وصية نستقرأها من تاريخ عرفات

وصية نستقرأها من تاريخ عرفات

الكل يعلم أنّ الرئيس ياسر عرفات هو مركز القيادة والسلطة هذا القائد من أبناء قبيلة العمّــــاريّة، التي انتسب إليها “أبو عمّـــــار” عندما ترك للتاريخ اسمه الحقيقي .. محمد عبد الرحمن عبد الرؤوف القدوة.

ولم تتمكن أمريكا بكل قوتها وجبروتها من نزع هذه الشرعية عنه ولم تتمكن ربيبتها إسرائيل من فعل الشيء نفسه فهو الرقم الصعب في المعادلة السياسية الدولية حول قضية الشرق الأوسط.

ورغم أن هذا الرئيس منتخب ديموقراطياً إلا أنه يملك السلطة والقيادة وجميع أوراق اللعبة الفلسطينية فهو بلا منازع صانع التاريخ الفلسطيني الحديث.

وسيبقى هو القائد الرمز في حياته وسيكتب التاريخ ذلك بعد وفاته وما كان يتمتع به عرفات لن يتكرر للزعماء والقادة الفلسطينيين على الأقل في عصرنا هذا.

ويعود ذلك إلى شخصيته القيادية التي أقنعت الفلسطينيين بأنه رغم الأخطاء التي حصلت أثناء فترة قيادته الطويلة إلا أنها أخطاء أملتها ظروف السياسة الدولية التي حاك مؤامراتها ضده الكثير.

فهو بلا شك له خصوم سواء من داخل بيئته أو من خارجها فهو المحارب القديم وعلى عدة جبهات ويكفينا الحقد الدفين الذي يبديه من حين لآخر أعداؤه فهو يتمتع بالسلطة والنفوذ والقيادة استخدمها بكفاءة عالية.

ومهما يقال عن الفساد وسوء الإدارة في بعض هياكل السلطة إلا أن عرفات بما يملكه من التجربة المبنية على المعرفة التاريخية والسياسية لأسباب الصراع العربي الإسرائيلي أكدت أنه استخدم سلطاته بذكاء ودهاء سواء في زمن الحرب أو زمن البحث عن السلام.

وما كان ينقص عرفات فعلاً هو التفاف الشعب الفلسطيني حوله بكل فصائله وأشكاله السياسية، ولكن بكل أسف شعبنا هم كالصقور تجدهم فرادى وكأنهم كلهم قادة.

وهذا هو سر الضعف ولو توحدوا واجتمعوا لما ضرهم من خذلهم وهذا هو الوتر التي تلعب عليه إسرائيل منذ زمن طويل ويكفينا فخراً من هذا الزعيم أنه أسس منظمة التحرير وانتزع الاعتراف الكامل في جميع المحافل الدولية عربية كانت ام إسلامية ام دولية.

رغم التجاذبات السياسية على الساحة الدولية عبر تاريخ القضية وهذا يزيدنا قناعة بإن بقاء عرفات على رأس الهرم والقيادة سيزيد من فرص هزيمة شارون رغم إمكانياته ورغم قوة سلطانه والدولة العظمى التي تناصره ضد هذا الشعب الأعزل لتجريد الزعيم الفلسطيني من سلطاته وصلاحياته.

ولكن هذا المناضل بقي شامخاً ضد كل المؤامرات داخلية كانت أم خارجية وبهذا نخلص الى القول إن الزعماء يصنعون المجد لأنفسهم ولأمتهم وبذلك هم يصنعون التاريخ ولا يصنعهم التاريخ فهم المؤثرون وما التاريخ إلا مرآة نشاهد فيها ما صنعوا.

وما سيكتبه التاريخ هو وصف تام لجميع الأقوال والأعمال والأحداث التي صنعوها هؤلاء الزعماء والقادة وماهي إلا بصمات يتركوها محفورة في صفحات التاريخ المشرق لهذه القضية العادلة التي سينتصر أصحابها يوما ما!

فالقضايا العادلة حتماً ستنتصر وهذا ما يدركه شارون قبل غيره ومن الصعب أن نفهم أن من يحوز على جوائز السلام كيف يوصم بالعقبة في طريق السلام وهو الذي قدم التنازلات من أجل هذا السلام.

