240 بليون دولار كتعويضات لقاء ما عاناه اليهود خلال العهد النازي ولا أحد ينظر الى ما عاناه العراقيين والفلسطينيين خلال العهد الغازي الأنجلو أمريكي للعراق.
ان ما كتبته صحيفة يديعوت احرونوت عن موشيه شاحال المكلف حاليا بملف التعويضات اليهودية في العراق فهو يمتلك ملفات عقارية وبنكية تثبت حقوق عدد من المهاجرين اليهود الذين تركوا ممتلكاتهم وأموالهم في العراق.
فلم ينفعهم المثل القائل إن أنت أكرمت الكريم ملكته وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا وهذا هو سر التمرد اليهودي بعينة على من أكرمهم وأحسن إليهم ولكن ينطبق عليهم المثل القائل إتق شر من أحسنت إليه.
ولم يكتفي اليهود بالتعويضات من المانيا بل امتدت الى البنوك السويسرية التي وافقت عام 1998م على دفع تعويضات عما دعي بالفوائد المترتبة على ممتلكات اليهود في البنوك السويسرية مبلغا وقدره 1250 مليون دولار.
وكذلك أقرت واعتمدت السلطات النمساوية مبلغ 800 مليون دولار لتعويض اليهود الذين تعرضوا للاضطهاد النازي خلال الحرب العالمية الثانية.
ومما تقدم فهل سنكون أقوى من الدول السالفة الذكر في مقاومة المكر والدهاء اليهودي والتي دفعت التعويضات وكانت أمام حكومات اسرائيلية أضعف من حكومة “إريل شارون” وهي الحكومة الوحيدة من بين الحكومات الاسرائيلية التي وافقت على حملة استعادة أموال اليهود في الدول العربية بداية في العراق ثم ليبيا ثم مصر ثم تفرط حبوب السبحة دولة بعد دولة بلا استثناء.
ومما تناقلته الانباء بهذا الخصوص أيضا أن الرئيس الامريكي السابق “بيل كلينتون” كان أول من أثار قضية الاموال اليهودية المتروكة في الدول العربية حينما بحث هذه المسألة مع الرئيس المصري حسني مبارك والفلسطيني ياسر عرفات واقترح إقامة صندوق دولي خاص برئاسة أوربا وأمريكا لتعويض يهود الدول العربية.
وسينفذ هذا المشروع إذا تسلم مهام الأمين العام للأمم المتحدة بعد انتهاء ولاية كوفي عنان والمرشح لها كلينتون بقوة.
وما تسعى اليه اسرائيل في قضية استعادة الأموال اليهودية المتروكة في العراق بصفة خاصة سيكون على إلغاء قوانين التأميم التي صدرت في ظل حكم الرئيس العراقي المخلوع “صدام حسين “، حيث ان الغاء التأميم سيضفي الشرعية على طلبات استعادة الأموال اليهودية بالعراق وهو الامر الذي دعا الادارة الامريكية لترشيح أحد اليهود في صياغة القانون والدستور العراقي الجديد.
وقبل ان يستتب الامن في العراق لابد من دفع واعادة الممتلكات اليهودية في جميع أرجاء العراق، ولكن بهدوء ودون ضجة إعلامية. فهل بعد كل ما تقدم نستطيع أن نقول ما ضاع حق وراءه مطالب.
صحيفة الصباح الفلسطينية 27-أكتوبر -2004م
مصطفى بن محمد غريب
