قوانين الجنسية والحرب الأهلية
تعتمد قوات الاحتلال الإسرائيلي على سياسات غير عادلة في التعامل مع سكان الأراضي العربية منذ عام 1948م، ويتم ذلك بحجة التوازن في التركيبة السكانية بين العرب واليهود لصالح الدولة الصهيونية حتى يتم تغيير الهوية والثقافة وهو ما أصبح يعرف بالتغيير الديموغرافي ثم بدأت تتلاعب بقوانين الجنسية والتفرقة العنصرية على أساس العرق، أو الدين أو المذهب أو العقيدة. (1)
وهي في الأساس تنفيذاً لتعليمات الحركة الصهيونية العالمية من استمرار تدفق الهجرة اليهودية من جميع بقاع العالم للاستيطان في فلسطين وقوات الاحتلال لا تتورع عن استخدام أي سلاح معنوي أو تدميري من أجل كسب الحرب الديموغرافية، فهي تعتبر أن تكاثر السكان الفلسطينيين هو تهديد لأمنها، لذلك فإنها لا تترك وسيلة للحد من هذا التكاثر.(2)
وتعمد سلطات الدول المتجاورة في معظم أنحاء العالم باستقطاب مجموعات من سكان الحدود وتقوم بمنحهم جنسيتها لكسب ودهم وهي ظاهرة عامة في معظم الدول إلا أنها تلاشت وانتهت في أوروبا الموحدة ومازالت تعتبر من أهم أسباب النزاعات على الحدود بين كثير من الدول إذ تشكل بذور خلافات ما تلبث أن تكبر لتصبح مشكلة دولية يتم بموجبها رفع شكاوى الى محكمة العدل الدولية لفض مثل تلك النزاعات.
وبرأينا أن معظم قوانين الجنسية في دول العالم الأخير لا تخضع لمعايير تخدم الوطن وإنما تخدم مزاجية من بيدهم القرار.
ومن هنا تنشأ التعديلات على أنظمة الجنسية في هذه الدول باستمرار وهذه التعديلات تثبت بشكل قطعي أن صوت الشعب مغيب تماماً فما على أصحاب القرار إلا أن يصدروا توجيهاتهم وما على الجهات التنفيذية إلا إتباع التعليمات وتطبيق الأنظمة فهي قرارات شخصية ارتجالية واجبة التنفيذ لا تعتمد على معايير واضحة. (3)
والتعديلات على أنظمة الجنسية ارتبطت بقضايا الهجرة واللجوء في مختلف دول العالم فكان لهجرة الأشخاص والجماعات من بلد الى آخر التماسا لأحوال معيشية أفضل أو كنتيجة مباشرة للحروب أو الركود الاقتصادي.
ومن أهم نتائج الحروب بخلاف الضحايا والخسائر المادية والبشرية هي مشاكل الهجرة والمهاجرين واللاجئين وارتبطت الهجرة أيضاً بالاضطهاد الديني أو العرقي أو السياسي وهذا يعني أن مشاكل الهجرة لن تنتهي طالما أن هناك حروب أو اضطهاد ديني أو عرقي أو سياسي أو ركود اقتصادي.
ولكن يمكن التخفيف من الآثار السلبية باعتماد أنظمة تنبثق من المفهوم الإسلامي لحقوق الإنسان والمساواة بين البشر وقيام كيان تكون فيه السيادة للدولة الراشدة ومؤسساتها المدنية ويلغى مفهوم القرارات المستبدة وإلغاء جميع أنواع التمييز بين البشر كما قال تعالى (يا أيها الناس إنّا خلقناكم من ذكرٍ وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليمٌ خبير). (الحجرات ـ 13). (4)
لذا فمن المفيد استحداث قوانين وأنظمة تضع حداً لكل شكل من أشكال التمييز وإنهاء الحروب ومشاكل الحدود والتركيز على التنمية الاقتصادية وتحقيق أحوال معيشية أفضل لسكان الدول.
إن الحاجة ماسة لتفعيل قوانين اللجوء التي تعتمدها كثير من دول العالم الأول، وهو حق حماية تمنحه الدولة في نطاق أراضيها للأجانب الذين يفرون إليها لحماية أنفسهم من جبروت وطغيان الأنظمة الحاكمة في دول العالم الأخير التي تعاني من الحروب والنزاعات العرقية والمذهبية وتعاني أيضاً من قوانين جائرة لا تتسم بالعدالة بين السكان ولا أقول المواطنين.
وتختلف قوانين الهجرة واللجوء من دولة الى أخرى، ومن الجدير ذكره بهذا الصدد أن الدول الغربية استقبلت العديد من المهاجرين واللاجئين والكثير من حالات اللجوء السياسي، ولكن ذلك تم بموجب أنظمة راقية تتعامل مع حقوق الإنسان ولا تغفل في نفس الوقت كيفية استثمار الجانب الإنساني لمزيد من التنمية الاقتصادية والمجتمعية.