سلام الشجعان كما يحلو للقائد أن يصفه فهو صانع السلام ورغم ذلك فالمتشددون اليهود قتلوا رابين الطرف الآخر في عملية السلام من الجانب الإسرائيلي وكان يحلوا للقائد القول عنه شريكي في عملية السلام.

ومن الغريب أن راعي الإرهاب شارون هو الذي يقرر لصانع السلام عرفات بمغادرة مقره المحاصر في رام الله لتلقي العلاج خارج الوطن. ولكن انظروا في المقابل ما يقوله أبناء فلسطين احتفاء بصانع السلام من كل شبر من فلسطين التي رفعت راياتها نودعك أيها القائد فلتهنأ بشعبكَ العظيم الوفيِّ المرابط ولتقرَّ عيناً بمن سيدخل المسجدَ معكَ أو من بعدك.

إنه وعد الحق وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علو تتبيرا هذا الوعد مازال قائما لفئة لا تزالُ تجاهد في سبيل الله أبناء الجبارين المجاهدين الصابرين سيكتب لهم إحدى الحسنيين النصر أو الشهادة.

هم على الطريقِ للقدسِ مجاهدين لإعلاء كلمة الدين وليدخلوا في فلسطين بالملايينْ على خطاك رجال من المؤمنينَ.

لقد بكيت حين شاهدتك لأول مرة بدون الكوفية المرقطة والنظارات سوداء، أو البزة العسكرية الكاكي، هذه الكوفية رمز هذا الشعب من زمن العهدة العمرية الى زمن قائد الثورة الفلسطينية.

أيها القائد ماذا قالوا عنك؟ فعندما عقدت العزم على تفجير الثورة قالوا عنك مجنون، وعندما قاومت السيطرة على الثورة سجنوك.

ولما اشتد عود الثورة إتهموك بالتوريط للعرب عندما انطلقت رصاصتها مدوية بقرار فلسطيني مستقل حتى أتهموك بالتفريط بالقضية ووحدة الامة، لماذا؟

لأنك اخترت التوقيت للانطلاقة بعيدا عن التنسيق العربي المفقود وبقيت الوحيد الشامخ كالطود لا تهزه الريح أو كما يحلوا لك أن تقول يا جبل ما يهزك ريح.

واتهموك بتصدير الثورة وتنفسوا الصعداء مرات عديدة منها عندما خرجت من عمان وبيروت وعندما سقطت طائرتك في الصحراء الليبية وأمثال تلك الأحداث لدينا منها الكثير؟

كان بطلا في الحرب شجاعاً مقداماً وبطلاً عندما قرر أن يخطوا في طريق السلام وحدد هدف الاستقلال بالمفاوضات ونأمل من الله أن تتحول المنظمة الى دولة وتبقى القدس عاصمة لهذه الدولة ليعود إليها اللاجئين.

ورغم مرور الثورة بعدة أطوار وأشكال ومراحل تتغير وتتبدل حسب الظروف السياسية، ولكنها تتواصل ولم تتوقف.

فلم يستسلم للضغوطات الدولية نهائيا، لكنه لم يرفض كل ما عرض عليه، اشتهر أكثر من فلسطين نفسها لكن بفضلها، حيث كان الناس يقولون “عرفات فلسطين وفلسطين عرفات “.

وهذا تأكد لي في أكثر من مناسبة عندما زرنا العديد من دول العالم يسألون من أين أنت كنت أقول من فلسطين فيقولون آه عرفات، لقد ساهم بنفسه ومعه رفاق دربه في تكريس تلك الصورة عربيا ودوليا.

فلا عجب أن القضية مرتبطة باسم عرفات، انه بطل يصنع الأحداث ولا يتوانى عن الإقدام أو المخاطرة وخاض مجازفة الحرب بإعلان الثورة.

وخاض مجازفة التسوية بالدخول في مسار السلام، ولم يسلم من منتقديه الذين يتهمون ويشككون.

رغم أنه كان رمزاً في معركة الكرامة وكان رمزاً في معركة الصمود في بيروت وكان رمزاً في انتزاع القرار الوطني المستقل وكان رمزاً في الأمم المتحدة عندما حذر قائلاً لا تجعلوا غصن الزيتون يسقط من يدي. ولا نستطيع حصر مئات المبادرات والنجاحات والانتصارات التي صنعها هذا القائد العظيم الذي لا يمكن تجاوزه حتى يـُكمّل المشـوار الذي خطـاه.

ويواصل مسيرة نضاله التي بدأهــا منذ نعومة أظفاره، ونذر لها نفسه، وارتهن لها حيـــاته.

ومنذ فترة بعيدة تسائل كثيرون ماذا بعد عرفات؟ وعاد هذا السؤال يطفو على السطح من جديد إثر مرض نقل على إثره للعلاج إلى فرنسا وليس غريباً أن يجيب على هذا السؤال كل كاتب أو صحفي أو سياسي وفقاً لما تمليه علية أهوائه وطموحاته أو أهدافه أو تنبؤاته فالكاتب والسياسي والصحفي الإسرائيلي سيتصور ما هو مناسب لأهوائه ويتخيل أن رحيل عرفات سيكون صداماً فلسطينياً.

لأنهم يرغبون ويؤملون هذا ومنهم من شطح ابعد من هذا بالقول بعد عرفات ستبدأ في المناطق حرب أهلية تعزز البنية التحتية للإرهاب، وربما تنهار أجهزة السلطة الفلسطينية ويتطلب الأمر تدخلا دوليا “.

أما بعض الكتاب العرب أدلوا بدلوهم ايضاً عبر تخيلاتهم حينما قالوا ” أن الأمور ستؤول من بعد عرفات إلى المؤسسات الفلسطينية سواء التشريعية أو التنفيذية، “.

وهذا شيء جميل، ولكن عندما استطردوا وقالوا ” فاللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية كانت ولازالت لجنة صورية، جسد بلا روح، بيت بلا جدران، غرفة من زجاج، شاهد زور،”.

فقد ظلموا أبناء جلدتهم بحجب الثقة عنهم من خلال عبارات تصور المؤسسات الفلسطينية سواء التشريعية او التنفيذية بصورة غير حقيقية.

كثيرون هم الذين ينطلقون في تحليلاتهم لما سيكون بعد عرفات من هذه النظرة السوداوية التي تفضي بالنهاية إلى نتائج عكسية.

ولكن هناك فئة أكثر منهم من يعتقد أن ما بعد عرفات سيكون هو عهد الاستقرار والهدوء الداخلي الفلسطيني، حتى أنهم وصفوه بعهد الإجماع الفلسطيني.

بمعنى انه قد يكون العهد الذي سيظهر للوجود القيادة الموحدة، أو المرجعية الوطنية للسلطة التي تحدث عنها الجميع ونادت بها كافة الفصائل الفلسطينية خلال حوارات عدة جرت فيما بينها.

وكأنما يؤكدون من غير قصد ان عرفات هو مازال عقبة في سبيل الدولة الفلسطينية.

وعندما تسمع تصريحات من هنا وهناك تجد التناقض يلف كثير من الامور فعند سفر الرئيس للعلاج قال مساعدوه إنهم يسيرون الأمور عبر المؤسسات الدستورية والشرعية ولا يوجد فراغ سياسي من جراء سفر الرئيس.

وفي المقابل هناك تصريحات أخرى تقول إن سفره المفاجئ أحدث نشوء فراغ قيادي لا بد لنا من الاعتراف بنشوئه حيث لابد من الإسراع بإعادة ترتيب أوضاعنا بشكل أفضل.

وتوحيد صفوفنا، لمواجهة التطورات التي تنتظرنا، والتي يأتي في مقدمتها – خطة شارون الأحادية الجانب.

وبدأوا يتخيلون الصور القاتمة من جراء هذا الغياب القسري وكأنهم يريدون ان يرثوا الرجل وهو لازال حي يرزق.

وهم بهذا الإسقاط يسقطون من أعين أعدائهم قبل اصدقائهم.

ونحن بمقالنا هذا نعلم اننا لن نرضي هذا الطرف ولا ذاك، ولكن أستطيع القول مطلوب منك يا عرفات أن تصدر أوامرك بقيام مجلس حكماء يتولى تصريف الأمور لحين اتضاح الرؤية.

وأن تعمل قاسماً مشتركاً بين جميع المنظمات والفصائل الفلسطينية ولو على شكل وصية وأن تضع آلية لملئ الفراغ الذي قد يحدث مستقبلاً لتبني دولة المؤسسات والقانون لا دولة الفصائل والمنظمات التي لم تتجاوز الخلافات وتصفية الحسابات.

صحيفة دنيا الوطن الإلكترونية 09-نوفمبر-2004م

مصطفى بن محمد غريب