فهذه الدول تنظر الى ذلك من منظار تفاؤلي أما في الدول العربية فالمنظار دائماً تشاؤمي، وتركز دول العالم الأول عموماً على استثمار هجرة العقول البشرية والاستفادة من الكوادر العلمية وتنميتها دعماً لمؤسساتها العلمية والمدنية والاقتصادية، وهناك أنظمة تقوم على تشجيع الهجرة إليها لمن يستطيع الاستثمار في مشروع أو تجميد ودائع مالية في بنوكها لدعم الاقتصاد الوطني.
أما دول العالم الأخير فتقوم بإقصاء العلماء والمثقفين المخالفين لتوجهاتها المختلفة وتهجير أصحاب هذه العقول الى الخارج ومن هنا يتضح ازدياد معدلات التنمية في الدول المتقدمة عنها في بقية الدول.
التي تزداد تخلفاً وهذا ما يجعل ملفات الهجرة في هذه الدول ملفات مفتوحة في أرشيف مغلق وتشكل أزمات والسبب أنها ليست دول يسود فيها العدل أو يتمتع كل من يعيش على ثراها بنفس الدرجة من الرعاية والاهتمام أو سرعة الإنجاز، وعليه تكون الهجرة قسرية ومتعمدة في أحيان كثيرة فالإنسان الحر يبحث عن الحياة الكريمة في أي مكان وهرباً من الاضطهاد أو الفقر أو الحروب. (5)
وفي معظم دول العالم الأخير يكون هناك تمييز واضح بين المواطنين أنفسهم عوضاً عن التمييز بين عدد آخر من السكان، فهناك بعض الدول تقوم بالتفريق بين المواطنين فهذا مواطن بالتجنس وهذا مواطن بالسلالة وعليه يحرم بعض المواطنين من العمل في وظائف معينة طبقاً لشروط محددة ومن أهمها أن يكون المتقدم لهذه الوظائف مواطن بالأصل والمنشأ والولادة ومن أبوين أصليين وهذا فرق واضح بين دول العالم الأول ودول العالم الأخير. (6)
ويبدوا أن ذلك من أهم الفوارق بين الديموقراطية الحقيقية والديموقراطية غير الحقيقية فالدول التي تتعمد إفقار بعض الفئات فيها أو حرمانهم من العمل والعيش أو محاربتهم في أرزاقهم أو إعطائهم أجور منخفضة أو حرمانهم من التعليم المجاني أو العلاج المجاني فهي دول لا تتمتع بأي نوع من الديموقراطية الحقيقية. (7)
إن من يحاول تخريب أو خلخلة الوضع الديموغرافي أو العبث به سيحقق نتائج كارثية من سوء عمله هذا , وتتمثل هذه النتائج في المذابح والفتن التي لن تنتهي من جيل الى جيل حتى يظهر الحق ويزهق الباطل ومثال جنوب أفريقيا أكبر دليل ففي جنوب أفريقيا التي حكمها البيض عنوة واستطاع النظام العنصري ما يقارب القرن البقاء بسلوك طريق التمييز والمجازر ضد المواطنين الأصليين مصّرا على تغيير تركيبة وهوية البلد لكنه لم يستطع البقاء طويلا وتم إنقاذه عبر استلام السود للسلطة بعد صراع طويل وسفك دماء , وهي بشرى تاريخية لأهل فلسطين المجاهدين والمرابطين الى يوم الدين . (8)
وهذا يعني أن تغيير أو خلخلة أو تخريب الوضع الديموغرافي القسري سيزيد الوضع الطائفي سوءا وسيضاعف من الشعور بالحقد والغبن والاضطهاد الذي تحرمه جميع الأديان السماوية والأعراف والقوانين الدولية وهي الشرارة التي بها تشتعل نيران الحروب الأهلية أو الطائفية أو الانتفاضات الشعبية.
المصادر والمراجع
———————————
1- مركز غزة للحقوق والقانون، الأبعاد القانونية لبناء جدار الفصل العنصري الإسرائيلي في الضفة الغربية ، نوفمبر 2003 .
2- موقع مستقبليات، التسلح النووي الإسرائيلي .
3- موقع قناة العربية , 12 فبراير 2005م، 04 محرم 1426 هـ، السنة الأولى، اليوم 356 .
4- القرآن الكريم سورة الحجرات الآية (13).
5- رسالة النور، متى نحرر المسجد الأقصى.
6- كتاب التجنيس والتغيير، عبدالله مؤمن، الطبعة الأولى 2002م-1423هـ .
7- مركز المعلومات الوطني الفلسطيني، الفقر في فلسطين .
8- كتاب التجنيس والتغيير، عبدالله مؤمن , الطبعة الأولى 2002م-1423هـ .
صحيفة إيلاف الإلكترونية 12-فبراير-2005م
مصطفى بن محمد غريب
